من لندن إلى ليبيريا وصولا إلى جنوب إفريقيا.. شبكة تبديد المليارات الليبية

تبرز المؤسسة الليبية للاستثمار كـ "ثقب أسود" من الفساد والهدر المالي
بعد خمسة عشر عاما على تجميد أصول الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي، تبرز المؤسسة الليبية للاستثمار كـ "ثقب أسود" من الفساد والهدر المالي.
ويكشف تحقيق أجرته منظمة تحقيقات دولية عن تبديد مليارات الدولارات في ظل غياب الشفافية وسوء الإدارة، من لندن إلى ليبيريا وصولا إلى جنوب إفريقيا.
وقالت مجلة “نيغريتسيا” الإيطالية في تقرير لها: "عندما هدد معمر القذافي عام 2011 بتطهير ليبيا زنقة زنقة، سارع المجتمع الدولي إلى تجميد أصول نظامه. ومنذ ذلك الحين، ساد اعتقاد بأن تلك الموارد أصبحت في مأمن، ومقيدة بفعل عقوبات الأمم المتحدة".
غير أن الواقع، وفقا لأحدث تقرير صادر عن منظمة ذا سنتري، يبدو مختلفا تماما؛ إذ يكشف عن منظومة تعاني من سوء الإدارة والفساد وتبديد الأموال العامة المرتبطة باستثمارات المؤسسة الليبية للاستثمار.
وتعد "ذا سنتري" منظمة تحقيقات دولية تعنى بكشف قضايا الفساد، والشبكات المالية الغامضة، وعمليات غسل الأموال، وتدفقات الأموال المرتبطة بالنزاعات، والنخب السياسية، والجريمة العابرة للحدود. وقد تأسست عام 2016 في الولايات المتحدة على يد جورج كلوني وجون برندرغاست.
صندوقٌ متنازع عليه
وتأسست المؤسسة الليبية للاستثمار عام 2006، لإدارة ثروة ليبيا النفطية، وهي اليوم منظمة ضخمة تمتلك مئات الأصول في أكثر من 70 دولة.
ورسميا، تتبع المؤسسة لحكومة طرابلس، لكنها عمليا مؤسسة متنازع عليها، ومقيدة بالعقوبات الدولية، وكثيرا ما تُثار حولها نزاعات قانونية في محاكم خارجية، خاصة في لندن.
ومن إجمالي أصول قُدّرت عام 2020 بنحو 62.85 مليار دولار، لا تُدير المؤسسة فعليا سوى نحو نصفها، أي ما بين 30 و33 مليار دولار، وذلك عبر مزيج من الأصول غير الخاضعة للعقوبات والتراخيص التي حصلت عليها من الجهات التنظيمية.
والحقيقة الأبرز -وفق التقرير- هي أن قيمة الأموال المجمدة قد ارتفعت، بينما انخفضت قيمة الأموال التي تديرها المؤسسة مباشرةً.
وقالت المجلة: "في قلب "حي المال" بلندن، ظلّ مبنى جاردين هاوس، الذي بيع عام 1991 مقابل 35 مليون جنيه إسترليني (ما يُقدّر حاليا بـ 72 مليون دولار أميركي)، مهجورا لأكثر من عقد".
"وقد أدت إدارته إلى خسائر تقديرية تقارب 79 مليون دولار نتيجة الإيجارات المهدرة بين عام 2014 ونهاية 2025".
وتتولى شركة "سابتينا" (Sabtina)، الفرع البريطاني لشركة الاستثمار الليبي، إدارة ملف الاستثمارات.
وبحسب المجلة، عُيّن حسن المغراوي، صهر رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة، لإدارته عام 2022، دون أن تبرز له خبرات واضحة في قطاع العقارات".
وخلال فترة إدارته، ارتفعت تكاليف الشركة، في وقت استمر فيه تدهور المبنى. وبدورها، تُوظّف منظمة "ذا سنتري"، هذه الحالة لتوضيح كيف تُستخدم أصول المؤسسة الليبية للاستثمار كأدوات للمقايضة السياسية، بهدف ترسيخ نفوذ الدوائر القريبة من حكومة طرابلس.

فشل ذريع
وفي حي ساندتون بجوهانسبرغ، الذي يُلقَّب بـ"أغنى ميل مربع في إفريقيا"، تروي الاستثمارات الليبية قصة إخفاق امتدّ عقدين.
فندق ميكيلانجيلو الشهير، أبرز أصول المحفظة الاستثمارية للمؤسسة الليبية للاستثمار في جنوب إفريقيا، أغلق أبوابه منذ عام 2020. وفي غضون ذلك، هناك نزاع قانوني يُهدّد باضطرار ليبيا إلى التخلي عن استثماراتها بأسعار متدنية للغاية، في ما يبدو مكسبا صافيا للشركاء المحليين.
وأوضح التقرير أن ما يزيد المشهد تعقيدا هو قرضٌ بـ 110 ملايين دولار أقرضته الشركة الليبية للاستثمارات الإفريقية ( لايكو)، الذراع الاستثمارية للمؤسسة الليبية للاستثمار، عام 2006 لشركتها التابعة في جنوب إفريقيا "أنسامبل هوتيل هولدينغز".
وكان الهدف من هذا القرض، وفق التقرير، تمويل مشروع "ساندتون"، الذي شمل مجمعا للمكاتب والمتاجر يضم بعضا من أفخم العلامات التجارية العالمية.
وقالت المجلة: إن "ما بدا على الورق استثمارا مربحا، تحوّل إلى "بئر لا قرار لها" في سجلات الحسابات".
وقد أكد "ديوان المحاسبة الليبي" في تقريره السنوي لعام 2016 أن الدين لم يُسدَّد قط، إذ لم تدفع شركة "أنسامبل" أيا من أقساط رأس المال أو الفوائد المتراكمة، رغم أن العقد كان ينص على بدء السداد بعد ثلاث سنوات.
وتابع التقرير: "تمتلك المؤسسة الليبية للاستثمار أيضا شركة "أولى إنرجي" لتوزيع الوقود، العاملة في 17 دولة إفريقية. وفي عام 2021، رغم الأداء المالي الإيجابي، أُقيلت قيادة الشركة واستُبدلت بشخصية مرتبطة بمحمد بحرون الملقب بـ"الفار"، أحد أبرز قادة الجماعات المسلحة في مدينة الزاوية".
منذ ذلك الحين، ارتفعت التكاليف، وفرضت السلطات المغربية غرامة على الشركة قدرها 10 ملايين دولار بتهمة التداول بناءً على معلومات داخلية والتلاعب بالأسعار.
وقالت المجلة: "مرة أخرى، تحول أصلٌ كان من الممكن أن يكون مربحا إلى أداة للمساومة السياسية واقتسام النفوذ".
وأضافت: "يكشف الفصل الليبيري، ولعله الأكثر دلالة في التحقيق بأسره، كيف انتهت الاستثمارات الليبية إلى تغذية شبكات نفوذ مبهمة ومصالح خاصة، غالبا في دوائر المقربين من الرئيسة السابقة إيلين جونسون سيرليف".
وتابعت: "من أبرز الأمثلة على ذلك فندق دوكور في مونروفيا، الذي كان رمزا للبلاد قبل أن يتحول إلى أطلال بعد الحرب الأهلية. وفي عام 2011، كان من المقرر أن تُعيد شركة "لايكو" إحياءه باستثمار إجمالي قدره 65 مليون دولار، مقرونا بمشروع صناعي في قطاع المطاط".
وتنازلت حكومة سيرليف رسميا عن الموقع للشركة الليبية، غير أن المشروع لم ينطلق قط. وبعد سقوط القذافي، اختفى أثر الملكية والأموال المستثمرة على حدٍّ سواء. ويبقى فندق دوكور اليوم مهجورا، كاستثمار أُعلن ولم يتحقق، واختفى تماما.

إهمال متعمد
وتابع التقرير: "أما الملف الثاني فيتعلق بمشروع "فويا رايس" الزراعي، الذي قُدِّم بوصفه مبادرة تنموية لزراعة الأرز. تولّى الترويج له ويندل ماكينتوش، السفير الليبيري السابق لدى ليبيا، بدعم مالي من شركة "لاب سويس"، وكانت الأموال المرصودة له 30 مليون دولار".
غير أن ديوان المحاسبة الليبي كشف أن التحويلات بلغت 38 مليونا. وانطلق المشروع وبلغ ذروته بتشغيل نحو 200 شخص، حتى إن سيرليف زارته رسميا، لكنه توقف في غضون سنوات قليلة.
وبحسب تحقيقات صحفية ليبيرية، كان من بين المتورطين في المشروع شقيق سيرليف نفسها. وقد تحدث "ديوان المحاسبة الليبي" صراحةً عن فساد وإهمال متعمد وهدر للمال العام.
واليوم، المشروع متوقف، ولا يزال مصير جزء كبير من الأموال مجهولا.
أما الملف الثالث فيتعلق بـ"بان أفريكان بلازا"، المبنى الموجود في مونروفيا، العاصمة الليبيرية، والذي تستخدمه الأمم المتحدة.
وقال التقرير: إن "هذا هو الاستثمار الليبي الوحيد الذي لا يزال نشطا في ليبيريا، لكنه في الوقت ذاته الأكثر إثارة للشكوك".
"فمنذ عام 2004، دفعت الأمم المتحدة ما يزيد على 50 مليون دولار إيجارا، غير أن هذه الأموال -وفق التقرير- لم تصل لا إلى الدولة الليبية ولا إلى المشروع المشترك العام الذي شيّد المبنى.
وتشير المعطيات إلى أن بدلات الإيجار آلت إلى شركة خاصة هي "بان أفريكان ريل إستيت"، مرتبطة بشخصيات سياسية بارزة، من بينها ناثانيال بارنز، وزير المالية الليبيري الأسبق.
وقالت المجلة: "هنا أيضا تتصاعد الشكوك في أن أصلا عاما تحوّل إلى مصدر ريع خاص، في غياب تام للشفافية حول المستفيدين الفعليين".
ويخلص التقرير إلى نتيجة واضحة هي أن المؤسسة الليبية للاستثمار لا تزال "غير مؤهلة" لحماية ثروات ليبيا السيادية.
أما توصية منظمة "ذا سنتري" إلى الأمم المتحدة فلا تقل وضوحا: لا تخففوا العقوبات ما لم تُكفل معايير صارمة للشفافية والحوكمة.
وختمت مجلة "نيغريتسيا" قائلة: "بدون تدقيق مستقل، وبدون استبعاد من يستغلون هذه الأموال لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، ستواصل مليارات ليبيا تدفّقها نحو قلة من المنتفعين، فيما يظل الليبيون يدفعون الثمن".

















