إعادة إعمار غزة ونزع السلاح.. هل تتحول الخطة إلى مقايضة سياسية؟

"يظل المدنيون في غزة بانتظار إجابات، بينما تستمر الأزمات الإقليمية في جذب انتباه العالم بعيدا عنهم"
عاد في الأسابيع الأخيرة إلى الواجهة ملف إعادة إعمار قطاع غزة بعد ما تعرض له من إبادة جماعية إسرائيلية، وربطه بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، إلا أنه فقد زخمه سريعا مع تصدّر العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران أجندة الاهتمام الدبلوماسي.
وفي هذا السياق، نقل موقع "ذا ميديا لاين" أن قنوات إقليمية ودبلوماسية أفادت بأن التقدم في ملف الإعمار بات مرتبط بخطوات نحو نزع السلاح، رغم عدم صدور أي إعلان رسمي بهذا الخصوص.
لكن خلال أيام قليلة، عاد التركيز مجدداً إلى واشنطن وطهران، ما ترك مستقبل غزة السياسي معلّقاً مرة أخرى؛ إذ أشار مراقبون إلى أنه لم يتم التوصل بعد إلى أي إطار رسمي ملزم لنزع السلاح، الأمر الذي يجعل القضية لا تزال عالقة بين الإشارات السياسية والتطبيق العملي.

قضية عالقة
وبحسب الموقع الأميركي، فإن هذا التحول لم يكن سياسيا فحسب، بل إن الاهتمام الدبلوماسي والتنسيق الأمني والمشاركة الدولية -التي كانت تهدف في السابق إلى صياغة ترتيبات غزة ما بعد الحرب- أصبحت موجَّهة بشكل متزايد نحو إدارة التصعيد مع إيران.
وقال: "عادت قضايا الحوكمة والأمن في غزة إلى الواجهة لفترة وجيزة، قبل أن تطغى عليها أزمة إقليمية أوسع نطاقا، ما حال دون التوصل إلى أي آلية أو اتفاق ملموس".
وأضاف أن "هذا الجهد الأخير كان جزءا من مسعى أوسع تقوده الولايات المتحدة، وُصف في المناقشات الدبلوماسية بـ "مجلس السلام"، بهدف صياغة نظام الحكم في غزة بعد الحرب".
وفي هذا الإطار، عُدّ نزع السلاح شرطا أساسيا لتمويل إعادة الإعمار، والتدخل الدولي، وإمكانية نشر آليات إدارية أو أمنية خارجية في القطاع.
ومع ذلك، لا تزال المبادرة تفتقر إلى أدوات إنفاذ واضحة أو ضمانات كافية لإجبار الفصائل المسلحة على الامتثال. وبحسب الموقع، يوجد ضغط سياسي، لكن لا توجد حتى الآن آلية فعّالة لتحويله إلى نزع سلاح فعلي.
وصرَّح مايكل ميلشتاين، رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان الإسرائيلي، لـ "ذا ميديا لاين" بأن حماس لم تُبدِ أي مؤشر على استعدادها لتسليم أسلحتها، بغض النظر عن الضغوط الدبلوماسية أو التصعيد الإقليمي الأوسع.
ويرى ميلشتاين أن الحركة قد تكون مستعدة لمناقشة فرض قيود على بعض الأسلحة، لكن ليس نزع السلاح بالكامل.
واستشهد ميلشتاين بكلمة الناطق باسم كتائب القسام قائلا: "لقد سمعنا جميعا (أبا عبيدة) أخيرا وهو يؤكد بشكل واضح جدا أن حماس ليست مستعدة حتى للنظر في أي مسألة تتعلق بنزع السلاح".
وتابع: "لقد وصف أبو عبيدة كافة التقارير التي تتحدث عن تقدم في مفاوضات نزع السلاح بأنها محض هراء؛ لأنه من الواضح تماما أن حماس لن تبدي مرونة في هذه النقطة".
وأردف الخبير الإسرائيلي موضحا: "يمكنهم التفاوض بشأن الأسلحة، ونوعية ما يمكنهم الاحتفاظ به، لكنهم لن يتفاوضوا أبدا على النزع الشامل للسلاح".
ورأى ميلشتاين أن أي ترتيبات لما بعد الحرب تدعمها الولايات المتحدة من المرجح أن تعيد تقديم حماس بدلا من إزالتها. وأوضح أن الحركة ربما تقبل بواجهة حكم جديدة مع الاحتفاظ بالقوة المسلحة والنفوذ السياسي، وهو ما يشبه نموذج حزب الله في لبنان.
ولفت إلى تطلعات الشارع الفلسطيني بقوله: "يتحدث الكثير من الفلسطينيين اليوم عما سيحدث في اليوم التالي للحرب مع إيران، ويتمنى الكثير منهم أن يُروّج [الرئيس الأميركي، دونالد] ترامب، في اليوم التالي، لتسوية سياسية في غزة، تقوم على وصول حكومة بيروقراطية إلى القطاع، بل وحتى وصول قوات دولية ونشرها هناك".
إلا أنه استدرك قائلا: "من الواضح تماما أن حماس مستعدة الآن لقبول كل هذه المطالب لإنشاء نوع من (النموذج المحلي لحزب الله) في غزة؛ وهذا يعني أنهم سيحتفظون بسلاحهم ونفوذهم، لكنهم لن يكونوا مستعدين فعليا لنزع السلاح كليا".
وربط ميلشتاين هذا الرأي بدرس أوسع حول أهداف إسرائيل العسكرية، مشيرا إلى أن النصر المطلق على حماس وحزب الله والجهات المدعومة من إيران ليس بالأمر الواقعي الذي تصوره بعض القادة.
وقال: "في الوقت الحالي، وعلى جميع الجبهات التي تتعامل معها إسرائيل، لبنان وإيران وحماس، لم يحقق نتنياهو أي نصر مطلق أو محو للعدو؛ فالعدو لا يزال موجودا، وهو وإن كان ضعيفا جدا، إلا أنه لا يزال مسيطرا".
ونبّه ميلشتاين إلى ضرورة فهم طبيعة الحروب الحالية، مؤكدا: "يجب أن ندرك أن طبيعة أعدائنا اليوم تجعل من المستحيل محوهم من الخريطة، وسنضطر لتكرار قتالهم مرارا وتكرارا".

مقايضة ضد الإنسانية
ولفت التقرير إلى أن هذا التقييم يتسق مع تحول أوسع في المباحثات الدبلوماسية؛ حيث بدأ الطرح يتغير من فكرة "نزع السلاح الشامل" إلى "مقايضتها" بترتيبات أكثر محدودية أو مجزأة على مراحل.
وأوضح أن بعض المقترحات بحثت الاكتفاء بتقييد الأسلحة الثقيلة والقدرات الصاروخية بعيدة المدى والأنظمة الهجومية، مقابل السماح ببقاء أشكال أخرى من التسلح، غير أنه استدرك مؤكدا أن هذه الأفكار لم تتبلور بعد في إطار قانوني ملزم.
من زاوية أخرى، تناول أمجد سلفيتي، المحامي الفلسطيني البريطاني المتخصص في حقوق الإنسان والقانون الدولي، المسألة من منظور مختلف؛ حيث حذر من أن ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح يهدد بالضغط على المدنيين بدلا من الجماعات المسلحة، وقد يتعارض مع المبادئ الإنسانية الأساسية.
وصرح سلفيتي لـ "ذا ميديا لاين" قائلا: "إن الميزة الأساسية في هذا المقترح هي اشتراط مساعدات إعادة الإعمار بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية"، واستدرك: "يجب أن تستند الإغاثة الإنسانية إلى الضرورة والحياد، ولا يجوز ربطها بتنازلات سياسية أو عسكرية".
وقال سلفيتي: إن مثل هذه المقترحات قد تخلق ظروفا قسرية بجعل الحصول على السكن والرعاية الصحية والبنية التحتية مشروطا بالامتثال للمطالب الأمنية.
وتُشير هذه الاعتراضات مجتمعة إلى أنه، حتى لو كان نزع السلاح ممكنا سياسيا، فإن الآليات قيد النقاش حاليا قد تواجه تحديات قانونية جسيمة.
وقد أدى ذلك إلى انقسام في الاستجابة الدولية؛ فبينما تقود الولايات المتحدة المبادرة الحالية، أبدت الدول الأوروبية والمؤسسات متعددة الأطراف حذرا حيال التداعيات القانونية وافتقار المبادرة لإطار دولي واضح المعالم.
وبالنسبة لسكان غزة المدنيين الذين يبلغ عددهم نحو مليوني نسمة ويعانون ظروفا إنسانية قاسية، فإن العواقب تبدو فورية؛ إذ إن ملفات الإعمار والحوكمة والأمن هي ما يشكل تفاصيل حياتهم اليومية، وفق التقرير.
وختم الموقع بالقول: "في هذه المرحلة، يبقى نزع سلاح حماس هدفا دبلوماسيا يفتقر إلى مسار عملي للتنفيذ، ومع غياب إطار واضح للإعمار أو الحكم، يظل المدنيون في غزة بانتظار إجابات، بينما تستمر الأزمات الإقليمية في جذب انتباه العالم بعيدا عنهم".
















