ممر تونس الرابط بين شمال إفريقيا ودول الساحل.. مشروع حقيقي أم دعاية سياسية؟

"المشروع يُعد استراتيجيا لتونس، لأنه سيربطها بسوق إفريقية واعدة تضم أكثر من 500 مليون نسمة"
أثار الإعلان التونسي عن مشروع المعبر البري القاري بين البحر المتوسط ومنطقة الساحل الإفريقي جدلا ونقاشا سياسيا واقتصاديا، بين مدى إمكانية تنفيذه وتوفر السيولة اللازمة له لدى تونس.
ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز المبادلات التجارية والانفتاح على العمق الإفريقي، في ظل الفرص الواعدة التي يوفرها السوق الإفريقي، ما يبرز أبعاده الاستراتيجية.
ويقوم المشروع على ربط موانئ تونس وليبيا على البحر المتوسط بدول إفريقيا جنوب الصحراء، بما يتيح لتلك الدول منفذا مباشرا نحو الأسواق الأوروبية، كبديل عن المسارات البحرية الطويلة التي تستغرق وقتا أطول وتكلفة أعلى.
وفي بيان لوزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية صدر في 1 أبريل 2026، قال وزير التجارة سمير عبيد إن التوجه إلى بلدان جنوب الصحراء يمثل تحديا إستراتيجيا لتطوير المبادلات التجارية.
وأضاف، بمناسبة انعقاد منتدى أصحاب الأعمال التونسي النيجري، أن تونس شرعت في إعداد مشروع المعبر البري القاري بالتنسيق مع الجانب الليبي، على أن ينطلق من معبر رأس جدير الحدودي وصولا إلى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ولا سيما النيجر والتشاد ومالي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى.
وأوضح أن المشروع سيسهم في خفض كلفة التصدير وتقليص مدته الزمنية، والتخفيف من الصعوبات المرتبطة بالنقل واللوجستيك، كما سيدعم تحقيق الاندماج الإفريقي.
ويعكس المشروع توجها مشتركا بين تونس وليبيا لتطوير الربط البري مع العمق الإفريقي، خاصة مع النيجر والتشاد ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى، بحسب عبيد.
وأشار إلى أن المشروع سيكون له أثر إيجابي في تقليص كلفة ومدة عمليات التصدير، وتخفيف التحديات المرتبطة بالنقل واللوجستيك، إلى جانب تعزيز الاندماج الإفريقي.
ووفق أرقام نشرتها وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية في فبراير 2026، سجلت المبادلات التجارية بين تونس ودول إفريقيا جنوب الصحراء فائضا بقيمة 802.5 ملايين دينار تونسي في عام 2025، علما أن الدولار يعادل نحو 2.92 دينار تونسي.
وبحسب المعطيات نفسها، بلغت صادرات تونس إلى إفريقيا جنوب الصحراء 1.2 مليار دينار، مقابل واردات بقيمة 469.9 مليون دينار.
سوق واعدة
في السياق ذاته، رأى رئيس مجلس الأعمال التونسي–الإفريقي أنيس الجزيري، أن "المشروع يُعد إستراتيجيا لتونس ولشمال إفريقيا، لأنه سيربطها بسوق إفريقية واعدة تضم أكثر من 500 مليون نسمة".
وأضاف الجزيري، في مقابلة نقلتها الإذاعة الرسمية التونسية، في 4 أبريل، أن "هذا الممر سيختصر المسافة والوقت والكلفة".
وأوضح أن المشروع سيختصر زمن نقل البضائع من شهرين إلى نحو أسبوع فقط، مشيرا إلى أن "البنك الإفريقي للتنمية ومؤسسات مالية أخرى بصدد دراسة هذا المشروع الضخم بهدف تمويله".
ولفت إلى أن أوروبا مهتمة جدا بالمشروع؛ "لأنه سيمكنها من النفاذ إلى عديد البلدان عن طريق تونس لتصدير بضائعها".
وبعيدا عن الجوانب الاقتصادية، يرى الموقع المتخصص في الشأن الإفريقي "eandelmagazine"، أن هذه المبادرة تحمل آثارا اجتماعية أوسع.
وأضاف في تحليل في 9 أبريل، أن من شأن تحسين الوصول التجاري أن يخفض أسعار السلع الأساسية في دول الساحل، حيث غالبا ما تؤدي اختناقات الإمداد إلى التضخم والندرة.
واسترسل، "وقد يحفز ذلك أيضا خلق فرص عمل على طول الطريق، بدءا من النقل والتخزين وصولا إلى الخدمات الحدودية والتجارة المحلية".
وأردف، "حتى الآن، يُعدّ الممر مشروعا سياسيا بقدر ما هو اقتصادي. ويتوقف نجاحه على التعاون المستدام بين تونس وليبيا، فضلا عن استقرار مناطق العبور التي عانت من انعدام الأمن المتكرر".
وتابع، "وسيتطلب تطوير البنية التحتية، كشبكات الطرق والجمارك والمراكز اللوجستية، استثمارات ضخمة وتنسيقا سياسيا طويل الأمد".
وشدد الموقع أن هذا المخطط يتماشى مع طموحات قارية أوسع نطاقا لتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي وتقليل الاعتماد على طرق التجارة الخارجية.
ونبه إلى أن ربط البحر الأبيض المتوسط بمنطقة الساحل، يمكن أن يصبح ممر تونس نموذجا يحتذى به لكيفية ترجمة مشاريع الربط الإقليمي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية على أرض الواقع، ويحمل إشارات ترابط اقتصادي أكثر قوة في المستقبل.

تنافس إقليمي
من جانبه، ذكر موقع "ليبيا24" في تحليل في 7 أبريل، أن الممر البري التونسي يأتي في سياق تنافس إقليمي محموم على النفاذ إلى أسواق الساحل والصحراء.
وأضاف الموقع في سياق الاهتمام الليبي بالمشروع، أن الجزائر والمغرب وموريتانيا، بل وحتى ليبيا نفسها، تسعى كل منها إلى ترسيخ موقعها كبوابة للتجارة مع العمق الإفريقي.
وهنا، يردف الموقع، تبرز نقطة ضعف تونسية أخرى، وهي غياب رؤية متكاملة للاستثمار في البنية التحتية الحدودية، سواء مع ليبيا أو مع الجزائر.
ونبه إلى أن تونس تأخرت كثيرا في الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بشكل فاعل، رغم أنها صادقت عليها منذ سنوات.
وأشار إلى أن التفعيل الفعلي لهذه الاتفاقية يتطلب بنية لوجستية قادرة على استيعاب حركة التبادل، وهو ما لا يتوفر حاليا على المعابر البرية القائمة، التي تفتقر إلى أبسط مقومات الجمارك العصرية والمناطق اللوجستية المتخصصة.
وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي ماهر قعيدة أن تونس تحاول كسر الاعتماد المفرط على الممرات البحرية والجوية، التي تبقى مكلفة وتخضع لسيطرة شركات أجنبية، والانتقال إلى منطق الربط العضوي مع الفضاء الإفريقي عبر مسالك برية.
غير أن قعيدة لا يخفي قلقه من إمكانية تحول المشروع إلى مجرد وعد انتخابي أو تصريح إعلامي، خصوصا أن تكلفة تأهيل الطريق من رأس جدير حتى حدود النيجر تمر عبر مناطق شاسعة تحتاج إلى استثمارات ضخمة.
وذكر أن الأوضاع المالية للدولة التونسية، التي تعاني من عجز في الميزانية وضغوط على الدين الخارجي، تجعل من الصعب توفير هذه الاعتمادات دون شراكة حقيقية مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.
ونقل المصدر ذاته أن هناك تحديات تواجه الممر البري لا تقتصر على الجانب المادي فقط، ومنها عقبات قانونية تتعلق باتفاقيات التبادل بين تونس وليبيا والدول المستهدفة، والتي لم تكتمل صياغتها بعد.
وأردف، كما أن هناك عقبات أمنية حقيقية في مناطق جنوب ليبيا وشمال النيجر، حيث تنتشر جماعات مسلحة وشبكات تهريب، ما يتطلب تعاونا أمنيا معقدا بين عدة دول.
وخلص إلى أن مشروع الممر البري القاري يبقى اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة التونسية على تجاوز خطاب النوايا إلى أفعال ملموسة، مشددا أن الوقت ليس في صالح تونس، إذ تتسارع الخطى الإقليمية لاقتناص الفرص في أسواق إفريقيا الصاعدة، بينما تظل تونس تراوح مكانها بنسب تصدير هزيلة.

ضرورة إستراتيجية
دفع الإعلان التونسي بالإعلام الليبي إلى فتح نافذة التنافس بين البلدين على التوجه نحو الدول الإفريقية سواء عبر الاستثمار أو الممرات القارية.
وفي هذا الصدد، نقل موقع "عين ليبيا" في 9 أبريل، تأكيد المحلل الاقتصادي سامي رضوان أن هذه المشاريع لم تعد خيارا ثانويا، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وإستراتيجية تفرضها متغيرات المرحلة.
وقال رضوان: إن ليبيا لا تحتاج إلى البحث عن بدائل خارج إطارها، في ظل امتلاكها مشروعا وطنيا متكاملا يتمثل في مشروع "طريقي العبور"، الذي تعمل على تنفيذه محفظة ليبيا إفريقيا للاستثمار بالتعاون مع وزارة المواصلات وعدد من الجهات الحكومية.
وأكد المحلل الاقتصادي أن "هذا المشروع يمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لأي شراكات إقليمية مستقبلية".
وأوضح أن المشروع يُعد من أكثر المبادرات تقدما وجاهزية على مستوى القارة، ومدعوما بدراسة جدوى أعدتها شركة أميركية متخصصة أكدت بوضوح أهميته الاقتصادية والإستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بتعزيز الربط الداخلي، وتطوير قطاع الخدمات اللوجستية، وفتح مسارات فعالة للتجارة العابرة للحدود.
وأشار رضوان إلى أن ما يميز مشروع طريقي العبور هو طبيعته المتكاملة، حيث يجمع بين عدة مكونات إستراتيجية تشمل الطرق البرية، وخطوط السكك الحديدية، ومسارات نقل النفط والغاز، إلى جانب بنية تحتية متطورة للاتصالات وخطوط نقل الطاقة، ما يجعله مشروعا لوجستيا شاملا يتجاوز المفهوم التقليدي للممرات.
وأضاف أن المشروع ينطلق من مدينتي مصراتة وبنغازي باتجاه دول العمق الإفريقي، بما في ذلك النيجر وتشاد والسودان، مع امتدادات نحو نيجيريا، وهو ما يمنح ليبيا موقعا محوريا في خريطة الربط القاري.
وشدد رضوان أن المرحلة الحالية تتطلب وضوحا في الرؤية، مؤكدا أن دعم المشروع الوطني يجب أن يكون في مقدمة الأولويات، بصفته المشروع الأكثر جاهزية وقدرة على تمثيل ليبيا كشريك رئيس في أي منظومة إقليمية للربط القاري.
وأكد رضوان أن مشروع طريقي العبور يمثل فرصة إستراتيجية حقيقية لتحويل الموقع الجغرافي لليبيا إلى قوة اقتصادية فاعلة، وتعزيز مكانتها كمركز لوجستي يربط البحر المتوسط بعمق القارة الإفريقية.

منصة اقتصادية
وبخلاف الأفكار المشككة في تفعيل المشروع أو مدى استفادة ليبيا منه، أكد موقع "libyaherald" في تحليل في 5 أبريل، أن المشروع يُتيح فرصة هامة لليبيا للاستفادة من موقعها الجغرافي وتعزيز دورها كمركز للتجارة الإقليمية.
ونبه إلى أنه، وعلى الرغم من أن المبادرة نشأت من الجانب التونسي، إلا أن مرور هذا الممر عبر الأراضي الليبية يمنح ليبيا فرصة حقيقية لتصبح مركزا لوجستيا يربط موانئ البحر المتوسط بأسواق إفريقيا جنوب الصحراء.
ونقل أن هذا الأمر يمكن أن يُسهم في تعزيز التجارة وزيادة النقل البري والخدمات اللوجستية داخل البلاد.
وأردف، كما يُمكن أن يُمهد المشروع الطريق لإنشاء مناطق تجارية وصناعية على طول الطريق، مما يُعيد تنشيط الموانئ الليبية ويجعلها بوابة للبضائع القادمة من أوروبا والمتجهة إلى منطقة الساحل الإفريقي.
علاوة على ذلك، يتابع المصدر ذاته، "يُمكن أن يُعزز التجارة البينية الأفريقية مع أسواق إفريقية واسعة النطاق وغير مستغلة إلى حد كبير".
وبالتالي، يضيف الموقع، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا الممر بالنسبة لليبيا لا تكمن فقط في دوره كممر عبور، ولكن أيضا في إمكانية تحوله إلى منصة اقتصادية متكاملة تدعم التنويع الاقتصادي وتخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية، شريطة أن يتم استغلال هذه الفرصة ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
وأشار إلى أن التحولات الاقتصادية المتسارعة في القارة الإفريقية، تزيد من الحاجة إلى تطوير شبكة طرق برية تربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل وداخل القارة، بحيث ستكون ليبيا مركزا أساسيا في ذلك.
وشدد أن هذا الأمر يمنح ليبيا فرصة إستراتيجية للاستفادة من موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين أسواق البحر الأبيض المتوسط والأسواق الإفريقية.
وخلص إلى أن تفعيل المشروع وما يشبهه من مشاريع الممرات البرية، من شأنه أن يحول ليبيا إلى بوابة رئيسية للتجارة بين أوروبا وإفريقيا ويعزز دورها في سلاسل التوريد الإقليمية، لا سيما بالنظر إلى الأهمية المتزايدة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) والفرص التي توفرها لتوسيع التجارة البينية الإفريقية.
المصادر
- أنيس الجزيري: ’’مشروع المعبر البري القاري لربط رأس جدير بدول جنوب الصحراء مشروع استراتيجي’’
- تونس تدشن ممراً برياً يربط رأس جدير بأفريقيا جنوب الصحراء
- دعوات للحكومة لدعم مشروع «طريقي العبور» كأولوية إستراتيجية
- Tunisia Redraws a Trade Map Corridor, Connecting North Africa to the Sahel Region
- Tunisia’s New African Transit Corridor via Ras Jedir: An Opportunity for Libya to Become a Trade Gateway to sub-Saharan Africa

















