بين إطفاء حرب إيران وإشعالها.. لماذا تختلف حسابات قطر والإمارات؟

الطرح القطري يرى أن تجنب التصعيد ليس خيارا تكتيكيا، بل ضرورة استراتيجية لتفادي كلفة كارثية قد تمتد آثارها لأجيال
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتسارع فيها طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتفاقم تداعياتها على شعوب المنطقة، برزت قطر بصوت مختلف، يتسم بقدر أكبر من الاتزان والمسؤولية.
وفي هذا السياق، جاء تصريح المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في 31 مارس/آذار 2026، ليؤكد مجددًا أولوية الحلول الدبلوماسية، وضرورة ترسيخ التعايش الإقليمي، بدل الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة لا يملك أي من أطرافها ترف تحمّل كلفتها.
ولا يعكس هذا الموقف مجرد خيار سياسي عابر، بل يعبّر عن رؤية قطرية متماسكة، تدرك أن استمرار الحرب لن يفضي إلى حسم بقدر ما سيغرق المنطقة في دوامة استنزاف طويلة، تهدد أمنها واستقرارها لسنوات، وربما لعقود.
في المقابل، لم يتأخر الهجوم الإعلامي من منصات محسوبة على الإمارات العربية المتحدة، التي سعت إلى تصوير هذا النهج الدبلوماسي بصفته "تنازلًا" أو "صفقة" مع إيران، في قراءة تختزل تعقيدات المشهد، وتتجاهل كلفة التصعيد غير المحسوب.
وبينما تدفع الدوحة باتجاه احتواء الأزمة ومنع اتساعها، تبدو أصوات أخرى أكثر ميلاً إلى تبني خيار الحسم العسكري، مهما بلغت كلفته، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الشرق الأوسط بأسره.
وهكذا، يتجاوز هذا التباين حدود السجال الإعلامي، ليكشف عن مفترق طرق حقيقي داخل البيت الخليجي: بين مقاربة تسعى إلى إخماد الحريق قبل أن يمتد، وأخرى تبدو مستعدة للمضي في المواجهة حتى نهايات مفتوحة، دون ضمانات واضحة لمآلاتها.
وفقا لما أوردته وكالة "رويترز" البريطانية في تقرير نشر بتاريخ 27 مارس/ آذار 2026، فإن دول الخليج، مثل قطر وسلطنة عمان والكويت، تدفع خلف الكواليس نحو إنهاء سريع للحرب، خشية التداعيات الاقتصادية والردود الانتقامية.
وفي المقابل، تشير الوكالة إلى أن الإمارات والسعودية والبحرين تؤكد استعدادها لتحمل تصعيد الحرب، وترفض القبول بإيران ما بعد الحرب إذا ظلت قادرة على استخدام مضيق هرمز كورقة تفاوض أو كأداة ضغط
فيما أفادت قناة "i24NEWS" الإسرائيلية، بأن الحكومة القطرية تكثف جهودها لوقف الحرب، في إطار مساع لاحتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
وبحسب القناة، فإن الدوحة تدفع باتجاه إنهاء سريع للصراع، في وقت تنقل فيه عن مواقف خليجية أخرى، لا سيما الإمارات التي تطالب واشنطن بضمانات تحول دون بقاء ما تصفه بـ"التهديد الإيراني" بعد انتهاء الحرب.
وكان موقع "أكسيوس" الأميركي قد كشف في تقرير نشره بتاريخ 21 مارس، عن شروع دونالد ترامب في مناقشات أولية بشأن المرحلة التالية من الصراع، وما قد تفضي إليه من مسارات محتملة لمحادثات السلام مع إيران.
وبحسب الموقع، فإن واشنطن تبحث في خيارات الوساطة، من بينها الدور القطري، في وقت تسعى فيه إلى التواصل مع مراكز القرار الفعلية داخل طهران، بدلا من الاكتفاء بالقنوات الرسمية التقليدية.

النقيض الإماراتي
وعلى النقيض من الموقف القطري الداعي إلى التهدئة واحتواء التصعيد، كشفت "فايننشال تايمز"، في تقرير نشرته يوم 26 مارس نقلا عن مصادر مطلعة، أن الإمارات أبلغت واشنطن وعددا من العواصم استعدادها للمشاركة في قوة بحرية متعددة الجنسيات تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بل والعمل على حشد عشرات الدول لتشكيل ما وصف بـ "قوة أمن هرمز".
ويعكس هذا التوجه الإماراتي مستوى متقدما من الانخراط مقارنة ببقية دول الخليج، الذين أبدى بعضهم رفضا صريحا، فيما فضل آخرون التريث أو الامتناع الضمني عن إرسال قوات بحرية إلى المضيق، في ظل المخاطر المرتبطة بتوسيع نطاق المواجهة.
وقد تدرج الموقف الإماراتي عبر سلسلة من التصريحات العلنية لمسؤولين رفيعي المستوى، بدأت مع أنور قرقاش، مستشار رئيس الدولة محمد بن زايد، الذي أشار في كلمة ألقاها خلال فعالية لمركز أبحاث أميركي في 17 مارس إلى أن بلاده يمكن أن تنضم إلى جهود دولية لحماية الملاحة في المضيق.
ولاحقا، انتقل هذا الطرح من مستوى الاحتمال إلى التأكيد، مع مقال نشره السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، في "وول ستريت جورنال" بتاريخ 25 من الشهر ذاته، تحت عنوان "الإمارات تقف لتتصدى لإيران".
حيث تبنى خطابا أكثر حدة، متقاطعا مع أهداف الحرب القصوى التي يطرحها التحالف الأميركي الإسرائيلي، لا سيما الجناح الرافض لوقف إطلاق النار داخل الإدارة الأميركية.
وأكد العتيبة في مقاله أن "وقف إطلاق النار وحده لا يكفي"، داعيا إلى حسم شامل يعالج، وفق تعبيره، ما يعده "تهديدات إيران"، بما يشمل برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة، إلى جانب نفوذها الإقليمي وتأثيرها على الممرات البحرية الدولية.

خطورة الوضع
وفي سياق يعزز الرؤية القطرية التي تحذر من كلفة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة وتصعيد الحرب، يرى أليكس فاتانكا، الخبير في معهد الشرق الأوسط بواشنطن أن المعطيات الجغرافية وحدها تجعل من الصعب وقف الهجمات الإيرانية.
مشيرا في تصريح لـ "بي بي سي" في 4 أبريل/ نيسان 2026، إلى أن "عامل القرب الجغرافي وضع دول الخليج في موقع هش، لتتحول إلى دول مواجهة في حرب لم تكن طرفًا فيها، ومع ذلك تتحمل تكلفة اقتصادية باهظة".
ويضيف فاتانكا أن "توجيه الموارد بالكامل نحو الدفاع لا يغير من حقيقة أن هذه الدول تظل أهدافا سهلة نسبيا لإيران".
لافتا إلى أن استثمارات بمليارات الدولارات باتت معرضة لتهديد طائرات مسيرة منخفضة التكلفة لا تتجاوز قيمتها آلاف الدولارات.
ويرى أن هذا الخلل البنيوي ينعكس مباشرة على ارتفاع تكاليف التأمين، وتعقيد سلاسل الإمداد، بل وقد يدفع شركات دولية إلى إعادة تقييم حجم انكشافها في منطقة الخليج.
وفي تحذير يعكس حدود الرهان على التحالفات الأمنية، يؤكد الخبير أن تعزيز العلاقات الدفاعية لا يخلو من قيود، خاصة فيما يتعلق بمدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها الخليجيين.
ويكشف أن حكومات المنطقة كانت قد نبهت واشنطن، قبل اندلاع النزاع، إلى مخاطر التصعيد، لكنها خرجت بشعور من الإحباط.
ويضيف: "خاض ترامب الحرب إلى حد كبير من أجل نتنياهو، متجاهلا دول الخليج، وهم يدركون أنهم لن يحظوا أبدا بنفس المعاملة التي تحظى بها إسرائيل".
كما يشير فاتانكا إلى أن التقديرات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة تفرض سقفا على التزامها طويل الأمد تجاه أمن الخليج، متسائلا: “هل سيكون الرأي العام الأميركي مستعدا لتعزيز الوجود العسكري في المنطقة؟ وكيف يمكن تسويق ذلك؟”
ويختتم بتحذير لافت يتقاطع مع جوهر المقاربة القطرية، مؤكدا أن "إيران تستطيع تعقيد سبل الحياة في هذه الدول حرفيا، بما قد يهدد استقرارها على مدى أجيال"، في إشارة إلى المخاطر المرتبطة باستهداف البنية التحتية الحيوية، خصوصا منشآت الكهرباء وتحلية المياه.

النموذج الخليجي
وقد سلطت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية في 10 أبريل 2026، الضوء على تداعيات الحرب على مستقبل التنمية في دول الخليج، في مقال للباحث ستيفن كوك.
الذي حذر من كلفة التصعيد غير المحسوب، وهي الرؤية التي تتقاطع بوضوح مع المقاربة القطرية الداعية إلى التهدئة وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
ويشير كوك إلى أن الأسابيع الماضية شهدت انتقال ساحة الحرب إلى الخليج، مع تعرض البنية التحتية للطاقة والتكنولوجيا في عدة دول لهجمات إيرانية مكثفة؛ حيث نالت منشآت في الإمارات والبحرين والكويت وقطر والسعودية، في ظل إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعكس هشاشة البيئة الإقليمية أمام تصعيد واسع.
ويرى الكاتب أن ملامح وقف إطلاق النار وخطة السلام المطروحة لا تبدو مطمئنة لدول الخليج، خصوصا مع إصرار طهران على الحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز، بما في ذلك إمكانية فرض ترتيبات تمنحها سيطرة فعلية على الممر الحيوي، وهو ما قد يضع دول الخليج أمام خيارين أحلاهما مر، الاعتماد على حسن نية إيران أو دفع كلفة مالية مقابل تأمين تدفق التجارة.
ويحذر كوك من أن هذا الواقع الجديد يعمق التهديدات الأمنية والاقتصادية، ويقوض صورة الخليج كبيئة جاذبة للاستثمار، في وقت يظل فيه خطر استهداف البنية التحتية قائمًا حتى في ظل هدنة هشة.
ويضيف أن رهان بعض الأطراف (مثل الإمارات) على الحسم العسكري لم يتحقق، بينما تبدو فرص عودة واشنطن إلى تصعيد واسع محدودة، في ظل حسابات داخلية أميركية معقدة.
ويخلص إلى أن دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها، عبر توجيه موارد أكبر نحو الأمن والدفاع، وربما تنويع شراكاتها الدولية، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع الصين، في مسار يعكس حجم القلق من مستقبل غير مستقر.
وهي خلاصة تعزز طرحا قطريا يرى أن تجنب التصعيد ليس خيارا تكتيكيا، بل ضرورة إستراتيجية لتفادي كلفة كارثية قد تمتد آثارها لأجيال، بخلاف مقاربة إماراتية أخرى أكثر اندفاعا نحو استمرار المواجهة رغم مخاطرها.
المصادر
- قطر: أي دور لوقف الحرب مرحب به والاتصالات مع إيران مستمرة
- قطر تؤكد دعمها لكافة الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب مع إيران
- قناة إسرائيلية: قطر تسعى إلى وقف حرب إيران.. هذا موقف السعودية والإمارات
- هل تنضم الإمارات للحرب على إيران؟
- Where Do the Gulf States Go From Here?
- كيف يمكن لحرب إيران أن تعيد تشكيل سياسات دول الخليج؟

















