أميركا وإسرائيل.. تحالف جديد ينهي عصر الناتو ويغير خارطة الغرب؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يتصاعد الجدل حول مستقبل التحالف الغربي في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع تماسكه وفقدانه القدرة على الاستمرار بالصيغة التقليدية، ما يفتح المجال أمام تصورات لبدائل قيد التشكل.

ورأى الكاتب الإسرائيلي أموتز آسا-إيل، كبير المحررين السابق في صحيفة "جيروزاليم بوست"، أن التحالف الغربي فقد بوصلته وقائده ووقوده للاستمرار، وبما أنه بات في حكم الميت دماغيا فلا بد أن يخلفه تحالف جديد.

وضرب مثلا بما كتبه الرئيس الأميركي الأسبق، دوايت أيزنهاور، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون، حين قال له: "أحثّك على الانصياع"، وهي صياغة دبلوماسية لما كان دونالد ترامب سيُعبّر عنه بشيء من قبيل: "افعل ما أقول وإلا عرّيتك وفضحتك على الملأ".

الواقع الدولي

وأوضح آسا-إيل، في مقال نشرته "جيروزاليم بوست"، أن ذلك كان في نوفمبر/تشرين الثاني 1956، حين أمر أيزنهاور الدولة اليهودية بالانسحاب من صحراء سيناء في أعقاب حملة سيناء التي شُنّت الشهر السابق.

ولم يكن مهما أن الحرب أوقعت ديمقراطية محاصرة في مواجهة معتدٍ ديكتاتوري -وفق وصفه- بل المهم كان النظام العالمي السوفيتي-الأميركي الذي زعزعته الحرب.

وأضاف أن أيزنهاور أجبر إسرائيل على الانسحاب، بينما وقف متفرجا على موسكو وهي تُجهز على الثوار الهنغاريين الذين انتفضوا في تلك الأيام بالذات مطالبين بالديمقراطية، ومعلنين نيتهم الانضمام إلى الناتو والتحوّل من الشرق إلى الغرب.

وكانت إسرائيل هامشية في ذلك التشكّل الكوني، وهذا ما انعكس على معاملتها، في وقت فرضت فيه أميركا زعامتها حتى على بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا قد قاتلتا جنبا إلى جنب مع الجيش الإسرائيلي في حملة سيناء (العدوان الثلاثي عام 1956).

وتابع أن ذلك كله كان جزءا من النظام الذي أُرسيت قواعده عقب الحرب مع تأسيس حلف الناتو قبل 77 عاما، وامتد في واقع الأمر ليشمل فعليا دولا من خارج الحلف كأستراليا واليابان.

وقال آسا-إيل: “أما الآن، فالتحالف الغربي والمخاوف التي أفرزته والواقع الدولي الذي صاغه، كلها باتت من الماضي، وهذا تحوّل تاريخي كشفته حرب إيران مهما تكن نهايتها”.

وتساءل: “ما الذي كان عليه هذا التحالف في جوهره، وما الذي ينبغي أن يخلفه؟”.

تحالف جديد

وذكر آسا-إيل أن “المسافة شاسعة بين معاملة أيزنهاور الفوقية لـ“بن غوريون” وما آلت إليه الأمور اليوم، فالتعاون الأميركي-الإسرائيلي في مواجهة إيران واضح للعيان، فهو وثيق ومكثف”.

ونقل عن كاتب العمود في "نيويورك تايمز"، بريت ستيفنس، قوله إن هذه ربما المرة الأولى منذ 1945 التي تمتلك فيها الولايات المتحدة "شريكا ندا تتقاسم معه أعباء الحرب".

وأردف آسا-إيل أن "هذا التلاحم الأميركي الإسرائيلي جسّد ما يعنيه مفهوم التحالف في جوهره، وهو نضال مشترك من أجل قضية مشتركة، هي ذاتها التي أرشدت التحالف الغربي منذ نشأته: عالم حر وغرب آمن".

واستدرك بأن “الحلفاء لا يُشترط فيهم الانخراط المباشر في حروب بعضهم، لكن الحد الأدنى هو الدعم المعنوي”.

وفي حرب إيران تحديدا، "كان الموقف الغربي يبدو بديهيا، ويتمثل في وقف نظام ذبح شعبه وأقسم على تدمير دولة أخرى ونشر الإرهاب في أرجاء العالم وراكم علنا اليورانيوم والصواريخ والمسيّرات"، بحسب مزاعم الكاتب الإسرائيلي.

واستطرد: بيد أن الحلفاء أبوا مشاركة واشنطن هذه القضية؛ ففي لندن رفض رئيس الوزراء كير ستارمر طلبا أميركيا للانضمام إلى الحرب، وفي برلين قال وزير الدفاع بوريس بيستوريوس "هذه ليست حربنا"، وفي مدريد وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الحرب بأنها "غير مشروعة".

والأدهى، وفق آسا-إيل، أن “هؤلاء الحلفاء المزعومين رفضوا حتى مساعدة واشنطن في إعادة فتح مضيق هرمز، وهي قضية لا صلة لها بالتدخل في شؤون دولة أخرى، بل هي دفاع عن الغرب نفسه في مواجهة من احتجز الاقتصاد العالمي رهينةً وصوّب مسدسه نحو رأسه”.

وتساءل: “ماذا حلّ إذن بالتحالف الذي كان يُعرَّف به العالم الحر؟”

نهاية حقبة

وأوضح آسا-إيل أن “المؤرخين سيتجادلون في أسباب انهيار التحالف الغربي؛ فمنهم من سيُحمّل المسؤولية للحماقة الأميركية ومنهم من سيُلقيها على الاستغلال الأوروبي، وسيُركّز بعضهم على دور الشخصيات فيما سيُشير آخرون إلى الأحداث التاريخية. وسيكون الجميع على حق”.

وذكر أن وصف جيش دولة حليفة كبرى كبريطانيا بالجبن ووصف سفنها بأنها "ألعاب" كما فعل ترامب، أو القول عن رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إن "زوجته تعامله معاملة سيئة جدا"، ليس هذا أسلوب التعامل مع الحلفاء، ناهيك عن محاولة انتزاع غرينلاند من الدنمارك أو الاقتراح بابتلاع كندا.

وأضاف آسا-إيل أن الدول الأوروبية أنفقت جزءا ضئيلا مما أنفقته الولايات المتحدة على الدفاع عقودا طويلة.

وتابع: “حتى اليوم، بعد أن رفعت الحكومات الأوروبية إنفاقها الدفاعي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، لا تزال بريطانيا وفرنسا وألمانيا تُنفق أقل من 2.5 بالمئة من ناتجها المحلي على الدفاع، وتنفق إسبانيا وإيطاليا أقل من 2 بالمئة، مقابل 3.1 بالمئة للولايات المتحدة”.

غير أن الكاتب استدرك بأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في هذه الحسابات ولا في خطاب ترامب، بل في انقضاء حقبة، الحقبة التي أفرزت التحالف الغربي.

وأشار إلى أن القادة الأوروبيين لا يرون اليوم في إيران الخمينية عدوا لأوروبا، فيما لا يرى ترامب في روسيا بوتين -العدو الجديد لأوروبا- عدوا لأميركا. 

وخلص إلى أن “التحالف الغربي فقد بوصلته وقائده ودافعه، وبما أنه بات في حكم الميت دماغيا فلا بد أن يخلفه تحالف جديد”.

وقال آسا-إيل إن “التحالف الجديد لن يُؤسّسه الزعيم الأميركي الحالي، إذ يستلزم هذا المشروع قدرا من القناعة والرؤية والإلهام والتركيز لا يمتلكه ترامب”.

لكنه أكد أن “التحالف الجديد سيظهر رغم ذلك، وسيضم كل من يؤمن بالحرية والتسامح والتجارة الحرة ويستعد للقتال من أجلها. وسيقوم على طبقتين: سياسية واقتصادية”.

وأوضح أن “الطبقة السياسية ستواجه من يسعون إلى إخضاع البشرية، كما فعل القادة الشيوعيون في الماضي”.

ولفت إلى أنه “سيُحجم كثيرون عن الانضمام إليه، إما لامبالاة أو جبنا، أما الطبقة الأخرى فستضم كل دولة تعتمد على أعالي البحار”.

وختم آسا-إيل بالقول إن “هؤلاء الحلفاء لن يُقدّموا تعهدات ميزانية ولن يُرابطوا بقواتهم في أراضي بعضهم، لكنهم سيُعلنون معا أن حرية الملاحة مقدّسة، وأن من يعترضها يُعلن الحرب على بقية البشرية ويغدو هدفا مشروعا لها”.