تركيا في أنتاركتيكا.. كيف تتحول البحوث العلمية إلى قوة دبلوماسية عالمية؟

"تركيا تسعى إلى الإسهام في حل القضايا العالمية بوسائل بناءة”
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد أدوات النفوذ التقليدية وحدها كافية لتعزيز مكانة الدول، بل برزت مجالات جديدة تتقاطع فيها المعرفة مع السياسة، وفي مقدمتها الدبلوماسية العلمية.
في هذا السياق، تتجه أنقرة بخطى متسارعة نحو ترسيخ حضورها في القارة القطبية الجنوبية، وذلك بهدف الجمع بين الأهداف العلمية والإستراتيجية، وبهذا، يعكس هذا التوجه تحولا نوعيا في رؤية تركيا للسياسة الخارجية.
![]()
الإستراتيجية المؤسسية
ونشرت وكالة “الأناضول” التركية مقالا للكاتب عدنان دال، سلط فيه الضوء على أنشطة تركيا في القارة القطبية الجنوبية وأهميتها.
وأوضح الكاتب أن "تركيا شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة واضحة في تعاملها مع الأبحاث القطبية؛ إذ انتقلت من مبادرات فردية محدودة إلى سياسة دولة منظمة تدعمها مؤسسات رسمية وبرامج علمية متكاملة".
ويُعد تنظيم البعثات العلمية الوطنية إلى القارة القطبية الجنوبية مؤشرا على هذا التحول؛ حيث لم يعد النشاط العلمي مجرد مبادرة عابرة، بل أصبح جزءاً من توجه إستراتيجي طويل الأمد.
كما يعكس إنشاء "مجلس تنسيق المناطق القطبية" توجها تركيا نحو إدارة هذا الملف بشكل مؤسسي، بما يضمن استدامة الجهود وتكاملها، ويؤكد ذلك أيضا أن تركيا باتت تنظر إلى الأبحاث القطبية بصفتها عنصرا من عناصر حضورها الدولي.
وأشار الكاتب إلى أنه "لفهم أهمية التحرك التركي، لا بد من إدراك الطبيعة الفريدة للقارة القطبية الجنوبية في النظام الدولي. فعلى خلاف القطب الشمالي الذي تحيط به دول ذات سيادة وتتنافس فيه المصالح الجيوسياسية، تُدار أنتاركتيكا ضمن نظام الاتفاقية القطبية الجنوبية الموقعة عام 1959".
بموجب هذه المعاهدة خُصصت أنتاركتيكا للاستخدامات السلمية فقط، وعلى رأسها البحث العلمي، مع حظر أي أنشطة عسكرية أو صراعات عليها، وهذا هو ما يجعلها من المناطق النادرة في العالم التي تُدار بروح التعاون الدولي بدل التنافس.
ويتم الإشراف على هذا النظام من خلال دول تُعرف بـ"الدول الاستشارية" التي تمتلك حق التصويت والمشاركة في اتخاذ القرارات، إلى جانب دول أخرى غير استشارية تشارك دون أن يكون لها حق التصويت.
وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها ضمن هذا النظام الدولي من خلال الحصول على صفة "دولة استشارية"، وهو ما يتطلب حضورا علميا فعالا ومستمرا في القارة.
لذلك، تتبنى تركيا هدف إنشاء قاعدة علمية دائمة في أنتاركتيكا وهو هدف يتجاوز البعد البحثي ليأخذ أبعادا سياسية وإستراتيجية أوسع، بما يتيح لها الإسهام في الأبحاث العلمية والمشاركة في صنع القرار المتعلق بمستقبل هذه القارة.
وأكد الكاتب التركي أن الحضور العلمي المستمر يمنح الدول قدرة أكبر على التأثير في القرارات المتعلقة بالقارة.
ومن هذا المنطلق، تمثل القاعدة العلمية أداة لترسيخ الحضور التركي في هذه المنطقة الحيوية، كما تفتح المجال أمام تعاون علمي أوسع مع مختلف الدول الفاعلة.

الدبلوماسية العلمية
وأردف الكاتب أن تركيا تسعى في المقام الأول إلى إنشاء قاعدة علمية دائمة في القارة القطبية الجنوبية، غير أن هذا الهدف لا يقتصر على كونه مشروعا بحثيا بحتا، بل يرتبط برؤية أوسع تتداخل فيها الأبعاد العلمية مع الأهداف السياسية والإستراتيجية.
وشدد على أن وجود قاعدة دائمة يعني حضورا مستمرا وفعّالا في واحدة من أهم المناطق ذات الصلة بالقضايا العالمية.
وهنا يجب أن نسأل سؤالا جوهريا؛ لماذا تولي تركيا هذه الخطوة كل هذا الاهتمام؟
وقال دال: إن الإجابة تكمن في مفهوم "الدبلوماسية العلمية"، وهي مقاربة حديثة في العلاقات الدولية، تقوم على استخدام التعاون العلمي كوسيلة لتعزيز العلاقات بين الدول، والمساهمة في حل المشكلات العالمية بطرق سلمية.
وأوضح أن هذه المشكلات تشمل قضايا معقدة وعابرة للحدود مثل تغير المناخ، والأوبئة، وأبحاث الفضاء، والدراسات القطبية، وهي جميعها ملفات تؤثر بشكل مباشر في السياسات الدولية ومستقبل البشرية.
من هذا المنطلق، تعمل تركيا خلال السنوات الأخيرة على توظيف هذا النوع من الدبلوماسية لتعزيز حضورها العالمي وصورتها كدولة فاعلة ومسؤولة.
فمن خلال الانخراط في الأبحاث العلمية داخل القارة، تتمكن الدول من لعب دور أكبر في صياغة القرارات المتعلقة بها؛ إذ إن النشاط العلمي يُعد أحد المعايير الأساسية للمشاركة في إدارة شؤون أنتاركتيكا.
كما أن هذا الانخراط يتيح لتلك الدول الاندماج في شبكة واسعة من التعاون العلمي الدولي، حيث تتبادل الخبرات والمعرفة مع دول ومؤسسات بحثية مختلفة، وهو الأمر الذي يعزز من قدرتها على المساهمة في إيجاد حلول للتحديات العالمية.
إلى جانب ذلك، فإن المشاركة الفاعلة في هذا المجال تسهم في بناء الثقة الدولية، حيث يُنظر إلى الدول المبادِرة في البحث العلمي على أنهم شركاء موثوقون يسعون إلى تحقيق الصالح العام.
وأضاف الكاتب: "لا تقتصر الفوائد على الدول فقط، بل تمتد لتشمل القارة والمجتمع الدولي ككل، فالتحديات الكبرى، وعلى رأسها التغير المناخي والتدهور البيئي، لا يمكن معالجتها إلا من خلال جهود جماعية منسقة".
في هذا السياق، يمكن للأنشطة العلمية التي تنفذها تركيا في مجالات البيئة والمناخ أن تقدم إسهامات مهمة في فهم هذه الظواهر وتقييم آثارها، وهو ما يساعد في وضع سياسات أكثر فاعلية لمواجهتها.
ولفت دال إلى أن هذه التوجهات تكتسب أهمية متزايدة في إطار السياسة الخارجية التركية، خاصة في ظل الدور الذي تحاول أن تلعبه كوسيط في عدد من الأزمات الدولية خلال السنوات الأخيرة.
وذكر أن تركيا برزت في مبادرات دبلوماسية متعددة، مثل المساهمة في إنشاء ممر الحبوب خلال الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك جهودها في دعم الاستقرار الإقليمي في ظل التوترات الدولية.
في هذا الإطار، يُنظر إلى الانخراط في أنتاركتيكا كامتداد لهذا الدور، ولكن عبر أدوات علمية سلمية، يؤكد الكاتب دال.
واستطرد: “بناء على ذلك، فإن إنشاء قاعدة علمية تركية دائمة في القارة القطبية الجنوبية لا يعزز فقط فرص التعاون الدولي في مجال البحث العلمي، بل يسهم أيضا في ترسيخ صورة تركيا كدولة تسعى إلى الإسهام في حل القضايا العالمية بوسائل بناءة”.
وختم الكاتب بالقول: “كما أن هذه الخطوة تضعها ضمن مجموعة الدول الفاعلة، التي تعتمد على الدبلوماسية العلمية كجزء من إستراتيجيتها في السياسة الخارجية، وهو ما يعكس طموحها لأن تكون طرفا مؤثرا في تشكيل ملامح النظام الدولي المعاصر”.
















