بعيدًا عن الكونغرس.. هكذا مررت واشنطن مليارات الأسلحة إلى الإمارات وإسرائيل

“توظيف الحرب لترسيخ معيار جديد يقوم على تجاهل الكونغرس كلما أمكن”
في خضم حربها على إيران، المتوقفة حاليا بوقف إطلاق نار هش، استغلّت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إعفاءات الطوارئ لتسريع صفقات أسلحة خارجية مثيرة للجدل مع إسرائيل ودول الخليج، متجاوزة رقابة الكونغرس.
واستند وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 6 مارس/آذار 2026، إلى بند الإعفاء الطارئ في قانون مراقبة تصدير الأسلحة؛ لتجاوز مراجعة الكونغرس لصفقة أسلحة بقيمة تقارب 660 مليون دولار مع إسرائيل، محتجا بوجود "حالة طوارئ... تستوجب البيع الفوري".

ظاهرة متنامية
وبعد أسبوعين، تجاوزت وزارة الخارجية الكونغرس بالمثل وأقرّت ما لا يقل عن 16.5 مليار دولار في صفقات أسلحة محتملة مع الإمارات والأردن والكويت، تشمل صواريخ وأنظمة أسلحة متنوعة.
وبحسب تقرير لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت"، فإن إدارة ترامب تبرر هذه الإعفاءات الطارئة بحجة أن الشركاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى هذه القدرات.
غير أن خبراء يشددون على أنها ربما تقوض الرقابة الفعالة التي يمارسها الكونغرس على مبيعات الأسلحة الأجنبية، وهي مسألة حساسة بالنظر إلى أن هذه الأسلحة، إذا وقعت في الأيدي الخطأ، يمكن استخدامها لتأجيج الصراعات وإطالة أمدها، وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وقالت المجلة: "لم تكن الحرب الأميركية على إيران المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه الإعفاءات، التي تتيح لصفقات الأسلحة الخارجية تجاوز مهلة الـ15 إلى 30 يوما الممنوحة للكونغرس لمراجعتها".
ففي 2019، أثار وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، جدلا واسعا حين تجاوز فترة مراجعة الكونغرس لصفقات أسلحة مع الأردن والسعودية والإمارات، محتجا بأن "العدوان الإيراني" و"التقلب الإقليمي المتصاعد" في الشرق الأوسط يستوجبان ذلك.
وأوضحت المجلة أن هذه الممارسة ازدادت شيوعا منذ ذلك الحين، وشملت إدارات عديدة. فقد سارعت إدارة جو بايدن مبيعات الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا، وسط الحرب الدائرة هناك عامي 2022 و2024، وكذلك إلى إسرائيل أواخر عام 2023 لحربها على غزة.
وأضافت: "في حين أن هذه الاستثناءات الطارئة تهدف إلى تسريع وصول الأسلحة إلى شركاء الولايات المتحدة خلال الأزمات، فإن تكرار استخدامها -وسط حرب أسهمت واشنطن في إشعالها- يدفع خبراء إلى التساؤل عما إذا كانت الإدارة تسعى إلى تطبيع هذه الممارسة الاستثنائية، كوسيلة لتقويض رقابة الكونغرس على مبيعات السلاح الخارجية".
تجاهل الكونغرس
بدوره، قال نائب مدير برنامج الدفاع التقليدي في مركز ستيمسون، إلياس يوسف، إن "الحرب أو الأزمة شرط ضروري لتبرير اللجوء إلى هذا التفويض الطارئ، لكنها ليست كافية".
وتابع: “ما نشهده الآن هو استخدام روتيني لآلية [الإعفاء الطارئ]، مما يثير التساؤل: هل ببساطة هناك المزيد من حالات الطوارئ، أم أننا نُطبّع هذه السلطة الاستثنائية؟”
وأكد المسؤولون أن نقل هذه الأسلحة مسألة عاجلة، غير أن كثيرا منها لن يصل إلى وجهته المقررة في أي وقت قريب.
فكما لاحظ عضو مجلس النواب غريغوري ميكس (ديمقراطي - نيويورك) في بيان صدر أخيرا، قطعة واحدة فقط من المواد الدفاعية المقرر إرسالها إلى الإمارات والكويت والأردن متاحة للتصدير حاليا.
وتُشير معظم إعلانات مبيعات وزارة الخارجية إلى أن الشركات لا تزال بحاجة إلى تصنيع الأسلحة المزمع إرسالها، وإن كانت بعض القنابل الموجهة إلى إسرائيل "ستُنقل من المخزون".
وفي ضوء الجداول الزمنية الطويلة لتصنيع الأسلحة، قال يوسف: إن التخلي عن مهلة الـ15 إلى 30 يوما يوحي بأن "الهدف هو تفادي التدقيق، لا معالجة المخاطر التي يواجهها الحلفاء والشركاء في المنطقة".
ويرى ويليام هارتونغ وهو زميل أبحاث كبير في "معهد كوينسي" الأميركي، الذي يُصدر مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت"، إن الهدف بعيد المدى ربما يكون توظيف الحرب لـ"ترسيخ معيار جديد يقوم على تجاهل الكونغرس كلما أمكن".

دعوات للرقابة
وحذّر المشرعون من أن الإدارة، بتجاوزها الكونغرس، تعطي الضوء الأخضر لصفقات أسلحة قد تُغذّي النزاعات وتُمكّن في بعض الحالات من ارتكاب جرائم حرب.
وأبرز ميكس في بيان صحفي المخاطر الإنسانية لبيع أسلحة إلى الإمارات التي تُسلّح "الدعم السريع" السودانية، وهي مليشيا ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان في إقليم دارفور.
وقال: "يعكس هذا النقل نمطا أوسع يتمثل في تجاهل القانون، وتجاوز الكونغرس، واتخاذ قرارات أمن قومي كبرى دون شفافية أو مساءلة".
وبحسب المجلة، أبدى المشرعون إحباطا بالغا إزاء صفقات الأسلحة الأميركية مع إسرائيل التي تواصل هجماتها على لبنان في خضم هدنة هشة مع إيران، كما تواصل خرق وقف إطلاق النار في غزة حيث قتلت عشرات الآلاف من المدنيين.
وسعيا لإعاقة صفقات الأسلحة مع إسرائيل التي مُرّرت في مارس بإعفاء طارئ، قدّم السيناتور بيرني ساندرز (مستقل - فيرمونت) ثلاثة قرارات مشتركة للرفض، ومن المقرر أن يفرض التصويت عليها في وقت ما بعد عودة الكونغرس من عطلته.
وقال السيناتور ساندرز: "في ضوء الدمار المروّع الذي ألحقته الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بغزة وإيران ولبنان، فإن آخر ما يحتاجه دافعو الضرائب الأميركيون الآن هو تزويد حكومة نتنياهو بـ22 ألف قنبلة جديدة.. لا مزيد من الأسلحة لدعم حرب غير مشروعة".
وقال السيناتور كريس فان هولن (ديمقراطي - ماريلاند)، المشارك في رعاية مشروع قانون ساندرز: "لم يكتفِ ترامب بتجاهل صلاحية الكونغرس في إعلان هذه الحرب، بل يتجاوزه الآن باستخدام تفويض طارئ لإمداد هذه الحرب بمزيد من القنابل، وهي أزمة في الأصل من صنعه".
وأوضحت المجلة أن ما يفاقم إحباط المشرعين أن مبيعات الأسلحة لإسرائيل ستُموَّل عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي، وهو برنامج مساعدات عسكرية أميركية يمنح إسرائيل أكثر من 3.3 مليارات دولار سنويا لتعزيز قدراتها العسكرية، مما يعني أن فاتورتها يدفعها دافعو الضرائب الأميركيون.
ولم ينجح الكونغرس بعد في وقف أي صفقة أسلحة خارجية مقترحة عبر قرار مشترك للرفض.
وكما أفاد ناشط يتواصل مع المشرعين بشأن قضايا الحرب على إيران لـ"ريسبونسبل ستيتكرافت" شرط عدم الكشف عن هويته، فإن مشروع قانون ساندرز يبدو محكوما عليه بالفشل بسبب معارضة المشرعين الجمهوريين له.
غير أن هذه التشريعات تُسهم في إعادة التأكيد على أهمية رقابة الكونغرس على صفقات الأسلحة الخارجية المثيرة للجدل، وفق المجلة.


















