كيف توازن باكستان بين دعم السعودية والحفاظ على علاقاتها مع إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد الحرب بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تسعى باكستان إلى التوفيق بين شراكتها الأمنية مع السعودية والمخاطر التي يفرضها التصادم مع جارتها إيران.

وأوضحت مؤسسة "أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن" الهندية أن باكستان تنتهج نهجا حذرا ومدروسا في تعاملها مع كل من إيران والسعودية.

اختبار حقيقي

وقالت المؤسسة الهندية: إنه مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، تواجه سياسات العديد من الدول اختبارا حقيقيا.

ومن بين الدول التي تواجه تحديات كبيرة تبرز باكستان، إذ إنها حليف وثيق للسعودية وجارة لإيران، حيث تتشارك معها مئات الكيلومترات من الحدود، ما يضعها في موقف حساس.

وأشار التقرير إلى أن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية التي تنص على رد عسكري في حال تعرض أي من الطرفين لعدوان، تفرض على باكستان إعادة تقييم حساباتها في السياسة الخارجية بشكل شامل.

وأضاف أن باكستان حافظت على علاقات طويلة الأمد مع المملكة، وقدمت لها دعما عسكريا على مدى عقود. كما يعمل عدد كبير من المواطنين الباكستانيين في السعودية، ويرسلون تحويلات مالية مهمة تدعم الاقتصاد الباكستاني.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين باكستان والسعودية نحو 5 مليارات دولار، ما يمثل حصة كبيرة من تجارتها الخارجية.

علاوة على ذلك، لطالما كانت السعودية داعما ماليا لباكستان، التي عانت من تحديات اقتصادية مستمرة. وفي السنوات الأخيرة، استثمرت السعودية أيضا في قطاع المعادن الباكستاني ومشاريع بنية تحتية رئيسة أخرى، بما في ذلك الكهرباء، مما زاد من أهميتها الاستراتيجية لإسلام آباد.

وقد ظهرت مبادرة تطوير البنية التحتية للتعدين (SMDA) في أعقاب الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على قطر، مما يشير إلى تزايد شكوك السعودية بشأن التزام الولايات المتحدة بأمن شركائها في الخليج، وفق تأكيد "أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن".

وقد أفاد هذا الترتيب باكستان أيضا، إذ انعكس في زيادة الاستثمارات السعودية في البلاد.

وأضاف: "من جهة أخرى، يجمع باكستان وإيران تاريخ طويل ومعقد. ويبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 3 مليارات دولار، ويسعى كلا الجانبين إلى رفعه إلى 10 مليارات دولار".

"وقبل الحرب، شهدت العلاقات تحسنا تدريجيا، ويتجلى ذلك في 25 زيارة ثنائية رفيعة المستوى بين مسؤولين من البلدين خلال العامين الماضيين".

"وفي الوقت نفسه، برزت التوترات بشكل دوري، وشهد عام 2024 تبادلا قصيرا للضربات الصاروخية بين البلدين. ومع ذلك، فإن التقارب الجغرافي بين البلدين يجعل علاقتهما ذات أهمية بالغة".

قيود والتزامات

وتابع التقرير: "في ظل الوضع الراهن، ومع تعرض السعودية لهجمات متكررة من إيران، هناك احتمال أن تلجأ الرياض إلى باكستان طلبا للدعم العسكري".

وقد أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بالفعل عن "تضامن بلاده الكامل ودعمها" للسعودية. وفي الوقت نفسه، أجرى شريف اتصالا هاتفيا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عقب إعلان مجتبى خامنئي مرشدا جديدا لإيران.

ولذا، فإن السؤال المحوري، وفق التقرير، هو: ما التقديرات التي يجب على باكستان مراعاتها إذا ما قررت الدفاع عن السعودية؟

وقال: "بالنسبة لإسلام آباد، هناك عدة قيود تجعل أي قرار بالتورط المباشر في الحرب أمرا معقدا".

أولا، على الرغم من أن باكستان قد تكون مُلزمة بموجب اتفاقية الدفاع الإستراتيجي بدعم المملكة، إلا أنها منشغلة بالفعل في نزاعات قائمة مع أفغانستان، وهي قضية لم تحظَ باهتمام يُذكر وسط تغطية إعلامية طغت عليها الحرب مع إيران.

وقد فرضت التوترات مع أفغانستان تكاليف عسكرية وعملياتية باهظة على باكستان، مما يُلزم إسلام آباد بتركيز موارد أمنية كبيرة على تلك الجبهة، وفق التقرير.

وقال مؤكدا: "إن الدخول في صراع ثانٍ ضد دولة أخرى من شأنه أن يُرهق بشدة القدرات والموارد العسكرية الباكستانية".

ثانيا، لا يمكن لباكستان أن تتجاهل موقعها الجغرافي وتفتح جبهة حرب مستمرة مع إيران، بحسب تأكيد المؤسسة البحثية الهندية.

فقد أظهرت إيران قدراتها العسكرية، متجاوزةً بذلك أنظمة الدفاع الأميركية والإسرائيلية والخليجية جميعا. إضافةً إلى ذلك، أبدت طهران استعدادا قويا لضرب خصومها بقوة.

وبالنسبة لباكستان، فإن خطر استمرار التوترات مع إيران المجاورة أمر لا تريده مطلقا، نظرا لتحدياتها الأمنية المتزامنة مع أفغانستان والهند.

ثالثا، يجب على باكستان أيضا مراعاة الحساسيات السياسية الداخلية، بما في ذلك شريحة كبيرة من سكانها متعاطفة مع إيران.

حيث يشكل الشيعة في باكستان نحو 20 بالمئة من سكان البلاد، أي ما يقارب 35 مليون نسمة، ولهم روابط دينية واجتماعية راسخة مع إيران. ويسافر العديد من الشيعة الباكستانيين بانتظام إلى إيران، وقد قاتل بعضهم سابقا إلى جانب القوات المدعومة من إيران في سوريا.

وأكد التقرير أن استعداء هذه الشريحة من خلال المشاركة في حرب ضد إيران قد يُزعزع استقرار باكستان، التي شهدت تاريخيا عنفا طائفيا كبيرا بين السنة والشيعة.

قرارات صعبة

وقال: إن باكستان، شأنها شأن العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك الهند وعدد من دول الخليج، لا تمتلك حلولا سهلة في هذه الحرب.

وأضاف أنه رغم القيود المذكورة سابقا، لا تزال باكستان تعتمد بشكل كبير على السعودية في المساعدات والدعم الاقتصادي، خاصة في ظل هشاشة وضعها الاقتصادي الداخلي.

كما أشار إلى أن باكستان لا تستطيع تحمل أي انقطاع في واردات الوقود من دول الخليج، التي توفر جزءا كبيرا من احتياجاتها من الطاقة.

وأوضح أن باكستان تتبنى نهجا حذرا ومدروسا، ومن المرجح أن تتجنب التصعيد، لا سيما بعد اتخاذها إجراءات تقشفية داخلية لترشيد استهلاك الطاقة، ولذلك فإن التدخل العسكري المباشر يبقى خيارا تسعى إلى تجنبه.

وأضاف أن تفاوض باكستان مع إيران لضمان مرور شحنات الوقود عبر مضيق هرمز يعكس استمرار نهجها البراغماتي في التعامل مع طهران، رغم دعمها السياسي للسعودية، وذلك بهدف حماية أمنها الطاقي.

وأشار أيضا إلى أن من العوامل التي تصب في مصلحة باكستان وجود استثمارات صينية كبيرة ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

أما بالنسبة لإيران، التي تصدر معظم نفطها إلى الصين، والتي يقال إنها تلقت دعما استخباراتيا من بكين خلال الحرب، فإن استهداف الاستثمارات الصينية في باكستان أو إثارة استياء شريك رئيس مثل الصين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وفق التقرير.

ويزداد ذلك أهمية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تواجهها طهران عقب هجماتها على عدة دول في الشرق الأوسط.

من جانب آخر، تبدو السعودية مترددة في تفعيل اتفاقية الدفاع رسميا؛ لأن ذلك قد يرقى إلى إعلان حرب، وهو تصعيد تحرص الرياض على تجنبه لتفادي الانخراط بشكل أعمق في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بحسب التقرير.