خزان واحد وسيادتان.. كيف يعقّد حقل الشمال حسابات قطر بحرب إيران؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

كشفت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت منشآت معالجة الغاز في حقل بارس الجنوبي بإيران في 18 مارس/آذار 2026 عن امتداد تداعياتها إلى ما وراء السواحل الإيرانية، لتنال توازنات الطاقة في منطقة الخليج برمّتها.

ففي اليوم التالي، ردّت طهران بضرب منشآت في مدينة رأس لفان الصناعية شمال قطر، ما أدى إلى اندلاع حرائق في أحد أكبر مجمّعات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتراجع مؤقت في جزء من القدرة التصديرية القطرية.

وطوال سنوات، شكّل حقل الشمال–بارس الجنوبي خزّانًا مشتركًا تحت قاع الخليج، أتاح لقطر ترسيخ مكانتها كأحد أبرز مورّدي الغاز الطبيعي المسال عالميًا، كما وفّر لإيران مصدرًا حيويًا للطاقة. ومع تصاعد التوترات، أعاد هذا الترابط الجغرافي والاقتصادي تسليط الضوء على الأهمية الإستراتيجية لهذا الحقل في معادلة الطاقة الإقليمية والدولية.

الحقل المشترك

يقع أكبر حقل غاز بحري بالعالم في الخليج العربي، وتسمّي الدوحة الجزء الواقع منه داخل مياهها الإقليمية "حقل الشمال"، فيما تسميه طهران "بارس الجنوبي"، لكن اختلاف التسمية لا يغيّر حقيقة أن الحقل خزان جيولوجي واحد يمتد عبر الحدود البحرية. 

تقدَّر مساحة الحقل بنحو 9700 كيلومتر مربع، منها 6000 في المياه القطرية و3700 في المياه الإيرانية، ويحتوي على نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج.

أما الجزء القطري وحده، فتقول الدوحة إنه يضم أكثر من 900 تريليون قدم مكعبة من الاحتياطيات القابلة للاستخراج.

ورغم وحدة الخزان، لا توجد آلية تشغيل مشتركة بين البلدين، بل يطوّر كل طرف جانبه بشكل منفصل. 

إذ فتحت قطر حقل الشمال أمام الشركات العالمية وأوقفت التوسع فيه عام 2005 لإجراء دراسات على سلوك المكمن (كيفية تحرك الغاز داخل الخزان) قبل أن تعود إلى التوسع لاحقًا. 

أما إيران، فطوّرت بارس الجنوبي على مراحل متتالية حول عسلوية (في محافظة بوشهر على الخليج)، تحت ضغط العقوبات والقيود التقنية. لذلك فالعلاقة بين البلدين جيولوجية واقتصادية أكثر منها تعاقدية، فهو خزان واحد، لكن استغلاله يجري عبر سيادتين منفصلتين.

وتكمن أهمية الحقل في أن معناه ليس واحدًا لدى الطرفين، فبالنسبة لقطر، يمثّل قاعدة صناعة الغاز المسال التي صنعت وزنها العالمي؛ إذ تقوم عليه الطاقة الحالية البالغة 77 مليون طن سنويًا، كما تستند إليه في خطط التوسع إلى 126 مليون طن بحلول 2027، ثم 142 مليونًا بحلول 2030. 

لذلك لا يُعد الحقل مجرد أصل طاقي إستراتيجي بالنسبة للدوحة، بل العمود الفقري للنموذج الاقتصادي القطري كله: التصدير والفوائض المالية والعقود الطويلة مع آسيا وأوروبا.

أما بالنسبة لطهران، فحقل بارس الجنوبي ليس بوابة تصدير عالمية شبيهة بالحالة القطرية، بل شريان طاقة داخلي.

فهو يوفّر ما بين 70 و75 بالمئة من إنتاجها من الغاز، بينما يُستهلك أكثر من 90 بالمئة من إنتاج البلاد محليًا، وتعتمد إيران عليه في نحو 85 بالمئة من توليد الكهرباء. 

وبسبب غياب طاقة إسالة مماثلة لقطر، يذهب معظم غاز بارس الجنوبي إلى الداخل الإيراني: التدفئة والكهرباء والصناعة والبتروكيماويات مع صادرات محدودة عبر الأنابيب إلى دول مجاورة.

حساسية البنية الإقليمية

أشعلت الحرب على إيران شرارة أعادت تسليط الضوء على حساسية البنية الإقليمية للطاقة، ففي 18 مارس/آذار، أدّت الغارة على منشآت بارس الجنوبي وعسلوية إلى تعطيل نحو 100 مليون متر مكعب يوميًا من طاقة المعالجة، أي ما يعادل قرابة 14 بالمئة من إنتاج إيران من الغاز.

وفي اليوم التالي، امتدت تداعيات التصعيد إلى الضفة الأخرى من منظومة الطاقة في الخليج، مع استهداف منشآت رأس لفان؛ حيث تأثرت وحدتان من أصل 14 وحدة إسالة، كما تضررت منشأة "بيرل جي تي إل" لتحويل الغاز إلى سوائل، ما دفع قطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة، في إجراء تنظيمي مؤقت يهدف إلى إدارة الالتزامات التعاقدية في ظل ظروف استثنائية.

وأدّت هذه التطورات إلى خروج نحو 12.8 مليون طن سنويًا من الطاقة التصديرية القطرية من الخدمة مؤقتًا، مع تقديرات رسمية تشير إلى أن عمليات الإصلاح وإعادة التشغيل الكامل قد تستغرق فترة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، في حين قدّر وزير الطاقة القطري سعد الكعبي حجم الخسائر السنوية بنحو 20 مليار دولار، مشيرًا إلى احتمال تأخر بعض مراحل توسعة حقل الشمال لأكثر من عام.

وفي هذا السياق، لم تعد الضربات مجرد استهداف متبادل لمنشآت طاقة، بل محطة مفصلية أبرزت عمق الترابط بين مكونات المنظومة الغازية في المنطقة، حيث إن الطبيعة المشتركة للبنية التحتية وسلاسل الإمداد تجعل أي تطور ميداني ذا تأثيرات ممتدة تتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر.

وتبرز أهمية هذا الترابط في كون الغاز القطري يُعالج ويُصدّر عبر منظومة متكاملة تمر برأس لفان، وصولًا إلى الأسواق العالمية عبر ممرات بحرية حيوية، ما يجعل استقرار هذه المنظومة عنصرًا أساسيًا في أمن الطاقة العالمي.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث كريستيان أولريكسن من معهد بيكر أن استهداف منشآت الغاز في عسلوية ورأس لفان يعكس مدى ترابط الخزان المشترك. موضحًا أن أي اضطراب في أحد جانبيه ينعكس على السوق ككل، سواء من حيث الإمدادات أو ثقة المستثمرين أو كلفة التمويل والتأمين.

وبالفعل، شهدت الأسواق منذ ذلك الحين تحركات ملحوظة؛ حيث أعادت شركات التأمين تقييم المخاطر في المنطقة، ورفعت أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز بشكل كبير، فيما أشارت تقديرات إلى أن إعادة التشغيل الكامل للمنشآت المتضررة قد تستغرق وقتًا، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على كلفة المشاريع المستقبلية في قطاع الطاقة.

كما امتدت التأثيرات إلى التقييمات المالية؛ إذ وضعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني التصنيف السيادي لقطر تحت المراجعة، في خطوة تعكس متابعة الأسواق الدولية للتطورات، في حين خفّضت مؤسسات استشارية توقعاتها لإمدادات الغاز المسال عالميًا نتيجة الأضرار وتأخر التوسعات.

وفي هذا السياق، قال الخبير في مركز الطاقة بجامعة كولومبيا إيرا جوزيف إن أي تراجع كبير في صادرات الغاز المسال من قطر يحمل تداعيات واسعة على الأسواق العالمية، لا سيما في آسيا التي تستحوذ على الحصة الأكبر من هذه الإمدادات، متوقعًا أن تؤدي هذه التطورات إلى ضغوط تصاعدية على الأسعار إلى حين استعادة التوازن في السوق.

موقف صعب

ومنذ بداية الحرب، حاولت قطر الحفاظ على موقعها الحذر بين واشنطن وطهران، فهي تستضيف أكبر قاعدة أميركية بالمنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع النظر إلى إيران بوصفها خصمًا خارجيًا عاديًا، لأن جزءًا من ثروتها الغازية الأكثر أهمية يمتد جيولوجيًا إلى داخلها. 

لذلك جاء موقفها مزدوجًا، فقد استنكرت الضربة على بارس الجنوبي ووصفتها بأنها "خطوة خطيرة وغير مسؤولة"، ثم أدانت الضربة الإيرانية على رأس لفان وعدتها تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني، وأبلغت الملحقين الأمني والعسكري الإيرانيين بمغادرة البلاد خلال 24 ساعة.

لكن ما تغيّر فعليًا هو أن الحذر القطري لم يعد مجرد خيار دبلوماسي مفضّل، بل صار نتيجة مباشرة لبنية الثروة نفسها؛ إذ تجد قطر نفسها الآن في موقف بالغ الصعوبة، وفق هيئة شؤون الشرق الأوسط العالمية “أفكار”.

وقالت الهيئة: “بعد ساعات من الهجوم الإسرائيلي، أصدر المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، بيانًا وصف فيه الهجوم بأنه ”خطير وغير مسؤول مؤكدًا أن الحقل مشترك".

وأضافت: “هذا ليس مجرد كلام دبلوماسي مُنمّق، بل اعتراف بمصير جيولوجي مشترك من دولة لا تستطيع الانحياز إلى إيران، وفي الوقت نفسه لا تستطيع النجاة من تدمير الحقل”.

وعلى خلاف السعودية والإمارات، اللتين تملكان جزئيًا خطوط أنابيب تمثل مسارات بديلة للتصدير خارج هرمز، تعتمد قطر على حقل الشمال وعلى رأس لفان، وعلى مضيق هرمز في آن واحد. 

ويعد هذا التركّز أحد أسرار قوتها في الظروف العادية، لكنه يتحول في الحرب إلى قيد ثقيل، ولذلك تشدد الدوحة مرارا على ضرورة خفض التصعيد وتدعم المسارات الدبلوماسية للحيلولة دون تدهور الوضع.

وذلك على تقدير أن إطالة الحرب لا تعني فقط توترًا سياسيًا وعسكريًا أكبر، بل أيضًا تأخير التوسعات في الحقل وارتفاع كلفة التأمين والتمويل واهتزاز صورة المورد المستقر التي راكمتها قطر خلال عقود.

فعلى إثر الضربات، توقفت توسعات حقلي الشمال الشرقي والجنوبي، التي كانت ستبدأ الإنتاج في منتصف 2026، ما قد يضر بموثوقية قطر كموِّرِّدٍ مستقر ويخيف المستثمرين وشركات الشحن.

وحذرت وكالة فيتش من أن استمرار الحرب قد يجعل قطر هدفًا دائمًا ويضر بتصنيفها الائتماني، فيما تشير تحليلات رويترز إلى أن التأمين والتمويل في المنطقة سيصبحان أكثر كلفة، ما يدفع شركات الطاقة إلى البحث عن مناطق أقل خطورة.

ويرى مركز “ستيمسون” الأميركي للدراسات أن استهداف بنية الطاقة صار أداة في “حرب البنية التحتية” يمكن أن تقيّد خيارات الأطراف وتخلق ضغوطًا للتفاوض، محذرا من أن الإضرار بالحقل سيؤدي إلى تقلبات هائلة في السوق العالمي. 

هناك أيضًا بُعد داخلي يتمثل في أن قدرة قطر على إدامة خدمات الكهرباء والمياه التي تعتمد على الغاز من حقل الشمال، باتت رهينة الاستقرار الإقليمي.

ويقدر مراقبون أن تكرار استهداف رأس لفان أو تأخر عملية إصلاحه، قد يؤثر على الاقتصاد المحلي ويرفع أسعار الطاقة، ولذلك تحاول الدوحة أن توازن بين تحالفها مع واشنطن ورغبتها في عدم استفزاز طهران.