"إستراتيجية التوريط".. كيف حاول ترامب دفع دول الخليج إلى قلب المواجهة مع إيران؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

منذ اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، يضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دول الخليج للزج بها في صدام عسكري مباشر ضد الجانب الإيراني، الأمر الذي أثار تساؤلات ملحة عن مدى سعيه إلى توريط هذه الدول النفطية، ثم الانسحاب إلى الوراء.

الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، دخلت بعد أربعين يوما في هدنة مؤقتة تستمر 15 يوما بدءا من يوم 9 أبريل، للجلوس إلى طاولة مفاوضات بوساطة من باكستان، والتي استضافت أولى جولاتها إسلام آباد، لكن الفشل كان حليفها.

مساعٍ للتوريط

طيلة أيام الحرب كان الرئيس الأميركي يصرّح بضرورة انخراط حلفاء الولايات المتحدة الأميركية من دول مجلس التعاون الخليجي ضمن إستراتيجية إقليمية تجاه التهديد الإيراني للأمن في الخليج، وذلك عن طريق رفعها مستوى التنسيق الأمني والعسكري.

وفي 10 مارس، كشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، أن الرئيس ترامب وجه رسالة إلى قادة دول الخليج العربي، طالبهم فيها بقطع علاقاتها مع إيران، والانضمام للحرب ضدها.

وبعد فشل محادثات إسلام آباد، أعلن الرئيس الأميركي فرض حصار بحري على مضيق هرمز، ودعا الدول العربية لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي إلى الانضمام مع الولايات المتحدة في فرض هذا الحصار.

وقال الرئيس الأميركي دونالد خلال مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" في 12 أبريل، ردا على سؤال حول ما إذا كان يتوقع مساعدة من الحلفاء في الحصار: "دول الخليج أقرب بكثير إلى إيران، لذا ربما ينبغي عليها فعل ذلك. ولكن، كما تعلمون، يمكنهم أيضا البقاء على الهامش".

أعلن ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" 12 أبريل، أن البحرية الأميركية ستبدأ "فورا" عملية حصار لجميع السفن التي تحاول دخول أو مغادرة مضيق هرمز، واصفا سياسة الحصار بأنها "كل شيء أو لا شيء"، متوعدا بأن أي إيراني يطلق النار على القوات الأميركية أو السفن المدنية "سيُنسف إلى الجحيم".

كما أمر البحرية الأميركية باعتراض أي سفينة في المياه الدولية دفعت رسوما "غير قانونية" لإيران مقابل المرور الآمن، وتأتي هذه التطورات بعد فشل المفاوضات التي استمرت 21 ساعة في التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهي النقطة التي وصفها ترامب بأنها "الأهم على الإطلاق".

وفي وسيلة ضغط أخرى، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد يدعو دول الخليج إلى المساهمة في تحمل تكاليف الحرب مع إيران.

وقالت ليفيت في ردها على سؤال أحد الصحفيين في 31 مارس، إنها لا تريد استباق تصريحات الرئيس، لكنها أشارت إلى أن هذه فكرة مطروحة لديه.

ووفق مواقع متخصصة في تتبع التكاليف العسكرية، قد بلغت تكلفة الحرب حتى يوم 37 من الحرب أكثر من 42.1 مليار دولار، منها قرابة 12 مليار دولار أُنفقت خلال الأيام الستة الأولى فقط.

انخراط إماراتي

رغم الضغوط الأميركية على دول الخليج لكن الدولة الوحيدة التي كشفت تقارير عبرية أنها دخلت الحرب، هي الإمارات رغم أنها نفت بشكل رسمي حدوث شيء من هذا القبيل، فيما اتهمتها وسائل الإعلام الإيرانية أنها أيضا كانت وراء استهداف إحدى منشآتها النفطية.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية في 8 مارس، أن الإمارات شنت هجوما على إيران، استهدف محطة تحلية مياه إيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أن تقديرات الاحتلال أن الهجوم، ليس سوى رسالة تحذير لإيران، في حال تصاعدت الهجمات على الإمارات، واحتمالية انضمامها إلى العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة ولو بشكل محدود.

إلا أن رئيس لجنة شؤون الدفاع بالمجلس الوطني الاتحادي، علي النعيمي، كذّب تقرير الصحيفة الإماراتية، وكتب عبر "إكس" قائلا: "هذا خبر كاذب. لم تفعل الإمارات ذلك".

لكن موقع "واينت" العبري، أكد هو الآخر، أنه "بعد عدة أيام من إطلاق النار المتواصل، هاجمت الإمارات العربية المتحدة إيران. ونُفذ الهجوم على محطة تحلية مياه إيرانية، وتقدر إسرائيل أن هذا في الوقت الحالي مجرد إشارة للنظام".

ومع ذلك، إذا تصاعدت الهجمات الإيرانية، فهناك احتمال حقيقي لانضمام الإمارات إلى الحملة، ولو بشكل محدود"، وفق زعم الموقع.

وأضاف أنه "منذ اندلاع الحرب، أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيرة على دول الخليج، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، وادعى الإيرانيون في البداية أنهم كانوا يهاجمون قواعد أميركية فقط، ولكن وردت أنباء عن استهداف مواقع مدنية أيضا في الدول المستهدفة".

ولفت "واينت" إلى أن "من بين أمور أخرى، تعرض المبنى الذي يضم السفارة الإسرائيلية في أبو ظبي لأضرار، وأصيب إسرائيليان بجروح طفيفة".

وأعربت أوساط إماراتية، عن استياء من تسريبات إسرائيلية تحدثت عن تنفيذ أبو ظبي هجومًا داخل إيران في إطار الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، مقدرة أن مثل هذه التصريحات قد تضر بالعلاقات الثنائية وتسيء إلى الجهود الدبلوماسية الجارية في المنطقة.

ونقلت قناة "آي نيوز24" العبرية عن مصدر مقرّب من السلطات في الإمارات (لم تسمه) قوله إن أبو ظبي "تواجه صعوبة في فهم طريقة إدارة إسرائيل للتسريبات الإعلامية وطبيعة الإحاطات الصادرة من القدس (المحتلة)"، مشددا على أن الإمارات "دولة ذات سيادة تتخذ قراراتها بشكل مستقل".

وأضاف المصدر أن "مثل هذه المنشورات لا تساعد الجهد الإقليمي وقد تضر بالعلاقات"، مقدرا أنه "ليس من اللائق أن يتحدث ما يُسمى بمصدر إسرائيلي رفيع باسم دولة أخرى أو ينشر شائعات بشأن عمليات تقوم بها دولة ذات سيادة".

في تطور عسكري آخر وجهت مصادر عسكرية إيرانية أصابع الاتهام بشكل مباشر وصريح إلى دولة الإمارات، محملةً إياها المسؤولية الكاملة عن الهجوم المدمر الذي استهدف مصفاة جزيرة "لافان" النفطية الإستراتيجية خلال اللحظات الأخيرة من دخول الهدنة حيز التنفيذ في 9 أبريل.

​ ونقلت وكالة أنباء "ميزان"، التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، تقارير تفيد بأن الهجوم الذي طال منشآت نفطية في الجزيرة نفذ بواسطة طائرات مقاتلة من طراز "ميراج" الفرنسية، وهي النوعية التي يمتلكها ويستخدمها سلاح الجو الإماراتي، مما يعد تلميحا مباشرا بمسؤولية أبوظبي عن العملية.

فخ أميركي

وبخصوص الضغوط الأميركية لدفع دول الخليج للحرب مع إيران، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر، علي الهيل، إنه "منذ اليوم الأول، والرئيس الأميركي ومسؤولين من إدارته، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كانوا يستميتون من أجل الزج بدول الخليج في الحرب مباشرة ضد إيران".

وأضاف الهيل لـ"الاستقلال" أن "هذه الحرب ليست حرب الخليجيين ولا حتى الأميركيين، وإنما حرب نتنياهو، ولكن الحكماء والعقلاء رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي لم يقعوا في الفخ، رغم أن إيران اعتدت على البنى التحتية المدنية والطاقوية مع أنها تعرف بالتحديد أين تكون القواعد الأميركية".

وتساءل الهيل، قائلا: "لماذا وزارة الدفاع الأميركية تصور انطلاق الطائرات من بعض القواعد الخليجية؟ أراه هذا يأتي ضمن تأجيج ضد دول الخليج، ثم أن إيران  كان بإمكانها إلقاء الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل بدلا من الدول الخليجية".

وأكد الخبير القطري أن "دول الخليج أدركت أن أميركا وإسرائيل تريد أن تستنزفها لإدخالها في حرب مباشرة على إيران، وبالتالي تنسحب بعدها الولايات المتحدة وتنصرف إلى إدارة بيع السلاح للطرفين، أو لدول الخليج فقط".

ورأى الهيل أن "إدخال دول الخليج في حرب مباشرة مع إيران لا يستنزفها فحسب، وإنما يجعل كل ما بنته على مدار 30 عاما ماضية يذهب هباء منثورا، لكنها لم ولن تقع في هذا السيناريو الذي هو بمثابة فخ نصب لها".  

وبحسب تقرير نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية في 6 أبريل، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تجبر دول الخليج على إعادة النظر في علاقاتها مع واشنطن.

وجاء في التقرير: "دول الخليج لا تتحدث عن الأمر علنا، لكن هذا الصراع أجبر قادة المنطقة على إعادة النظر في علاقاتهم مع الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب"

ووفقا للتقرير، رحب العديد من قادة الخليج بإعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية، نظرا لإعجابهم بأسلوبه العملي في السياسة الخارجية، مؤكدة أن "دول الخليج تعتمد اعتمادا كبيرا على الحماية الأميركية، ما يُمكّن واشنطن من حرية فعل ما تشاء بها".

وأشارت المجلة إلى أن "قادة دول الخليج يدركون أن رغبات الولايات المتحدة غالبا ما تتعارض مع رغباتهم، إلا أن الابتعاد عن الولايات المتحدة لن يكون بالأمر الهين"، لافتة إلى أن "سكان دول الخليج بدأوا يشككون في مصداقية الولايات المتحدة وجدوى استضافة قواعد عسكرية أميركية على أراضيهم".