"بريت ماكغورك".. عراب تطبيع إسرائيل والسعودية الذي أطاح به طوفان الأقصى

"براغماتيته لم تكن دائما بلا ثمن"
في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان “بريت ماكغورك” في الرياض يضع اللمسات الأخيرة على ما عده جوهرة التاج في مسيرته، وهو اتفاق دبلوماسي تاريخي بين إسرائيل والسعودية.
في اليوم التالي، شنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عملية “طوفان الأقصى” التي دفعت المنطقة نحو حرب لا تزال تتسع حتى اليوم.
الرجل البالغ من العمر 52 عاما الذي يكاد يكون مجهولا خارج الأوساط السياسية، اضطلع بدور بارز ومستمر في السياسة الخارجية الأميركية على مدى عقدين، وفق تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي".
وفي ظل تصاعد الاستقطاب وتبدل الكوادر بين الإدارات المتعاقبة، تمكن من الاستمرار، بل والترقي، في ظل رئاسات جمهورية وديمقراطية على حد سواء.
وبحسب توصيف المجلة، فإن الاتفاق مع ماكغورك أو الاختلاف معه يشكل في جوهره اختبارا لتقييم ما إذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال هذا القرن ناجحة أم فاشلة.

براغماتي بلا حدود
بدأ ماكغورك مسيرته الحكومية مستشارا قانونيا للفريق الأميركي المكلف ببناء الحكومة العراقية بعد إسقاط صدام حسين.
وسرعان ما فقد إيمانه بمشروع بناء الدولة حين شهد العراق ينزلق نحو دوامة من التفجيرات والاقتتال الطائفي، فانتقل إلى البيت الأبيض عام 2005 في عهد بوش للمساعدة في صياغة إستراتيجية العراق، وكان من الفريق الذي أشرف على قرار الزيادة العسكرية.
وفي عهد أوباما تولى ملف العراق وإيران في وزارة الخارجية، ثم صار المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وهو المنصب الذي احتفظ به في المرحلة الأولى من عهد ترامب حتى استقال احتجاجا على قرار الانسحاب من سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2018.
وبعد فترة وجيزة في جامعة ستانفورد، عاد إلى البيت الأبيض مع بايدن عام 2021 منسقا لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عازما على توجيه السياسة الخارجية في اتجاه مغاير.
وقال في "حوار المنامة" في نوفمبر/تشرين الثاني 2021: إن إدارة بايدن ستتخلى عن "الأهداف الكبرى" لصالح "إستراتيجية رصينة، تضع الأهداف بعد دراسة متأنية للوقائع وتشاور مع الأصدقاء والشركاء".
وفي سلسلة مقابلات نادرة أجرتها معه مجلة "فورين بوليسي"، قال: "من الحماقات الشائعة في السياسة الخارجية إعلان أهداف قصوى ثم التفكير في كيفية تحقيقها. الأهداف القريبة، والتقدم التدريجي، والتوافق الدقيق بين الغايات والوسائل، هذا هو النهج الأفضل في تجربتي".
بيد أن براغماتيته لم تكن دائما بلا ثمن. فقد دعم في العراق نوري المالكي، السياسي الشيعي الذي عاد من المنفى واتكأ على الدعم الأميركي ليصبح رئيسا للوزراء عام 2006.
ووُجِّهت إلى المالكي اتهامات بتأجيج الانقسامات الطائفية ودعم المليشيات الشيعية وتهميش السنة والأكراد. وما زال منتقدو ماكغورك يرون أن دعمه للمالكي أسهم في تهيئة البيئة التي أنتجت تنظيم داعش لاحقا.
وبحسب وصف جيمس جيفري، الدبلوماسي المخضرم الذي اختلف معه في ملفات عدة، له، فإنه "من أكثر المسؤولين الحكوميين تأثيرا في الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية".
وأضاف: ""بريت يفهم السلطة، ويفهم حرفة الدبلوماسية، كيف تبني العلاقات، وما يجدي وما لا يجدي، وما يحتاجه كل طرف. إنه نهج موضوعي بارد في خدمة السياسة الخارجية الأميركية".
وتكشف شهادة مسؤول رفيع في إدارة بايدن جانبا من سر بقائه قريبا من أربعة رؤساء: "يجد دائما الطريقة الأكثر طمأنينة لعرض أي موقف، ويُقدّم حلا نظريا في كل مرة".
"وبالنسبة لصانعي القرار، لا شيء أبلغ من شخص يقول بثقة: هذه المشكلة وهذا حلها. قد لا ينجح على أرض الواقع دائما، لكنه بالغ الفاعلية في غرف القرار"، وفق تعبير المسؤول الأميركي.
في المقابل، تقول رندا سليم، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز ستيمسون: "هذا رجل يُفضّل الحلول السريعة قصيرة المدى للتعامل مع قضايا متجذّرة طويلة الأمد، في منطقة لا تقبل الحلول قصيرة المدى".
دبلوماسية تحت الضغط
وبحسب "فورين بوليسي"، لم تكن مهارة ماكغورك تظهر في قاعات المفاوضات وحدها. ففي يناير/كانون الثاني 2016، أشرف على صفقة معقدة لإطلاق سراح جيسون رضائيان، مراسل صحيفة "واشنطن بوست" في طهران الذي اعتُقل منذ يوليو/تموز 2014 وسُجن في سجن إيفين بتهمة التجسس.
وفي اللحظات الحاسمة، حين هدّدت إيران بعدم السماح لزوجة رضائيان بمغادرة البلاد، توجّه ماكغورك إلى فندق "إنتركونتيننتال" في جنيف حيث كان المفاوضون الإيرانيون، واقتحم غرفتهم مُعلنا تعليق الصفقة بأسرها إن لم تصعد زوجته الطائرة.
وقال رضائيان: "يظن كثيرون أن ماكغورك بارد ومصلحي لا يكترث. لكن هذا ليس ما عشته معه، لا سيما حين يتعلق الأمر بأرواح الأميركيين. أنا لم أكن هنا لولاه، ولستُ الوحيد الذي يقول ذلك".
وعلى جبهة أخرى، كان ماكغورك أبرز مؤيدي التحالف مع وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا لمحاربة تنظيم الدولة، رغم الضغوط التركية الهائلة التي دفعت الرئيس رجب طيب أردوغان في أحد لقاءاته مع أوباما إلى المطالبة بإخراجه من الغرفة، وفق المجلة.
لكن رهانه كان رابحا في نهاية المطاف. وأشاد به الجنرال المتقاعد جون آلن، الذي كان يقود التحالف الدولي ضد التنظيم، لدوره في إقناع الحلفاء الأتراك على العمل مع الأكراد العراقيين عام 2014 في معركة كوباني السورية.
وقال عنه آلن: "أثبت أنه دبلوماسي استثنائي، مبدع وسريع البديهة. فتح أمامي آفاقا بدلا من أن يُضيّقها".

السابع من أكتوبر
في غضون أيام من عودته إلى البيت الأبيض عام 2021، توجّه ماكغورك إلى الرياض لإيصال رسالة صارمة من بايدن إلى ولي العهد محمد بن سلمان، حيث أكد أن واشنطن ستوقف صفقات السلاح الكبرى حتى تُخفّف الرياض من حربها ضد الحوثيين في اليمن.
ورغم أن هذا الضغط أسهم في دفع السعودية نحو قبول وقف إطلاق النار، فإن ماكغورك لم يقتنع بجدوى توظيف المساعدات العسكرية سلاحا في وجه الحلفاء. ثم رأى فرصة فريدة لإبرام اتفاق دبلوماسي تاريخي بين إسرائيل والسعودية، وفق التقرير.
وكانت فلسطين نقطة عمياء في رؤية ماكغورك، وفق عدد من مسؤولي إدارة بايدن. وقال مسؤول حكومي رفيع سابق عمل معه إن النفسية السائدة في الإدارة كانت: "لا أحد يكترث بهذا الملف، هذا خبر الأمس، على الأقل حتى السابع من أكتوبر".
وأضاف أن معرفة ماكغورك بالمنطقة ظلت محدودة النطاق، قائلا: "أعتقد أنه شخص ذكي بذل قصارى جهده في ملفات بالغة الصعوبة. لكنه لا يعرف الشرق الأوسط جيدا. صحيح أنه يعرف القادة والمسؤولين، لكنه لا يعرف الشعوب خارج الفنادق ومراكز الحكومة".
وحين أبلغه سفير إسرائيل بالهجوم، ردّ ماكغورك برسالة دعم قاطعة، قائلا: "نحن معكم"، ثم عمل على تسريع إيصال الأسلحة إلى إسرائيل في الأشهر الأولى، بما فيها صواريخ هيلفاير وقنابل تزن 2000 رطل استُخدمت في ضربات متكررة أسهمت في ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين.
وقال مسؤول حكومي رفيع سابق: "كلنا أُصبنا بالرعب في 7 أكتوبر، لكن الإدارة اتخذت مقاربة أسهمت منذ البداية في ترسيخ رواية مفادها أن الولايات المتحدة تنظر إلى الأرواح الفلسطينية بوصفها أقل قيمة من الإسرائيلية. لا أعتقد أن بريت كان منخرطا بما يكفي في ملف الضحايا المدنيين".
في المقابل، رأى جيفري أن دعم ماكغورك لإسرائيل كان الخيار الصحيح، حيث قال: "في نهاية المطاف، المصالح الأميركية تقدّمت تقدما كبيرا بما جرى بعد السابع من أكتوبر".
وأردف: "بريت مؤمن بالسياسة الواقعية، وكان بارعا في تحديد من يمتلك الثقل الحقيقي. كان يعرف أن نتنياهو هو اللاعب الأثقل وزنا، وأدى دورا رئيسا في تمكين إسرائيل من هزيمة إيران وإمبراطوريتها بالوكالة، لصالح إسرائيل والولايات المتحدة معا".
وأشارت المجلة إلى أن ماكغورك غادر البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 وهو يدافع عن إرثه بلا تراجع، مُعدِّدا مؤشرات النجاح في نظره.
ومنها تحييد تهديد حزب الله في لبنان، والإطاحة بالأسد، ووضع المليشيات في العراق في موضع دفاعي، وإنهاك إيران بضربات إسرائيل، ووضع العلاقات مع دول الخليج في أفضل أحوالها، ووقف إطلاق النار في غزة.
لكن لمنتقديه رأي آخر، حيث يقول مسؤول رفيع ثانٍ في إدارة بايدن: "لديّ الكثير من المآخذ على سياستنا في الشرق الأوسط، ويصعب أن أرى بريت إلا بوصفه المحرك الفردي الأوحد وراءها".
وتابع: "الفكرة القائلة بأن الرئيس لم يكن بمقدوره التحرك في المسائل التكتيكية، أعتقد أنها ببساطة غير صحيحة".
أما ماكغورك نفسه، فيرفض هذه القراءة جملةً وتفصيلا. وقال في يونيو/حزيران 2025: "أسأل منتقدينا: ما بديلكم؟ ما البديل عن خارطة طريق وقف إطلاق النار وصفقة الرهائن؟ بصراحة، لا أسمع بدائل جيدة. أعتقد أن الحكم يجب أن يكون على النتائج الإجمالية".
















