السودان في عامه الرابع من الحرب.. مأساة إنسانية تتفاقم وصراع بلا أفق

اندلاع حرب أشعلت نيرانها في قلب الخرطوم وامتدت لتحرق أحلام جيل كامل
يعود الخامس عشر من أبريل ليطرق أبواب الذاكرة السودانية كضيف ثقيل، يحمل معه رائحة البارود ودموعًا لم تجف، بعد ثلاث سنوات من اندلاع حرب أشعلت نيرانها في قلب الخرطوم وامتدت لتحرق أحلام جيل كامل، ليسجل السودان عامًا رابعًا من القتال والأزمة الإنسانية.
ومنذ أبريل/نيسان 2023، تخوض مليشيا "الدعم السريع" حربًا مع الجيش السوداني على خلفية خلافات بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ما أدى إلى مجاعة تُعد من بين الأسوأ عالميًا، فضلًا عن مقتل عشرات الآلاف من السودانيين ونزوح نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.
وخلال العام الماضي، تحولت الحرب من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع متعدد الجبهات والأساليب، في ظل دخول سلاح الطائرات المسيّرة كلاعب حاسم غيّر قواعد الاشتباك وزاد من كلفة الدماء في المناطق المأهولة.
وشهد مطلع العام الثالث للحرب تحولًا جذريًا في مسار المواجهات؛ إذ نجح الجيش، في 21 مايو/أيار 2025، في حسم حرب الشوارع الضارية التي دارت في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، أم درمان، بحري)، مستعيدًا السيطرة الكاملة على الخرطوم ومؤسساتها السيادية.
وأجبرت السيطرة على الخرطوم "قوات الدعم السريع" على التراجع غربًا نحو ولايات كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب) وولايات دارفور الخمس (شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط).
ومع استتباب السيطرة الميدانية، سارعت السلطات إلى إطلاق خطط لإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية من كهرباء ومياه، بهدف تشجيع السكان على العودة.
وتُوّجت هذه الجهود بإعلان رئيس الوزراء كامل إدريس عودة الحكومة بكامل طاقمها لمباشرة عملها من العاصمة في يناير/كانون الثاني 2026، لتطوي بذلك صفحة "بورتسودان" (شرق) كعاصمة إدارية مؤقتة استمرت لأكثر من عامين.
ومن أصل 18 ولاية في البلاد، تسيطر "الدعم السريع" على ولايات دارفور الخمس غربًا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال بيد الجيش، الذي يسيطر بدوره على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.
وكشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في السودان؛ حيث أعلنت أن أكثر من 11 ألف شخص فُقدوا منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، في وقت تتزايد فيه معاناة العائلات التي تعيش على وقع انتظار أخبار أحبائها وسط ظروف إنسانية قاسية.
وقالت اللجنة، في بيان صدر في جنيف: إن "آلاف العائلات لا تزال تنتظر أخبارًا عن أحبائها الذين انفصلت عنهم أثناء الفرار من القتال"، مؤكدة أن عدد ملفات المفقودين "تجاوز 11 ألف حالة، بزيادة تفوق 40 بالمئة خلال العام الماضي وحده".
من جانبها، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة من التأثير المدمر للطائرات المسيّرة على الأطفال. مشيرة إلى أنها مسؤولة عن نحو 80 بالمئة من حالات قتل أو إصابة الأطفال خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وتعيش مخيمات النازحين في السودان أوضاعًا صعبة؛ حيث تعتمد الأسر على مساكن بدائية من القش والخشب، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية، في حين تتكرر حوادث الحرائق بسبب الاكتظاظ وضيق المساحات.
مؤتمر برلين
وبالتوازي مع حلول ذكرى الحرب في السودان، انعقد مؤتمر برلين الدولي الثالث بشأن السودان، وجاء مكمّلًا لمؤتمري باريس ولندن عامي 2024 و2025، وركّز بشكل أساسي على دمج العمل الإنساني بالمسار السياسي المدني.
وكانت أبرز مخرجات المؤتمر الإعلان عن تعهدات مالية جديدة في إطار خطة الاستجابة الإنسانية، وتأسيس آلية جديدة لضمان تنسيق الضغوط الدولية من أجل وضع حد للصراع المستمر في السودان منذ منتصف أبريل/نيسان 2023.
وشهد المؤتمر تباينًا حادًا في ردود الفعل بين الأطراف السودانية والدولية؛ ففي الوقت الذي رحّبت فيه بعض القوى المدنية والمعارضة بالمؤتمر كخطوة إيجابية لجمع أكثر من مليار دولار كمساعدات إنسانية ودعم الجهود لإنهاء الأزمة الكارثية، عدته الحكومة السودانية في بورتسودان ومؤيدوها "نهجًا استعمارياً" و"تجاوزًا للسيادة الوطنية"، خاصة في ظل غياب الدعوة الرسمية لها وللجيش، ومشاركة شخصيات مدنية متهمة بالتماهي مع "الدعم السريع".
وبدوره، أكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أن المؤتمر لا يعني الحكومة والشعب السودانيين، ومن ثم فإن مخرجاته أيضًا لا تعنيهم.
وأضاف، في مؤتمر صحفي بالخرطوم، أنه لم تتم دعوة السودان للمشاركة في المؤتمر، مقدرا أن غياب الحكومة يُعد خطأً فادحًا من قبل الجهات المنظمة وينذر بفشل المؤتمر. مشيرًا إلى الوقفات الاحتجاجية التي نظمها سودانيون في ألمانيا تعبيرًا عن رفضهم لما وصفوه بـ"الحلول المفروضة".
وتابع أن الحكومة السودانية منفتحة على جميع المبادرات الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام، بما يحفظ سيادة البلاد، مؤكدًا أن بلاده لا تقبل الحلول الجزئية.
وقال إدريس: إن الخرطوم ستستمر في الاتصالات الإقليمية والدولية مع الأمم المتحدة ووكالاتها، ومع مختلف الأطراف، بما في ذلك الدول المشاركة في المؤتمر.
مأساة إنسانية
وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن الحزن العميق والألم الجماعي، مستذكرين الدمار الذي حل بالبلاد منذ 15 أبريل 2023، وتدمير الاقتصاد، انهيار العملة، تهجير الملايين، وفقدان الآلاف من الأرواح.
وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ذكرى_حرب_السودان #السودان #ذكرى_الحرب #سلام_للسودان، إلى أن الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل "حرب على المدنيين".
ولفت ناشطون إلى أن الحرب أدت إلى تشريد أكثر من 11-12 مليون شخص، وتحويل السودان إلى "أكبر أزمة إنسانية في العالم"، مع تفكك الأسر وانتشار الجوع والفوضى.
انتهاكات جسيمة
وسلط ناشطون ومنظمات حقوقية الضوء على الوضع الإنساني والحقوقي الكارثي الذي أفرزته حرب السودان منذ اندلاعها؛ حيث أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 11 مليون شخص داخلياً وخارجياً.
وتحدثوا عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت والتي تشمل جرائم حرب، عنفاً جنسياً منهجياً، وتهجيراً قسرياً، وانهياراً كاملاً للنظام الصحي والخدمات الأساسية، مما يجعل ملايين السودانيين يواجهون خطر الموت جوعاً أو مرضاً أو عنفاً مستمراً في ظل إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.
دور تخريبي
وتحدث ناشطون عن دور الإمارات التخريبي في السودان ودعمها قوات الدعم السريع بالأسلحة والتمويل، وارتباطها بمصالح اقتصادية في الذهب والموانئ، ودورها في إطالة أمد الحرب والإبادة الجماعية، مسلطين الضوء على جرائم الجنجويد.
بدورها، قالت صحيفة الغارديان البريطانية: إن دبلوماسيين ومراقبين، يرون أن الحرب في السودان، لن تتوقف دون الضغط على الإمارات التي تسعى لتحقيق أهداف جيوسياسية على حساب السودانيين.
ونقلت عن دبلوماسيين وخبراء مطلعين على قوات الدعم السريع، أن الإمارات هي الداعم الرئيس لها، رغم النفي، ويعتقد كثيرون أن التوترات بشأن دورها هي التي فاقمت الخلاف المرير بين الإمارات والسعودية.
وقتل ما يصل إلى 10.000 شخص في الحصار الوحشي الذي شنته قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مدينة الفاشر في دارفور، وهو ما وصفته بعثة تابعة للأمم المتحدة بأنه يحمل "سمات الإبادة الجماعية".
"حرب الكرامة"
وبرزت نبرة الصمود والكرامة وصف مغردون الحرب بـ"حرب الكرامة"، مؤكدين أن "السودان لا يُكسر" رغم المحاولات، وأن الجيش والشعب وقفا معًا ضد "التمرد" و"المليشيا"، بدماء الشهداء التي سطرت تاريخًا جديدًا من العزة.
وأبرز ناشطون آخرون صمود الجيش أمام الجيوش المرتزقة بدعم خارجي، عادين ذلك دليلاً على أن "السودان لا يُشترى بالمال".
"وصاية ناعمة"
وشهدت منصات التواصل غضباً شعبياً واسعاً ومطالبات بمحاسبة بعض المشاركين في مؤتمر برلين، مع سخرية من تغير مواقف بعض السياسيين أمام التمويلات، ورأوا المؤتمر "مؤامرة" أو "وصاية ناعمة"، بينما عده آخرون حراكاً دولياً ضرورياً لتخفيف معاناة الشعب وسط كارثة إنسانية تُوصف بأنها الأسوأ في العالم.
















