حزب أردوغان يتقدم والانتخابات تتراجع.. كيف تبدو استطلاعات الرأي بتركيا؟

الاستطلاعات تشير إلى استمرار تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد السياسي بنسبة 34.2%، محافظاً على موقعه كأقوى حزب في البلاد
تبدو محاولة قراءة السياسة الداخلية في تركيا، في خضم هيمنة أجندة الحرب والتوترات الإقليمية على المشهد العام، كمهمة معقدة لكنها ضرورية. بحسب الكاتب التركي عبد القادر سيلفي
ونشرت صحيفة "حرييت" التركية مقالاً للكاتب المقرب من الرئيس رجب طيب أردوغان سلط فيه الضوء على اتجاهات الرأي العام في تركيا بين تأثير الحرب الأميركية ضد إيران وضغوط الاقتصاد وتوازنات الأحزاب.

تقدم نسبي
وذكر الكاتب التركي أنه بينما تتجه الأنظار إلى التطورات الخارجية، تكشف استطلاعات الرأي عن ديناميكيات داخلية عميقة، تعكس توازنات القوى السياسية وتوجهات الشارع التركي.
في هذا السياق، تقدم نتائج استطلاعات شركتي "جينار" و "أريدا سيرفي" صورة مهمة عن ملامح المرحلة الحالية.
وأردف أنّ نتائج استطلاع شركة جينار تشير إلى استمرار تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد السياسي بنسبة 34.2%، محافظاً على موقعه كأقوى حزب في البلاد.
ويليه حزب الشعب الجمهوري بنسبة 31.8%، محتفظاً بموقعه كثاني أكبر قوة سياسية. أما المرتبة الثالثة فتذهب إلى حزب المساواة والشعوب الديمقراطية بنسبة 8.9%، يليه حزب الحركة القومية بنسبة 8.6%.
في المقابل، يحافظ حزب الجيد على نسبة 5.2%، بينما يشهد حزب الظفر تراجعاً إلى 3.1%. كما يواصل حزب المفتاح صعوده بنسبة 2.5%، ويأتي حزب الرفاه من جديد بنسبة 2.3%. وفي أسفل الترتيب، نجد حزب السعادة بنسبة 1.1% وحزب العمال التركي بنسبة 1.0%.
وأشار الكاتب إلى أن هذا التوزيع لا يعكس فقط أرقاماً جامدة، بل يكشف عن اتجاهات سياسية متحركة؛ فالتقدم النسبي لحزب العدالة والتنمية خلال الشهرين الأخيرين يبدو مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسة:
أولها، بدء ظهور نتائج إيجابية لعملية "تركيا الخالية من الإرهاب"؛ حيث تلاشت تدريجياً المخاوف التي روّج لها بعض الأطراف. وهو ما عزز الثقة في سياسات الحكومة.
ثانياً، تنامي قناعة شعبية واسعة بضرورة توحيد صفوف السلطة والمعارضة في أوقات الحرب، وهو ما عبّر عنه 73% من المشاركين.
أما العامل الثالث، فيتمثل في استمرار ثقة شريحة لها وزن من المواطنين بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان؛ حيث يرى 54% أنه الأجدر بإدارة البلاد، وهو ما ينعكس مباشرة على دعم الحزب الحاكم.
في المقابل، يواجه حزب الشعب الجمهوري تحدياً واضحاً في إدراك الرأي العام له؛ إذ يرى كثير من المشاركين أنه انغمس في قضايا داخلية مرتبطة بشخصيات مثل أكرم إمام أوغلو، على حساب الانشغال بالمشكلات الحقيقية التي تواجه البلاد.
مع ذلك، فإن حالة التماسك داخل معسكر المعارضة لا تزال تقف أمام تراجع الحزب إلى ما دون عتبة 30%، وهو ما يشير إلى وجود قاعدة صلبة، وإن كانت بحاجة إلى إعادة توجيه.
ومن أبرز ما تكشفه الاستطلاعات أيضاً، وجود رغبة شعبية قوية في التوافق السياسي في القضايا الوطنية.
فالمجتمع التركي، كما تظهر البيانات، يميل إلى التكاتف في أوقات الأزمات والتهديدات الخارجية. وقد عبّر نحو 73.5% من المواطنين عن رغبتهم في أن تتبنى الأحزاب السياسية مواقف مشتركة في مواجهة التحديات الخارجية.
إنّ الأمر اللافت للانتباه هنا هو أنّ هذه النسبة تكاد تكون متقاربة بين أنصار مختلف الأحزاب، وهذا يعكس إجماعاً وطنياً عابراً للاستقطاب السياسي.
وتضع هذه المعطيات قيادات المعارضة، خاصة حزب الشعب الجمهوري، أمام ضرورة إعادة تقييم خطابها السياسي بما يتماشى مع هذا المزاج العام.

صراع الأولويات
أما على صعيد الأولويات، تبرز مفارقة لافتة؛ وهي أنّ قضية تصاعد التوترات الإقليمية والحرب لا تأتي في صدارة اهتمامات المواطن التركي؛ إذ يرى 74.9% أن للحرب تأثيراً سلبياً على الاقتصاد، خصوصاً من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة حالة عدم اليقين، وهو ما ينعكس سلباً على جهود مكافحة التضخم.
مع ذلك، حين يُطلب من المواطنين تحديد أهم القضايا، يتصدر التضخم وغلاء المعيشة القائمة بنسبة 28.6%، بينما تأتي الحرب في مرتبة متأخرة بنسبة 8.8%.
وهذه النتائج تؤكد أن المواطن التركي يضع معيشته اليومية في المقام الأول، حتى في ظل أزمات دولية كبيرة.
ورغم أن الاقتصاد التركي أظهر قدراً من الصمود أمام صدمات الحرب، وهو ما يُنسب إلى إدارة السياسات الاقتصادية، إلا أن الضغوط ما تزال قائمة، خاصة على الفئات ذات الدخل المحدود مثل المتقاعدين وأصحاب الحد الأدنى للأجور والتجار.
من هنا، فإن التحدي الأكبر أمام حزب العدالة والتنمية يتمثل في إيجاد حلول ملموسة لهذه الفئات قبل أي استحقاق انتخابي، وذلك لضمان الحفاظ على قاعدته التقليدية.
وأشار الكاتب إلى أنّ مسألة غياب موضوع الانتخابات عن أولويات الشارع تعد من الزوايا المهمة في هذا التحليل. فرغم تعدد القضايا المطروحة، لا يظهر ملف الانتخابات ضمن اهتمامات المواطنين، وهو ما يعكس حالة من الانشغال بالهموم المعيشية اليومية.
في المقابل، يبدو أن بعض قيادات المعارضة، وعلى رأسهم أوزغور أوزيل، يضعون الانتخابات في صدارة خطابهم، وهو ما قد يخلق فجوة بينهم وبين المزاج العام التركي، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والاقتصادية الراهنة.
أما عن استطلاع شركة أريدا سورفي، فيؤكد إلى حد كبير نفس الاتجاهات، مع بعض الفروق الطفيفة؛ حيث يحصل حزب العدالة والتنمية على 34%، بينما يتراجع حزب الشعب الجمهوري إلى 29.2%، ما يعني هبوطه دون عتبة 30%.
ويحتفظ كل من حزب المساواة والشعوب الديمقراطية وحزب الحركة القومية بموقعيهما الثالث والرابع بنسب متقاربة.
بينما يُلاحظ تراجع حزب الجيد من 6.4% إلى 5.6% خلال شهر واحد، وهو ما يُعزى إلى غموض مواقفه من القضايا الكبرى مثل الحرب وعملية مكافحة الإرهاب.
في المقابل، نجد صعوداً في نسب حزب المفتاح بنسبة 4.6%، متقدماً على حزب الظفر الذي تراجع إلى 3.9%. حيث يعكس هذا التحول بحث جزء من الناخبين عن بدائل سياسية جديدة؛ خاصة في ظل حالة السيولة التي تشهدها بعض أحزاب المعارضة.
وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: تكشف هذه الاستطلاعات عن مشهد سياسي تركي يتسم بالاستقرار النسبي في موازين القوى، مقابل تحولات في أولويات الناخبين. فبينما تستمر الأحزاب الكبرى في الحفاظ على مواقعها، تتزايد أهمية القضايا الاقتصادية على حساب القضايا السياسية التقليدية.
كما يبرز بوضوح أن المزاج العام التركي يميل إلى الوحدة في مواجهة التحديات الخارجية، وإلى التركيز على تحسين الأوضاع المعيشية داخلياً. وهي معادلة ستحدد بشكل كبير مسار السياسة التركية في المرحلة المقبلة.

















