بين الشعارات والواقع.. هكذا يوظف حزب الشعب الجمهوري التركي قضايا المرأة سياسيا

منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

الخطاب السياسي والإعلامي المتعلق بمواقف حزب "الشعب الجمهوري" المعارض في تركيا تجاه قضايا المرأة يثير جدلا واسعا، خاصة عندما تُقارن الشعارات المعلنة بالممارسات السياسية على أرض الواقع،

ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتبة عائشة كيشير، قالت فيه: “نجد أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب المعلن للحزب حول حقوق المرأة والعدالة والمساواة، وبين سلوك بعض قياداته وممثليه في حالات محددة، كانت قد أُثيرت إعلاميا وقضائيا”.

الواقع العملي

وذكرت الكاتبة التركية أن "حزب الشعب الجمهوري يصف نفسه في خطابه العام على أنّه مدافع عن حقوق المرأة، ويؤكد عدد من نوابه وقياداته في خطاباتهم البرلمانية ومداخلاتهم الإعلامية على ضرورة مواجهة العنف ضد النساء وتعزيز المساواة". 

واستدركت: "إلا أن هذا الخطاب يتعرض لاختبار صعب، عند ربطه بمواقف وسلوكيات نُسبت لبعض الشخصيات الحزبية في قضايا محلية أثارت جدلا كبيرا". 

وأوضحت أن "أبرز هذه القضايا، قضية تتعلق باتهامات موجهة لرئيس بلدية تابع للحزب في غيرسون، وذلك على خلفية مزاعم تتعلق برسائل موجهة إلى فتاة قاصر واتهامات بالتحرش".

وترى كيشير أن “طريقة تعامل بعض القيادات الحزبية في المراحل الأولى من القضية لم تكن منسجمة مع الخطاب المعلن حول حماية الضحايا ودعم العدالة”. 

وأوضحت أن "أكثر الجوانب حساسية في هذه القضية هو ما أُثير من ادعاءات حول ممارسة ضغوط على عائلة الضحية لسحب الشكوى، وهي اتهامات نُسبت إلى بعض الشخصيات السياسية المحلية التابعة للحزب". 

واستند هذا الطرح إلى تصريحات أدلى بها والد الضحية؛ حيث تحدث فيها عن زيارات متكررة إلى منزل العائلة، تخللتها مطالبات مباشرة بالتراجع عن القضية.

ومن ضمن سياق القضية التي يُحاكم فيها (حسبي دِده) بتهمة التحرش، كانت الفتاة التي تقدمت بالشكوى قد فقدت حياتها لاحقا إثر تعرضها لحادث سير، وهو ما دفع النيابة إلى المطالبة بفتح تحقيق إضافي لكشف ملابسات الوفاة".

كما أشار والد الضحية في تصريحاته إلى أن عددا من الشخصيات المرتبطة بالحزب قاموا بزيارة العائلة والضغط عليها لسحب الشكوى، مضيفا أن بعض الفاعلين السياسيين لم يشاركوا لاحقا في مراسم العزاء.

وبحسب هذا الطرح، فإن هذه الوقائع تعكس تناقضا واضحا بين الخطاب العلني الذي يندد بالعنف ضد النساء، وبين ممارسات سياسية يُنظر إليها على أنها نوع من الحماية أو التغطية على شخصيات حزبية في قضايا حساسة.

ازدواجية الخطاب 

وقالت كيشير إن إحدى النقاط التي أثارت جدلا واسعا تتعلق بطريقة تناول بعض وسائل الإعلام للقضية، حيث قامت مذيعة قناة "سوزجو تي في"، أوزلم غورسيش، أثناء تقديمها للخبر، بوصف رئيس بلدية غورِله، حسبي دِده، على أنه "تابع لحزب العدالة والتنمية"، وهو توصيف غير صحيح. 

وشددت على أن "هذا الخطأ لا يمكن عده مجرد زلة عابرة، أو خطأ غير مقصود يمكن التغاضي عنه بسهولة، بل يُنظر إليه على أنه تضليل للرأي العام، خاصة في قضية حساسة تتعلق باتهامات خطيرة".

وفي سياق متصل، برزت في الأيام الأخيرة مواقف أخرى كانت قد أثارت تساؤلات مشابهة، من بينها دعم رئيسة الفرع النسائي في حزب الشعب الجمهوري، أسو كايا، لرئيس بلدية أوشاك رغم الجدل الدائر حوله. 

فقد دافعت عنه بقولها: إن "هدفه الوحيد هو الخدمة"، وهو تصريح أثار انتقادات واسعة، حيث عده البعض تبريرا غير مقنع في ظل الاتهامات المطروحة، فقد تمّ السؤال عن طبيعة هذه "الخدمة" التي يُشار إليها، خاصة في ظل الوقائع المثيرة للجدل المرتبطة بالقضية.

وترى الكاتبة بأن مثل هذه المواقف “ليست حالات فردية، بل يمكن ملاحظة نمط متكرر في الدفاع عن شخصيات حزبية، حتى في قضايا تمس قضايا حساسة مثل حقوق المرأة”. 

ومن هنا يُطرح تساؤل أوسع: هل كانت قضية المرأة فعلا محور الاهتمام، أم أنها تُستخدم أحيانا كأداة ضمن الخطاب السياسي؟ تتساءل كيشير.

وأردفت بأن "هذا الحدث لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يمتد إلى الماضي؛ فهناك عدد من المحطات التاريخية التي يُنظر إليها بصفتها أمثلة على هذا التناقض”. 

وأوضحت أنه “بعد انتخابات عام 1994، تم الترويج لخطاب حول فصل النساء والرجال في وسائل النقل، تحت شعار الدفاع عن حقوق المرأة”. 

ثم خلال فترة 28 فبراير 1997، تم اتخاذ سياسات حول الحجاب كانت قد أثّرت بشكل مباشر على تعليم الفتيات، وهو ما عد تقييدا لواحدة من أهم أدوات تحقيق تكافؤ الفرص. 

كما نالت تلك المرحلة النساء العاملات، حيث تعرض بعضهنّ لتحقيقات أو فقدان وظائفهنّ أو أُجبرن على الاستقالة.

استغلال القضايا

لكن رغم ذلك، عاد الخطاب السياسي لاحقا ليتحدث عن دعم تعليم المرأة ومشاركتها في سوق العمل، وهو ما عده منتقدون تناقضا واضحا بين الممارسة والخطاب. 

وقالت كيشير: “لا يمكن نسيان التصريحات السابقة لزعيم الحزب أوزغور أوزيل أيضا، والتي ما زالت متداولة في الأرشيف الإعلامي، حيث تساءل فيها في برنامج تلفزيوني عمّا إذا كانت النساء سيتمكنّ من قيادة السيارات بحلول عام 2023”. 

واستطردت: “ومع هذه التصريحات نرى أن الحزب يعمل على استغلال قضايا المرأة ضمن خطابه السياسي بشكلٍ متناقض مع ممارساته الواقعية”. 

في المقابل، فإن نسب مشاركة النساء في التعليم والعمل شهدت ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة في عهد حزب العدالة والتنمية، حيث بلغت نسبة الطالبات في الجامعات نحو 52 بالمئة، فيما وصلت نسبة توظيف النساء في القطاع العام إلى 43 بالمئة. 

وشددت كيشير على أن هذا التطور يُطرح في سياق المقارنة بين الخطاب السياسي والنتائج الفعلية للسياسات على أرض الواقع.

وأشارت إلى أن "قضية المرأة يتم استخدامها كأداة سياسية، أكثر من كونها قضية حقوقية خالصة في حزب الشعب الجمهوري. 

ورأت أن “الخطاب المتعلق بحقوق المرأة يتم توظيفه في إطار الصراع السياسي، سواء لتبرير مواقف أو لانتقاد الخصوم السياسيين، دون أن يكون هناك اتساق دائم بين الخطاب والممارسة”.

وبينما تؤكد الخطابات الرسمية على دعم المرأة ومناهضة العنف، تشير بعض الوقائع المثارة إعلاميا إلى وجود تناقضات في التطبيق أو الموقف السياسي عند التعامل مع قضايا حساسة تخص شخصيات حزبية.

وبالتالي، فإن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في الشعارات السياسية، بل في مدى القدرة على تحويل هذه الشعارات إلى ممارسات متسقة وعادلة، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الازدواجية في المعايير.