بين التهجير والضغط الطائفي.. هكذا تتجه إسرائيل نحو "إبادة جماعية" للشيعة في لبنان

أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر متتالية بإخلاء سكان الضاحية الجنوبية لبيروت
بالتزامن مع الخطة الإسرائيلية الرامية إلى احتلال نحو 10 بالمئة من مساحة جنوب لبنان، وشطر المنطقة الجنوبية إلى نصفين، وجعل نهر الليطاني خطًا حدوديًا فاصلاً، تشير تقارير متعددة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي عمد إلى تنفيذ إبادة جماعية تستهدف الطائفة الشيعية في جنوب لبنان بهدف تغيير الوضع الديموغرافي في المنطقة.
وتشمل هذه الخطط قصف المنازل وتهجير السكان الشيعة من الجنوب، إلى جانب تدمير ممنهج لكل مظاهر الحياة في المناطق المستهدفة، على غرار ما جرى في قطاع غزة خلال عمليات الإبادة والتطهير العرقي السابقة. كما أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر متتالية بإجلاء سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تشكل أحد أبرز المراكز السكانية للطائفة الشيعية في لبنان.
وعلاوة على ذلك، أمر الجيش الإسرائيلي المسيحيين في لبنان، خاصة في المناطق الجنوبية، بعدم استقبال أو إيواء أي شيعي نازح يشاركهم المساكن أو القرى بعد هدم منازلهم ومتاجرهم، في محاولة واضحة لتغيير التركيبة السكانية.
وتُعد الضاحية الجنوبية لبيروت أكبر تجمع شيعي في لبنان؛ حيث يُقدر عدد سكانها بين 900 ألف ومليون نسمة من أصل نحو مليون ونصف المليون شيعي يشكلون حوالي 32 بالمئة من إجمالي سكان لبنان.
تركز الخطط الإسرائيلية على إبعاد نسبة كبيرة من السكان الشيعة عن المناطق الحدودية مع إسرائيل، مع تدمير منازلهم وممتلكاتهم بحجة بناء جدار عازل يمنع صواريخ حزب الله من الوصول إلى المستوطنات الواقعة شمال إسرائيل.
ما القصة؟
منذ بدء المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، وتصاعد الغزو الإسرائيلي على طول الحدود الجنوبية، بذريعة توسيع ما تسميه "المنطقة العازلة"، أصدرت قوات الاحتلال أوامر إجلاء جماعية استهدفت الشيعة، مع تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية في مختلف أنحاء المنطقة، ما أجبر السكان على النزوح.
وفي السياق ذاته، حملت الرسائل الإسرائيلية، وفق تقارير، مضمونًا واضحًا لشريحة واسعة من اللبنانيين مفاده: "يجب رحيل الشيعة". فإلى جانب أوامر الإخلاء الشاملة، مارست ضغوطًا على بعض الزعماء المسيحيين والدروز لطرد المسلمين الشيعة من المدن الجنوبية، بحسب ما أوردته نيويورك تايمز في مطلع أبريل/ نيسان 2026.
وأصدرت إسرائيل توجيهات بإخلاء منطقة واسعة من جنوب لبنان تمتد لنحو 40 كيلومترًا مربعًا من الحدود، ضمن مساحة محافظة الجنوب التي تُقدّر بحوالي 930 كيلومترًا مربعًا، مطالبة السكان بالتوجه شمالًا.
غير أن تقارير أفادت بأن المسؤولين العسكريين الإسرائيليين تواصلوا، بشكل غير معلن، مع قادة محليين من غير الشيعة في جنوب لبنان، من الطوائف المسيحية والدرزية، وطلبوا منهم البقاء، مع إبلاغهم بأن إجراءات الإخلاء والتهجير تستهدف الشيعة فقط.
كما مارسوا ضغوطًا عليهم لطرد أي لبنانيين شيعة لجأوا إلى قراهم، بعد أن دمر القصف الإسرائيلي بلداتهم بشكل شبه كامل، وفق ما نقله قادة محليون من المسيحيين والدروز والشيعة في تصريحات للصحيفة.
وأكد سكان شيعة أنهم، بعد فرارهم من مزارعهم مع اندلاع الحرب، ولجوئهم إلى بلدات ذات غالبية مسيحية أو درزية ضمن مناطق الإخلاء، أُبلغوا من قبل مسؤولين محليين بضرورة المغادرة فورًا، مشيرين إلى أن هؤلاء المسؤولين برروا ذلك بتعرضهم لضغوط إسرائيلية.
وأشار هؤلاء إلى أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين تواصلوا مع قادة ما لا يقل عن ثماني قرى، وأمروهم بطرد الشيعة الذين لجأوا إليها، بحسب إفادات مسؤولين بلديين وقادة محليين من مختلف الطوائف في مقابلات صحفية.
وأفادوا بأن معظم القرى امتثلت لهذه التعليمات، خشية تعرضها للقصف في حال عدم الالتزام.
كما تحدثت تقارير عن قيام بعض قادة البلديات بمنع النازحين الشيعة الجدد من استئجار منازل داخل البلدات، بدافع الخشية من احتمال ارتباطهم بـحزب الله، وما قد يستتبعه ذلك من استهداف إسرائيلي لتلك المناطق.
وفي السياق نفسه، كان مسؤولون في قرى ذات غالبية مسيحية أو درزية يزورون العائلات الشيعية المقيمة بشكل دائم، للتأكد من عدم استضافتهم أقارب نازحين حديثًا، مع تحذيرهم من أن القرى قد تضطر للامتثال لأي أوامر إسرائيلية بطرد الشيعة في حال صدورها.
وبحسب تقديرات لبنانية، فُسرت هذه الرسائل على أنها مؤشر واضح إلى سعي إسرائيل لإجبار شيعة الجنوب تحديدًا على المغادرة، بحجة انتمائهم الطائفي المرتبط بـ"حزب الله"، في إطار ممارسة ضغط عليه، لكن بصيغة أقرب إلى التطهير العرقي، تحت غطاء إنشاء منطقة عازلة جديدة.
وجاء ذلك في أعقاب تصريحات علنية لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قال فيها: إن إسرائيل تخطط لاحتلال أراضٍ لبنانية تمتد من الحدود حتى نهر الليطاني، بما يعادل نحو 10 بالمئة من مساحة لبنان، مشيرًا إلى أن الشيعة لن يُسمح لهم بالعودة، ومقارنًا الإستراتيجية المتبعة في لبنان بتلك التي طُبّقت في قطاع غزة.

تغيير الخريطة الديموغرافية
مع توسع العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ مطلع مارس/ آذار 2026، وتصاعد نمط ممنهج من القتل والتهجير القسري، واستهداف البنى التحتية، وعزل منطقة جنوب نهر الليطاني، برزت مخاوف جدية من أن تكون خطة الاحتلال تهدف إلى تغيير الوضع الديموغرافي عبر تنفيذ تطهير عرقي ممنهج.
وتشير رسائل التهجير، والضغوط التي مورست على السكان المسيحيين والدروز في الجنوب لإبعاد الشيعة عن قراهم، إلى أن إسرائيل تسعى ليس فقط إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية لجنوب لبنان، بل أيضًا إلى إعادة تشكيل خريطته الديموغرافية.
وتتحدث تقارير إعلامية وحقوقية عن أن إسرائيل تعمل على إفراغ الشريط الحدودي من السكان الشيعة، خصوصًا، بهدف إنشاء منطقة عازلة خالية أو قليلة السكان، على غرار نماذج سابقة حاولت تطبيقها في جنوب لبنان عام 1996، أو في مناطق من قطاع غزة.
ووصف موقع 972 Magazine، في تقرير نشره بتاريخ 6 أبريل/ نيسان 2026، هذه الممارسات بأنها "تطهير عرقي"، مشيرًا إلى أن جماعة سكانية كاملة، وجماعة دينية (الشيعة)، تُستهدف وتُهجَّر وتُقتل بسبب هويتها ومكان سكنها، وسط صمت دولي.
كما حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ"محاولة تطهير عرقي تقوم بها حكومة بنيامين نتنياهو في لبنان بذريعة مكافحة حزب الله".
وفي هذا السياق، استُهدفت الجسور والمعابر والطرق الحيوية، لا سيما تلك التي تربط بين ضفتي نهر الليطاني، بهدف عزل مناطق بأكملها عن محيطها، ومنع السكان الشيعة الذين تم تهجيرهم من العودة إليها.
وأثارت هذه التحذيرات التي تستهدف الشيعة تحديدًا، قلقًا لدى منظمات حقوق الإنسان، التي وصفت بأنها ترقى إلى مستوى التهجير القسري، مشيرة إلى أن عمليات الطرد في بعض المناطق تستند إلى الانتماء الديني، حيث يُجبر الشيعة وحدهم على المغادرة، وفق ما أفادت به هيومن رايتس ووتش.
وخلال حرب 2024 بين حزب الله وإسرائيل، نزح نحو عشرين عائلة شيعية فقط من قراها على طول الحدود نتيجة القصف، دون صدور أوامر إخلاء شاملة. غير أن الحرب الحالية شهدت تحولًا في النهج الإسرائيلي، بات أقرب إلى نمط من الإبادة الجماعية والتهجير القسري واسع النطاق.

خلق فتنة طائفية
يتخوف لبنانيون من أن يكون الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على التهجير وتغيير الواقع الميداني، بل يمتد إلى إثارة فتنة طائفية وتأجيج الصراعات الدينية مجددًا في لبنان، خاصة في ظل حالة الاحتقان والخلافات بين الأحزاب المارونية وحزب الله بشأن الحرب مع إسرائيل.
فقد وضعت رسائل التحذير الإسرائيلية الزعماء المسيحيين والدروز في موقف بالغ الحساسية؛ إذ إن الامتثال لمطالب إسرائيل قد يجنب بلداتهم القصف والدمار، لكنه في المقابل يثير مخاوف من ردود فعل انتقامية محتملة من "حزب الله" بعد انتهاء الحرب، فضلًا عن احتمال تصاعد التوترات الطائفية.
وذكر قادة مسيحيون في بلدة مرجعيون، الواقعة على تلة في جنوب لبنان، أنهم بعد مطالبتهم الشيعة النازحين بمغادرة البلدة، تلقوا تهديدات مبطنة من أشخاص يُعتقد أنهم ينتمون إلى "حزب الله".
غير أن القلق الأكبر يتمثل في أن تدفع هذه التهديدات بعض المسيحيين إلى النظر بإيجابية أكبر لاحتمال بقاء إسرائيل في الجنوب بعد انتهاء الحرب، بوصفه ملاذًا آمنًا أو "حاجزًا" ضد أي رد انتقامي محتمل، لا سيما أن بعضهم سبق أن تعاون مع إسرائيل ومع جيش "لحد" الجنوبي سابقًا.
وفي السياق ذاته، أشارت تقارير صحفية لبنانية إلى أن إسرائيل "تلعب على وتر الفتنة" بين مكونات المجتمع اللبناني، من خلال استهداف مناطق مسيحية أحيانًا، أو تحميل "حزب الله" مسؤولية بعض الهجمات، بهدف تأليب الرأي العام المسيحي ضده.
وذكر موقع لبنان 24، في تقرير بتاريخ 8 أبريل/ نيسان 2026، أن إسرائيل تسعى إلى إشعال فتنة بين اللبنانيين خلال الحرب، خصوصًا بين النازحين الشيعة والمجتمعات المسيحية.
وضرب التقرير مثالًا باستهداف شقة في منطقة عين سعادة، في المشروع الماروني، ما أدى إلى مقتل قيادي في حزب "القوات اللبنانية" وزوجته، في محاولة لتحريض المسيحيين ضد النازحين الشيعة في مناطقهم.
كما سقط صاروخ إسرائيلي في منطقة المنصورية ذات الأغلبية المسيحية، فيما دأبت إسرائيل على الادعاء بأن عناصر "حزب الله" تستغل القرى المسيحية الحدودية لتنفيذ هجمات على المستوطنات والمدن الإسرائيلية، في محاولة لتأليب السكان ضد الحزب.
وحاولت إسرائيل أيضًا اتهام "حزب الله" بالوقوف وراء حادثة القليعة، التي قُتل فيها القس بيار الراعي، رغم أنها كانت المسؤولة عن قصف البلدة المسيحية الجنوبية.
كما تزعم إسرائيل أن "حزب الله" يستخدم الكنائس والمقدسات المسيحية في مناطق الجنوب لإطلاق الصواريخ، وهو ما يُنظر إليه كمحاولة لإثارة الانقسام بين المسيحيين والشيعة، واستغلال معارضة شريحة من الشارع المسيحي لمشاركة الحزب في الحرب، التي يعتبرها جزءًا من دعم إيران.
وأشار موقع "لبنان 24" إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى عزل النازحين الشيعة والتضييق عليهم في مناطق نزوحهم، خصوصًا في بيروت والمناطق المسيحية والدرزية، لدفعهم إما إلى مغادرة لبنان، كما حدث عام 2024 حين توجهت عائلات شيعية إلى سوريا والعراق هربًا من الحرب، أو إلى زيادة النقمة الشعبية، سواء في الشارع المسيحي أو الشيعي، ضد "حزب الله"، بما قد يدفعه إلى وقف الحرب وتسليم سلاحه.
وبعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، سارعت إسرائيل إلى إبلاغ السكان الشيعة بعدم العودة إلى بلداتهم، بحجة استمرار العمليات العسكرية في لبنان، في خطوة تُفسَّر على أنها محاولة لعدم إجهاض خطط التهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في الجنوب.

الاستيطان أيضا هدف
وعلى غرار ما تحاول إسرائيل تطبيقه في قطاع غزة بعد الإبادة والتطهير العرقي، عبر الدفع بمخططات استيطانية تقودها مجموعات دينية يهودية متطرفة تحت غطاء "المناطق العازلة"، كشف تقرير استقصائي نشره موقع "همكوم هخي خام" الإسرائيلي عن تصاعد أنشطة حركة استيطانية راديكالية تُدعى "عوري تصفون" (استيقظ يا شمال)، تسعى إلى التمدد في جنوب لبنان وصولًا إلى نهر الزهراني.
وأوضح التقرير أن هذه الحركة، المدعومة من حزب "الليكود" الحاكم، تدير حملات تمويل واسعة تحت شعار "الضرورة الأمنية"، مستغلة حالة السيولة الميدانية على الجبهة الشمالية لفرض أجندة استيطانية تتجاوز الخطوط الحمراء الدولية وقرار مجلس الأمن 1701.
وأشار إلى أن مؤسس الحركة، البروفيسور في علوم الحاسوب بجامعة أرئيل "عاموس عزاريا"، يتبنى رؤية تقوم على "تغيير ديموغرافي قسري"، إذ نقل عنه قوله علنًا: إن "أغلبية السكان حتى منطقتي الليطاني والزهراني هم من الشيعة".
ورأى التقرير أن هذا الخطاب يمهد الطريق لاستنساخ نموذج "هضبة الجولان"، عبر تهجير السكان الأصليين ومنع عودتهم، وإحلال مستوطنين مكانهم لتكريس "حقائق سياسية" على الأرض.
ووفقًا للتقرير، أمضى عزاريا ستة أشهر في بؤرة استيطانية تُدعى "إيلي غزة" على حدود قطاع غزة مع بداية الحرب الحالية، وبعد إجلائه منها، نقل نشاطه التنظيمي إلى الشمال، حيث أسس حركة "عوري تصفون" بهدف إنشاء مستوطنات في جنوب لبنان.
وأضاف أن ست عائلات من الحركة حاولت بالفعل اختراق الحدود وإقامة خيام في منطقة "مارون الراس" اللبنانية، في خطوة وُصفت بأنها "بروفة استيطانية"، إلا أن الجيش الإسرائيلي أبعدهم لاحقًا بسبب ظروف الحرب وخشية تعرضهم لهجمات من "حزب الله".
المصادر
- Israel’s Message to a Broad Swath of Lebanon: Shiites Must Go
- Israel Is Conducting a Campaign to Ethnically Cleanse Southern Lebanon of Shia Residents
- Israel’s Latest Genocide Is Against the Shias of Lebanon. Why Is the World Silent?
- Absence of Accountability for Gaza Genocide Has Enabled Israel’s War on Lebanon
- هكذا تلعب إسرائيل بنار الفتنة بين اللبنانيين
- حركة إسرائيلية تعمل على تمديد الاستيطان في لبنان إلى ما وراء الليطاني

















