مع إغلاق مضيق هرمز.. هل يصبح القوقاز طريقا تجاريا رئيسا بين الشرق والغرب؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

رغم وقف إطلاق النار الهش بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تشير بيانات تتبع حركة السفن إلى استمرار تعطل الملاحة بشكل كبير في مضيق هرمز؛ إذ لا يزال عدد السفن العابرة أقل بكثير من المستويات المسجلة قبل اندلاع الحرب.

في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز منطقة جنوب القوقاز كمحور لتعزيز تنويع مسارات النقل، إذ اكتسب "الممر الدولي العابر لبحر قزوين"، المعروف بـ"الممر الأوسط"، أهمية إستراتيجية متزايدة.

يمتد هذا المسار عبر جنوب القوقاز بين روسيا وإيران، ثم يعبر بحر قزوين وصولا إلى آسيا الوسطى. ورغم جذوره التاريخية، أشار موقع "دويتش فيله" إلى أنه استعاد خلال السنوات الأخيرة زخما كبيرا، مستقطبا مزيدا من الاهتمام والاستثمارات.

وبحسب الموقع الألماني، لم يعد هذا الممر خلال الفترة الماضية مجرد طريق عبور تجاري، بل تحول أيضا إلى ممر إنساني. فمع إغلاق مطارات في المنطقة مؤقتا بسبب هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، وتجنب الطيران المدني المجال الجوي الإيراني، برز دور الدول المجاورة بشكل حاسم.

إذ أسهمت كل من أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان، وهي دول حدودية مع إيران ومرتبطة بهذا الممر، في عمليات إجلاء الرعايا الأجانب.

بديل إستراتيجي 

في الساعات الأولى التي أعقبت انطلاق الهجمات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، شهدت حركة الملاحة الجوية في المسارات التقليدية المزدحمة بين الشرق والغرب انحسارا ملحوظا؛ حيث تركزت الحركة في ممر جوي ضيق فوق منطقة جنوب القوقاز.

ووفق الموقع، فإن "هذا التحول الجوي ليس إلا انعكاسا لتوجه ملموس على أرض الواقع؛ فقد تحولت المنطقة في السنوات الأخيرة إلى حلقة وصل جوهرية".

ووفقا له، فإن "هذا التطور في المجال الجوي يعكس اتجاها قائما منذ فترة على الأرض، ففي السنوات الأخيرة، تحولت المنطقة إلى حلقة وصل مهمة، حيث يربط "الممر الأوسط"، أوروبا بالصين عبر آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، متجاوزا إيران وروسيا".

وأكد الموقع أن الصراع في الشرق الأوسط، "أبرز أهمية هذا الممر، فمع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط والغاز الطبيعي المسال المتداول عالميا، تسببت إيران في اضطراب إمدادات الطاقة العالمية".

في هذا السياق، قال ريتشارد جيراغوسيان، مدير مركز الدراسات الإقليمية في يريفان الأرمينية: "تحمل هذه الأزمة فرصا للمنطقة أيضا، فالممر الأوسط هو الآن الطريق الوحيد المتبقي، والمسار القابل للتطبيق للتجارة والنقل".

إلى جانب ذلك، تتعرض أيضا طرق شحن مهمة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، والتي يمر عبرها نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، لانقطاعات متكررة بسبب هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران في اليمن".

أما الطريق البديل عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، فيطيل الرحلة من آسيا إلى أوروبا بأكثر من عشرة أيام.

وعليه، "يمثل الممر الأوسط أقصر اتصال جغرافي بين أوروبا والصين، حيث يفترض أن ينقل البضائع الصينية، إلى جانب المعادن الحيوية ومنتجات الطاقة من آسيا الوسطى، إلى أوروبا".

وقد تعهد كل من الاتحاد الأوروبي والصين بالفعل بضخ مليارات الدولارات لتطوير الموانئ وخطوط السكك الحديدية والطرق على طول هذا المسار.

ومنذ عام 2022، وهو العام الذي غزت فيه روسيا أوكرانيا، تضاعف حجم الشحن عبر هذا الممر أربع مرات. 

ورغم أن هذه الطريق لا تيزال ينقل جزءا محدودا من حجم التجارة بين أوروبا وآسيا، يتوقع البنك الدولي أن يصل حجم النقل إلى 11 مليون طن بحلول عام 2030.

ومع ذلك، حتى في غياب الصراع الحالي، رجح الموقع أن "يواصل هذا الممر تطوره في السنوات المقبلة".

ويتفق مع هذا الرأي، كورنيلي كاكاشيا، أستاذ العلوم السياسية في تبليسي: "على المدى المتوسط والطويل، سيتحول جنوب القوقاز، عبر الممر الأوسط، إلى أحد المسارات الرئيسة التي تربط الاتحاد الأوروبي بالصين إلى جانب الطرق البحرية". 

"هو ما من شأنه أن يعزز دور جورجيا وأذربيجان وأرمينيا كدول عبور رئيسة"، وفق الموقع.

علاوة على ذلك، لفت الموقع إلى أنه "يمكن لأذربيجان الغنية بالطاقة أن تستفيد على المدى القصير من الصراع مع إيران، إذ إن ارتفاع أسعار النفط سيحقق لها عائدات تصدير إضافية قد تتراوح بين 500 و600 مليون دولار شهريا، وفقا لتقديرات الخبراء".

وأوضح حكمت حاجييف، كبير مستشاري السياسة الخارجية للرئيس إلهام علييف، في تصريح لـ"يورونيوز"، أن أذربيجان ستزيد من إمداداتها من الغاز الطبيعي لتعويض النقص القادم من منطقة الخليج خلال فترة الصراع.

وفي الوقت الراهن، تستورد أوروبا نحو 4 بالمئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من أذربيجان، أي ما يعادل حوالي 12.8 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 20 مليار متر مكعب بحلول عام 2027.

ممر ترامب

إلى جانب الممر الأوسط، ذكر الموقع الألماني أن "استمرار الصراع لفترة طويلة يهدد أحد أبرز مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالممر الأوسط، والمتمثل في إنشاء ممر جديد يحمل اسم (طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي)".

تم الاتفاق على هذا المشروع في أغسطس/ آب 2025 ضمن خطة سلام توسط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين أرمينيا وأذربيجان. 

ويقضي بإنشاء ممر بري وسككي بطول 43 كيلومترا عبر الأراضي الأرمينية، يربط أذربيجان بإقليمها المنفصل ناخيتشيفان، وصولا إلى تركيا.

وعقب الموقع: "على مدى عقود، ظلت الحدود بين أرمينيا وأذربيجان مغلقة بسبب النزاع حول ناغورنو كاراباخ، ومن شأن مشروع "ممر ترامب" عبر فتح هذه الحدود، أن يخلق ممرا لوجستيا جديدا موازيا للمسارات القائمة عبر أذربيجان وجورجيا".

وتابع: "ترى الولايات المتحدة في هذا الممر طريقا لنقل المعادن الحيوية، وتدعم المشروع بقوة، إذ من المقرر أن يتولى تنفيذه وتشغيله اتحاد تقوده واشنطن".

واستدرك: "غير أن مسار هذا الممر بمحاذاة الحدود الأرمينية مع إيران يثير شكوك طهران تجاه الدور الأميركي، فقد ذهب أحد مستشاري المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في صيف 2025 ، إلى وصف هذا الطريق بأنه سيكون (مقبرة مرتزقة دونالد ترامب)".

ومع ذلك، يرى ريتشارد جيراغوسيان أنه لا ينبغي المبالغة في مثل هذه التصريحات، مشيرا إلى أنه "من الناحية العسكرية لا توجد أهداف واضحة حتى الآن، خاصة أن أعمال البناء في المشروع لن تبدأ قبل النصف الثاني من عام 2026"، أما الموقع فرجح أن "يتأجل التنفيذ إلى أجل غير مسمى".

بصورة عامة، "تؤكد مشاريع البنية التحتية الجديدة تزايد أهمية المنطقة، إذ يهدف ممر ترامب إلى ربط أذربيجان عبر ناخيتشيفان بتركيا وأوروبا، بما يسمح بنقل الطاقة والمواد الخام والسلع التجارية عبر مسار يتجاوز روسيا وإيران".

وأضاف الموقع أن "المشروع لا يقتصر على كونه رابطا إقليميا، بل يمثل حلقة أساسية لاستكمال الممر الأوسط، كما يضمن لتركيا وصولا مباشرا إلى منطقة بحر قزوين".

"وبذلك، قد تحصل الولايات المتحدة على منفذ مباشر إلى أسواق وموارد آسيا الوسطى، في حين يمكن أن يجذب المشروع استثمارات إضافية من الغرب والعالم التركي، ويحد نسبيا من نفوذ روسيا، ويعزز قدرة الممر بأكمله على الصمود في وجه الاضطرابات السياسية والاقتصادية"، بحسب الموقع.

في المحصلة، يؤكد الموقع على أن "مسار السلام بين أرمينيا وأذربيجان لا يعتمد حصرا على الولايات المتحدة، إذ تتيح الأهمية المتزايدة للممر الأوسط لكلا البلدين فرصة دفع مشاريع الربط والتكامل بشكل ثنائي".

موقع محوري

في خضم هذه التطورات، تبرز أذربيجان بوصفها "محور هذه التطورات،  فبصفتها الدولة الوحيدة التي تحد كلا من روسيا وإيران، تحتل موقعا محوريا في مسارات التجارة المحتملة بين أوروبا وآسيا التي تتجاوز نفوذ موسكو وطهران".

وتابع الموقع الألماني: "تؤدي باكو بالفعل دور عقدة عبور رئيسة لنقل الطاقة من منطقة بحر قزوين، ومن خلال خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، يصل النفط القادم من كازاخستان إلى الأسواق العالمية".

بل وتوقع الموقع أنه "في المستقبل، يمكن أيضا نقل الغاز من تركمانستان عبر اتصال عابر لبحر قزوين ومن خلال الممر الجنوبي للغاز إلى أوروبا، وهي خطوة من شأنها أن تقلل بشكل كبير من اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية".

ومع ذلك، لا يخلو هذا الصراع من تداعيات سلبية على الاقتصاد، إذ يقول كورنيلي كاكاشيا: "لكي ينجح الممر الأوسط، يجب أن تسود ظروف مستقرة تمتد من الصين إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى طول منطقة جنوب القوقاز بأكملها".

ويبرز هنا موقف جورجيا وأرمينيا وأذربيجان من الصراع في إيران، وقال الموقع: "رغم تبني باكو موقف الحياد، إلا إن مسؤولين في النظام الإيراني يوجهون منذ فترة طويلة انتقادات إلى أذربيجان بسبب علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع إسرائيل".

"ففي عام 2025، حصلت إسرائيل على 46.4 بالمئة من وارداتها النفطية عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان من أذربيجان، وفي المقابل، يأتي الجزء الأكبر من المعدات العسكرية الأذربيجانية من إسرائيل"، بحسب ما ذكره الموقع.

ويشرح محمد محمدوف، من مركز "توبتشوباشوف" البحثي في العاصمة الأذربيجانية باكو: "لطالما عدت إيران العلاقات المتنامية بين أذربيجان وإسرائيل تهديدا". 

ويضيف: "في المقابل، شهدت العلاقات بين أذربيجان وإيران أيضا تقاربا في السنوات الأخيرة، حيث حاول الطرفان الفصل بين مجالات التعاون المختلفة".

وأردف الموقع: "تركز التعاون بين البلدين بشكل أساسي على إنشاء ممر تجاري يربط إيران بروسيا".

واستدرك: "غير أن هذا التوازن تعرض لاهتزاز شديد عندما سقطت أربع طائرات مسيرة إيرانية، في 5 مارس/ آذار 2026، داخل مطار في إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني، كما تحدث مسؤولون عن محاولات تخريب تقف وراءها الحرس الثوري الإيراني، استهدفت، بحسب هذه التصريحات، خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، إضافة إلى السفارة الإسرائيلية في أذربيجان".

ومضى يقول: "غير هذا التوازن تعرض لهزة قوية عندما سقطت أربع طائرات مسيرة إيرانية، في 5 مارس/ آذار 2026، داخل مطار في إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني".

"كما أشار مسؤولون إلى محاولات تخريب نُسبت إلى الحرس الثوري الإيراني، استهدفت، وفقا لهذه التصريحات، خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، إلى جانب السفارة الإسرائيلية في أذربيجان"، وفق المقال.

ووصف الرئيس إلهام علييف الهجوم بأنه "عمل إرهابي"، في حين لوح مسؤولون حكوميون آخرون برد انتقامي، كما علقت أذربيجان مؤقتا حركة نقل البضائع القادمة من إيران.

وتابع الموقع: "ورغم أن اتصالا هاتفيا مباشرا بين رئيسي البلدين أسهم في احتواء التصعيد، فإن الحادثة، بحسب محمدوف، "خلقت حالة كبيرة من عدم اليقين"، حتى مع عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي".

وأشار المقال إلى أنه "على الرغم من هذه التوترات، تبعث باكو في الوقت ذاته رسائل تهدئة".

واستطرد: "فبعد أيام قليلة من الهجوم بالطائرات المسيرة، قدمت أذربيجان نحو 30 طنا من المساعدات الإنسانية لإيران، شملت مواد غذائية ومياه صالحة للشرب وإمدادات طبية".

ونوه إلى أن "هذه المساعدات جاءت عقب اتصال هاتفي بين الرئيس إلهام علييف والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، نفت خلاله طهران أي مسؤولية عن الهجوم".

وفي الوقت نفسه، رفعت باكو بعض القيود على الحدود، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن أي هجمات على إيران.

وبحسب تقدير الموقع، "تعكس هذه الإستراتيجية المزدوجة، التي تجمع بين الردع والتعاون، محاولة أذربيجان تجنب مزيد من التصعيد والحفاظ على توازن دقيق في بيئة إقليمية شديدة الحساسية".

إلى جانب دورها كدولة عبور، تتسم العلاقات الأذربيجانية الإيرانية أيضا ببعد عرقي"، يقول الموقع.

ويتابع: "يشكل الأذربيجانيون أكبر أقلية في إيران، وهم مندمجون بعمق في بنيتها السياسية والاقتصادية، ويشغلون مناصب هامة في المؤسسة الدينية والجيش والإدارة، ويد مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد لإيران، منتميا أيضاً إلى هذه المجموعة العرقية.

وفي ضوء ذلك، يؤكد المقال على أن "أي سيناريو لتفكك الدولة الإيرانية يمثل خطرا كبيرا على أذربيجان، رغم ما قد يحمله من مكاسب قصيرة المدى".

وعزا ذلك قائلا: "فإضعاف إيران قد يمنح باكو هامشا أوسع للحركة ويعزز نفوذها ونفوذ تركيا، لكنه في المقابل قد يثير توقعات يصعب التحكم بها لدى الأذربيجانيين داخل إيران".

وأردف: "وعلى المدى الطويل، تبدو المخاطر أكبر بوضوح، فالقرب الثقافي لا يعني بالضرورة توافقا سياسيا أو اجتماعيا، كما أن عدم الاستقرار في إيران قد يخلق توقعات لا تستطيع باكو تلبيتها".

فضلا عن أن "أي تدخل، سواء كان فعليا أو متصورا، قد يؤدي إلى ردود فعل مضادة ويزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي".

في هذا السياق، يشدد المقال على أنه "يتعين على أذربيجان تعزيز أمن حدودها ، دون الإخلال بالتوازن بين طموحاتها الوطنية ونهجها البراغماتي الإستراتيجي".

أما في حال "وصول تيار متشدد أو المؤسسة العسكرية إلى السلطة في إيران"، فقال الموقع: "حتى وإن كان هذا السيناريو غير مرغوب فيه سياسياً، فإنه سيخلق قدراً من القدرة على التنبؤ بالنسبة لباكو".

وبحسب تقديره، فإنه "في هذه الحالة، يمكن لأذربيجان مواصلة تطوير مشاريعها في البنية التحتية بشكل تدريجي، وتعميق تعاونها مع تركيا، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة".

ومع ذلك، يشدد على أن "انعدام الثقة من جانب طهران سيظل قائما، لا سيما في ظل العلاقات الوثيقة بين أذربيجان وإسرائيل، التي تنظر إليها إيران بصفتها تهديدا لأمنها".

بشكل عام، يرى المقال أن ظروف الحرب في الشرق الأوسط "أتاحت لجنوب القوقاز فرصة التحول من ساحة تنافس جيوسياسي إلى فاعل إستراتيجي مستقل، بوصفه منطقة تسهم بشكل نشط في تشكيل إحدى أهم نقاط الربط بين أوروبا وآسيا".