الانقسام المذهبي.. كيف توظفه إسرائيل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

إسرائيل تعتمد في أحد مراحل سياستها الخبيثة تفجير الداخل الإقليمي"
التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر فبراير/ شباط 2026، تشير إلى أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يمكن فهمها فقط في إطار صراع عسكري تقليدي.
فهذه المواجهة تحمل أبعادا أعمق، تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك عبر إستراتيجيات مركّبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والطائفية.

هندسة الإقليم
ونشرت وكالة "الأناضول" للأنباء التركية الرسمية مقالا للكاتب نجم الدين أجار، تحدّث فيه عن أن "الهدف الأساسي للهجمات على إيران لا يقتصر على إضعاف قدراتها العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تفكيك التوازنات الإقليمية القائمة".
وقال أجار: إن "إسرائيل التي ترى في أي تقارب أو تكتل إقليمي تهديدا مباشرا لأمنها، نجدها تعمل على منع تشكّل جبهة موحّدة ضدها”.
وأضاف “من هنا، يصبح إثارة التوتر بين السنة والشيعة أداة فعالة لتفكيك أي احتمال لتحالف واسع في المنطقة”.
وشدد على أن “هذه الإستراتيجية ليست جديدة بالكامل؛ إذ لطالما اعتمدت إسرائيل على مبدأ استثمار الخلافات بين خصومها، لكن الجديد هو توسيع هذا النهج ليشمل إشعال توترات داخلية في دول المنطقة نفسها، بما يدفعها للانشغال بأزماتها الداخلية بدل التفرغ لمواجهة التحديات الخارجية”.
وأردف الكاتب التركي بأن هذه المقاربة تعتمد على خلق حالة من "عدم الاستقرار المزدوج".
فمن جهة، يؤدي تصاعد الصراعات الطائفية إلى إضعاف تماسك الدول من الداخل؛ حيث تتحول الخلافات المجتمعية إلى أزمات سياسية وأمنية.
ومن جهة أخرى، يُفقد هذا الوضع الدول قدرتها على التنسيق فيما بينها، وهو ما يعطّل أي جهد جماعي لموازنة النفوذ الإسرائيلي.
وبذلك، تجد دول المنطقة نفسها أمام خيارين كليهما صعب؛ إما الانخراط في صراعات داخلية، أو مواجهة تهديدات خارجية دون دعم إقليمي كاف، وفي كلتا الحالتين، تستفيد إسرائيل من هذا التفكك.
واستدرك أجار أن هذه السياسة يمكن تفسيرها من خلال مفهوم “المجال الحيوي” الذي يقوم على فكرة أن بقاء الدول وقوتها يرتبطان بقدرتها على التوسع الجغرافي والإستراتيجي.
بيئة أكثر ملاءمة
وبالنسبة لإسرائيل، فإن محدودية المساحة، وضعف الموارد، وغياب العمق الإستراتيجي، كلها عوامل تدفعها للبحث عن بيئة إقليمية أكثر ملاءمة.
وقال أجار: إن هذا المفهوم لا يعني بالضرورة التوسع الجغرافي المباشر فقط، بل يشمل أيضا توسيع النفوذ السياسي والأمني، والوصول إلى الموارد الحيوية، وخلق مناطق عازلة تقلل من التهديدات المحتملة.
وأضاف “من هنا، يصبح تفكيك الدول المجاورة أو إضعافها وسيلة غير مباشرة لتحقيق هذا الهدف”.
وأوضح الكاتب أن “إيران تلعب دورا محوريا في هذه المعادلة، فالتصعيد ضدها لا يستهدفها فقط، بل يُستخدم أيضا كوسيلة لإعادة ترتيب علاقات دول الخليج؛ إذ تسعى إسرائيل، بدعم أميركي إلى دفع هذه الدول للدخول في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران".
ولفت إلى أن “فاعلية هذه الإستراتيجية تزداد في ظل وجود تصورات سلبية مسبقة لدى بعض دول الخليج تجاه إيران”.
ومع تصاعد التوترات، يمكن تحميل إيران مسؤولية الاضطرابات الأمنية والاقتصادية، وهو ما يعزز العداء الشعبي والسياسي ضدها، ويدفع نحو مزيد من الاستقطاب الطائفي.
وقد لخّص الكاتب هذه المقاربة في ثلاث مراحل مترابطة، الأولى هي "توسيع دائرة الصراع"؛ عبر دفع إيران للرد على دول الخليج، وتحويل النزاع إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف.
والمرحلة الثانية هي تشكيل الرأي العام من خلال ربط الأزمات الاقتصادية والأمنية بإيران، وهو ما يعمّق العداء تجاهها داخل المجتمعات الخليجية.
أما المرحلة الثالثة فهي "تفجير الداخل الإقليمي" عبر دفع إيران لاستخدام حلفائها في المنطقة، خاصة الجماعات الشيعية، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية في دول مثل السعودية والبحرين.
ورأى أجار أن هذه المراحل، في حال تحققت، ستؤدي إلى إغراق المنطقة في سلسلة من الأزمات المتداخلة، بحيث تجعل من الصعب احتواؤها والسيطرة عليها.

نجاح الإستراتيجية
وأوضح الكاتب أن الشرق الأوسط، في حال نجحت هذه الإستراتيجية في تحقيق أهدافها، سيكون مرشّحا للدخول في مرحلة أكثر تعقيدا واضطرابا؛ حيث تتراجع قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وتزداد هشاشة بنيتها السياسية والاجتماعية.
فمع تصاعد الانقسامات، خاصة تلك ذات الطابع الطائفي، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للاستقطاب، وتتحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة تؤثر بشكل مباشر على استقرار الدول ووحدتها. وضمن هذا السياق المضطرب، تزداد قدرة إسرائيل على التحرك بحرية أكبر.
إذ إن انشغال الدول بأزماتها الداخلية يقلل من مستوى التهديدات المباشرة التي قد تواجهها، يقول أجار.
كما أن تفكك البيئة الإقليمية يحدّ من إمكانية تشكيل جبهة موحدة قادرة على موازنة نفوذها أو الحد من سياساتها.
وبهذا، تجد إسرائيل نفسها، وفق الكاتب، أمام مساحة أوسع للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، دون مواجهة ضغوط إقليمية فعالة.
وقال أجار: إن “تداعيات هذا الوضع لا تقف عند حدود التوازنات السياسية فقط، بل تمتد لتشمل القضايا الجوهرية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية”.
ففي ظل انشغال الدول بصراعاتها الداخلية وتحدياتها الأمنية، تتراجع أولوية هذه القضية في الأجندات الإقليمية، وهو ما يتيح لإسرائيل هامشا أكبر لتكريس سياساتها على الأرض بعيدا عن أي ضغط حقيقي.
واستدرك الكاتب بأن “هذه التحديات المتشابكة والمعقدة تستدعي الحاجة إلى تبني مقاربات بديلة، قادرة على كسر هذا المسار التصعيدي”.
ويبدأ ذلك بالعمل على تخفيف حدة الاستقطاب الطائفي؛ حيث يمكن تبني خطاب سياسي أكثر شمولا يركز على المصالح المشتركة، بدل تغذية الانقسامات. فإن إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات تُعد خطوة أساسية، للحد من قابلية هذه المجتمعات للانجرار إلى صراعات داخلية.
في الوقت ذاته، يصبح تعزيز التعاون الإقليمي ضرورة ملحة؛ حيث إن بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة يمكن أن يشكل حاجزا أمام محاولات تفكيك المنطقة. فكلما زادت مستويات التنسيق بين الدول، تراجعت فرص استغلال الخلافات لصالح أطراف خارجية.
من هنا، تبرز أهمية تطوير آليات أمنية مشتركة تقوم على التعاون الجماعي، بحيث يتم التعامل مع التهديدات من منظور إقليمي شامل بدل الاستجابات الفردية التي غالباً ما تكون محدودة التأثير.
وفي هذا الإطار، يمكن لبعض الدول الإقليمية وعلى رأسها تركيا أن تلعب دورا محوريا في تهدئة التوترات، وذلك من خلال تبني سياسات متوازنة تسعى إلى تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المختلفة.
وختم الكاتب مقاله قائلا: "لا يمكن فهم التحركات الإسرائيلية في المنطقة بمعزل عن سعيها لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها. ففي هذا الإطار، يصبح توظيف الانقسامات الطائفية أداة مركزية لإضعاف الخصوم ومنع تشكّل تحالفات مضادة".
لكن في المقابل، فإن استمرار هذا النهج ينذر بمزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما يجعل البحث عن بدائل إقليمية تقوم على التعاون بدل الصراع، وعلى الوحدة بدل الانقسام أمرا ضروريا.
















