بين الدمار والقدرة على التعافي.. ماذا ينتظر البرنامج النووي الإيراني؟

"إعادة تشغيل التخصيب تمثل إشكالية متعددة الأبعاد"
قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتي استمرت نحو 40 يوما من المواجهات التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026، كانت لدى طهران عدة مجمعات من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم.
ورغم أن العديد من هذه المنشآت تعرض لأضرار جسيمة لا يمكن إصلاحها خلال الهجمات العسكرية، فإن بعض المرافق بقيت سليمة أو يمكن إعادة تشغيلها خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، وفق تقرير لموقع "تيليوبوليس" الألماني.
وحذر خبراء من أن إعادة تفعيل البنية التحتية الخاصة بالتخصيب قد تستغرق من عدة أشهر إلى بضع سنوات، وذلك اعتمادا على كمية اليورانيوم المتاحة، وعدد أجهزة الطرد المركزي العاملة، إضافة إلى مستوى الرقابة الدولية التي تمارسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في هذا السياق، يرى الموقع الألماني أن إيران "قد تعود إلى تخصيب اليورانيوم مجددا بعد انتهاء الحرب، غير أن السؤال المطروح هو ما إذا كانت ستتمسك بهذا المسار، وما إذا كانت ستسمح بعمليات التفتيش الدولية".

زمن الاختراق
واستهل الموقع حديثه قائلا: "في أعقاب التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، برزت مسألة محورية تتعلق بمدى سرعة تمكن إيران من استعادة قدراتها على تخصيب اليورانيوم، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات وانعكاسات على الأمن الإقليمي والدولي".
ولإنتاج قنبلة نووية جاهزة للاستخدام، يلزم تخصيب اليورانيوم إلى نسبة تقارب 90 بالمئة، علما بأن إيران كانت قد نجحت بالفعل، قبل الحرب بوقت طويل، في تخصيب اليورانيوم إلى مستوى يقارب 60 بالمئة، بحسب التقرير.
ووفقا له، "فإن هذا يجعل الوصول إلى نسبة 90 بالمئة أسهل بكثير مقارنة بالحالة التي يتعين فيها المرور بكامل سلسلة الإنتاج بدءا من اليورانيوم الطبيعي وصولا إلى المواد الصالحة للاستخدام العسكري".
وبعبارة أخرى، "فإن (زمن الاختراق) المحتمل لإنتاج مواد صالحة للاستخدام العسكري قد يكون قصيرا نسبيا بمجرد إعادة تشغيل المنشآت".
علاوة على ذلك، "تمتلك إيران شبكة واسعة ومترابطة من الخبراء، إلى جانب احتياطيات من المواد، ومعرفة تقنية متقدمة، وهو ما يمكن أن يسرع بشكل كبير من عملية إعادة التفعيل".
ومع ذلك، أكد التقرير أن "المسألة الحاسمة تظل غير محسومة، وتكمن في القرار السياسي الداخلي بشأن ما إذا كانت هذه البنية التحتية ستُستخدم مجددا أم لا".
ورغم هذه القدرات التنظيمية، شدد التقرير على أن "تخصيب اليورانيوم وحده لا يعني بالضرورة امتلاك سلاح نووي".
وعزا ذلك قائلا: "إذ يتطلب ذلك عمليات إضافية، مثل تصميم رأس نووي قابل للتفجير، وتطوير وسائل إيصال فعالة".
هشاشة بنيوية
وأشار الموقع إلى تصريح منسقة الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة، تولسي غابارد، أخيرا، بأن إيران لا تمثل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة.
وعقّب التقرير: "يعد هذا التصريح ذا أهمية كبيرة في التحليل، إذ يسلط الضوء على اختلاف تصورات التهديد؛ فبينما تشدد وسائل الإعلام والحكومات الغربية على اقتراب إيران من عتبة القدرة النووية، تميل غابارد إلى التقليل من هذا الطرح، مقدرة أن التهديد ذو طابع إقليمي أكثر منه عالميا".
ووفقا لتقديره، "يؤدي هذا التداخل المعقد بين الإمكانات التقنية، والنوايا السياسية، والتصورات الدولية، إلى خلق حالة من الهشاشة البنيوية في هذا الملف".
بالإضافة إلى ذلك، يرى التقرير أن "النهج الإيراني، الذي يبدو أحيانا متناقضا، والمتشابك مع الضغوط الدولية والمصالح الأمنية الإقليمية، يضيف مزيدا من التعقيد إلى المشهد".
وتطرق الموقع الألماني إلى دور الرقابة الدولية في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، قائلا: "تتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ سنوات مراقبة أنشطة تخصيب اليورانيوم في إيران بشكل مستمر، في محاولة لضمان قدر أكبر من الشفافية بشأن الكميات الفعلية التي تمتلكها طهران".
في هذا الصدد، توقع أنه "مع انتهاء الحرب الحالية، ستزداد أهمية هذه الرقابة الدقيقة، من أجل تقييم جهود إعادة بناء القدرات النووية والحد من المخاطر في الوقت المناسب".
"كما يمكن للأدوات الدبلوماسية، مثل اتفاقيات صارمة للحد من التسلح، وحقوق تفتيش موسعة، أو تسويات تفاوضية بشأن القيود النووية، أن تؤدي دورا محوريا في منع حدوث (اختراق) سريع نحو إنتاج مواد نووية عسكرية"، وفق تقديره.
ومن ثم، أكد أنه "حتى إذا ظل المسار التقني لإعادة استئناف تخصيب اليورانيوم متاحا، فإن تنفيذ ذلك فعليا يمكن أن يتأخر بشكل كبير، أو حتى يُمنع تماما، من خلال تدابير توافقية فعالة".

معادلة الردع
من منظور الأمن الإقليمي الدولي، نوه الموقع الألماني إلى أن "اقتراب إيران من عتبة القدرة النووية يشكل، حتى دون امتلاك قنبلة نووية فعلية، آلية ردع محسوبة بحد ذاتها".
فبحسب وجهة نظره، "تؤثر الدول التي قد تتمكن خلال أشهر قليلة من إنتاج مواد صالحة للاستخدام العسكري بشكل مباشر في معادلات الردع، والتخطيط العسكري، ومسارات التفاوض، حتى من دون اللجوء إلى استخدام فعلي لهذه القدرات".
ووفقا له، "تكمن المعضلة الأساسية في أن الإمكانات التقنية والإرادة السياسية والمجتمعية وآليات الرقابة الدولية، لا تعمل بشكل متزامن أو متناغم".
ونتيجة لذلك، أشار إلى "هيمنة حالة من عدم الاستقرار الإستراتيجي على القرارات العسكرية ومنطق الردع، فضلا عن الخيارات التي تتسم بالحذر والتروي".
في المحصلة، "تشير حدة الجدل الدائر إلى أن إيران قد تكون قادرة تقنيا على استئناف تخصيب اليورانيوم، غير أن القرار النهائي بهذا الشأن لم يُحسم بعد، إذ يتأثر بعوامل معقدة تشمل التقديرات الدينية، والتوازنات الداخلية، والبيئة الإقليمية".
وفي هذا الإطار، يرى الموقع أنه "يتعين على المجتمع الدولي الموازنة بين السياسات الوقائية، والضغوط الدبلوماسية الصارمة، وآليات الرقابة الشفافة، من أجل الحفاظ على توازن مستدام يجمع بين الاستقرار الإقليمي والقدرة على الاستباق".
واختتم بالقول: "وعليه، فإن مسألة ما إذا كانت إيران ستتمكن من إعادة تشغيل منشآت تخصيب اليورانيوم بشكل كامل بعد الحرب لا تعد مجرد قضية تقنية بحتة، بل تمثل إشكالية شاملة ذات أبعاد متعددة، سيكون لحلها أثر حاسم في استقرار الشرق الأوسط".


















