قناة بنما ومضيق هرمز.. هل تدفع سياسات أميركا العالم نحو نظام ملاحي جديد؟

"على مدى 46 عاما، قدمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الضامن النهائي لحرية الملاحة البحرية"
تحت عنوان "حرب إيران: نهاية حرية الملاحة في البحر"، سلّط موقع "تيليبوليس" الضوء على تراجع عقيدة كارتر، نتيجة سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نصف الكرة الغربي.
ويقدّر الموقع الألماني أن "سعي الولايات المتحدة للسيطرة على ما يُعرف بـ(عنق الزجاجة) داخل نصف الكرة الغربي يُضعف من حججها المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز".

عقيدة كارتر
وأشار الموقع الألماني إلى أنه "على مدى 46 عاما، قدمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الضامن النهائي لحرية الملاحة البحرية، ولم يكن هذا الموقف أكثر صرامة مما كان عليه في الخليج العربي".
وتابع: "واليوم، في ظل إغلاق مضيق هرمز أمام تدفقات التجارة المقومة بالدولار، تواصل وزارة الخارجية الأميركية التأكيد على مطلبها التقليدي بأن تبقي إيران الممر البحري مفتوحا وخاليا من الرسوم".
حيث صرح وزير الخارجية ماركو روبيو: "يهدد الإيرانيون بإنشاء نظام دائم في مضيق هرمز يقررون من خلاله من يُسمح له بعبور الممرات المائية الدولية. هذا لن نسمح به أبدا".
ويرى الموقع أن "هذا الموقف استند تاريخيا إلى الثقل الأخلاقي للقانون الدولي، غير أن هذا الأساس بدأ يتغير في عهد الرئيس دونالد ترامب".
وأوضح التقرير مقصده: "لقد قام النظام الدولي القائم على القواعد، وهو النظام الذي أسهمت الولايات المتحدة بشكل كبير في بنائه والدفاع عنه بعد الحرب العالمية الثانية، على قناعة مفادها أن قواعد الملاحة والتجارة العالمية هي قواعد أساسية، ويجب أن تنطبق بالتساوي على الدول الضعيفة والقوية على حد سواء".
وأضاف: "وفي الشرق الأوسط تحديدا، أدت ذكريات أزمة قناة السويس 1956، إلى جانب التهديد الذي شكله النفوذ السوفيتي في الخليج العربي، إلى صياغة (عقيدة كارتر) من أجل الحفاظ على هذا الإطار".
وتنص العقيدة بشكل أساسي على أن "أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعد اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم التصدي لها بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية".
ولفت الموقع إلى أن "(حروب الناقلات)، وهي سلسلة من الهجمات المتبادلة بين إيران والعراق على ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي ثمانينيات القرن العشرين، وضعت هذه العقيدة على المحك".
واستدرك: "إلا أن الولايات المتحدة والعراق خرجتا منتصرتين، وبعد سنوات من الجدل الدولي، اعتمدت (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) في عام 1994".
"ورغم أن الولايات المتحدة لم تنضم رسميا إلى هذه الاتفاقية، فإن الإدارات السابقة اعتبرتها جزءا من القانون الدولي العرفي"، بحسب التقرير.
خطيئة بنما
في هذا السياق، انتقد الموقع الألماني ترامب، مشيرا إلى أن "عهده يتسم بتجاهل الاتفاقيات الدولية القائمة".
وأردف: "فعندما ترسل الولايات المتحدة إشارة إلى العالم مفادها أن مصالحها الاقتصادية تتقدم على القانون الدولي، فإن دولا مثل إيران تلتقط هذه الرسالة جيدا".
ووفقا له، "تدرك هذه الدول أن واشنطن لا يمكنها استخدام خطاب القانون الدولي بشكل مقنع في الخليج العربي، بينما تقوم في الوقت نفسه بتقويضه داخل نصف الكرة الغربي، ويُقصد هنا ما حدث في قناة بنما خلال الأشهر الماضية".
حيث أكد مسؤول في وزارة الحرب الأميركية بشكل صريح أن الولايات المتحدة نسقت مع السلطات البنمية لإبعاد الشركات الصينية عن قناة بنما، محققة بذلك (انتصارا كبيرا للتجارة الأميركية غير المقيدة ونجاحا إستراتيجيا للولايات المتحدة)".
وتابع الموقع: "بدافع القلق من التداعيات الإستراتيجية للحضور التجاري الصيني في القارة الأميركية، لم تلجأ واشنطن إلى المحاكم الدولية، بل استندت إلى عقيدة مونرو، وادعت حقا أحاديا في تقليص النفوذ الأجنبي والسيطرة على ممر بحري عالمي، فقط لأنه يقع ضمن الفناء الخلفي للولايات المتحدة".
واستطرد: "قد يجادل البعض بأن منطق وزارة الحرب الأميركية يمكن فهمه من منظور دفاعي، غير أن التناقض الدبلوماسي يبدو صارخا".
وأوضح ذلك قائلا: "فقد ادعت الولايات المتحدة في عهد ترامب حقوق ملكية وسيطرة حصرية على البنية التحتية البحرية الإقليمية لإقصاء منافس جيوسياسي، مستندة إلى مبررات قانونية يمكن وصفها، بأقل تقدير، بأنها واهية للغاية".
ومن هنا تساءل الموقع: “إذا كانت واشنطن ترى أنه من المبرر (تطهير) الموانئ التي تديرها الصين في بنما لتأمين نصف الكرة الغربي، فبأي معيار قانوني أو أخلاقي متماسك يمكنها أن تطالب طهران بمعاملة الخليج العربي كملكية مشتركة دولية؟”
وبحسب تحليله، "لا تقتصر تداعيات هذا التناقض على الشرق الأوسط؛ إذ إن خلق سابقة بأن الممرات العالمية يمكن إدارتها كأصول إقليمية يمنح بكين مخططا جاهزا لتطبيقه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

صراع صفري
"ولعل المثال الأبرز هو مضيق ملقا، ذلك الممر الضيق الذي يمر عبره نحو ثلث حركة الشحن العالمية، ومعظم واردات الصين من الطاقة"، يقول الموقع الألماني.
ويضيف: "فعلى مدى سنوات، رفضت الولايات المتحدة بشدة المطالبات الإقليمية الصينية في بحر الصين الجنوبي، مؤكدة أن القانون الدولي يضمن حرية الملاحة عبر هذه الطرق التجارية الحيوية في آسيا".
واستدرك: "لكن إذا استُبدلت المنظومة القائمة على القواعد بنظام تمنح فيه القوى الإقليمية الأقرب حق فرض شروط المرور البحري، فإن الصين ستجد كل الدوافع لتطبيق سابقة بنما في (فناءها الخلفي)".
وإذا ما حدث ذلك، فإنه يعني عمليا -بحسب التقرير- "نهاية قانون البحار، ونهاية عقيدة كارتر ونظام (البترودولار) الذي ارتبط بها".
وعزا ذلك إلى أن "عقيدة كارتر التي أُعلنت عام 1980، نصت على أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها الوطنية في الخليج، وستعمل كضامن لتدفق النفط بحرية إلى الاقتصاد العالمي".
وعليه، خلص الموقع إلى "انتهاء حقبة عقيدة كارتر، والمفارقة أن نهايتها جاءت نتيجة مباشرة للسياسات الأميركية نفسها".
وأردف: "لم تفشل العقيدة بسبب نقص في الصواريخ أو أنظمة الرادار، ولم تَنْهَر بسبب تمرد دبلوماسي من حلفاء الشرق الأوسط، ولم يكن السبب حسابات جيو-اقتصادية خاطئة أضعفت جاذبية رأس المال الأميركي في الخليج، ولم يكن حتى الدين العام الأميركي المتزايد الذي موّل النظام بأكمله، هو ما أطاح بها".
بل يرجع السبب الجوهري، وفق تحليله، إلى الرئيس ترامب الذي "فضل اتباع منطق صراع صفري قائم على السيطرة الإقليمية، بدلا من ممارسة القيادة الدولية عبر منظومة الأمم المتحدة".
ويتابع الموقع انتقاد سياسة واشنطن: "على الولايات المتحدة أن تواجه الواقع متعدد الأقطاب الذي أسهمت بنفسها في تشكيله".
واستطرد: "فمع إرساء ترامب لنمط جديد من السلوك الدولي، يتم فيه التعامل مع الممرات العالمية مثل قناة بنما بصفتها نقاط نفوذ يتم مراقبتها و(تطهيرها) وفرض رسوم عليها، يصبح من المتوقع أن تتبنى دول أخرى المنطق ذاته".
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن "إيران قد تجد مبررا لتطبيق نفس القاعدة على مضيق هرمز، بصفته ممرا إستراتيجيا يقع ضمن نطاقها الجغرافي".
واختتم حديثه قائلا: "لقد اختارت الولايات المتحدة مسارها في كل من بنما وإيران، وعلى بقية العالم الآن أن يتعامل مع تداعيات هذا الخيار، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الملاحة والتوازنات في الخليج".


















