محور ثلاثي أم "حصان طروادة"؟ جدل حول التحالف الإسرائيلي في شرق المتوسط

"هذا المحور يحمل في طياته مخاطر إستراتيجية عميقة"
في عام 2026، يبدو أن الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط تعيد إنتاج أسطورة "حصان طروادة" بصورة معاصرة؛ حيث تبرز اليونان كـ"هدية" إسرائيلية ملغومة تستهدف اختراق بنية الأمن الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب سيرنور ياسيكايا، تحدّث فيه عن خدعة "حصان طروادة"، التي كانت في التاريخ القديم مفتاحا مكّن الآخيين من اختراق أسوار مدينة طروادة المنيعة.

التحالف الثلاثي
وقال ياسيكايا: “لم يعد التعاون القائم بين إسرائيل واليونان وجنوب قبرص مجرد تنسيق ظرفي تفرضه تطورات إقليمية عابرة، بل أخذ يتبلور تدريجيا في صورة محور إستراتيجي ذي طابع مؤسسي، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والأمنية والطاقة والاستخبارات”.
وأوضح أن “هذا التحول لا يعكس فقط تقاربا في المصالح، بل يشير إلى محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل موازين القوى في شرق البحر الأبيض المتوسط، وذلك عبر بناء شبكة تحالفات قادرة على التأثير في القرارات الكبرى داخل أوروبا”.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى هذا المثلث بوصفه قناة نفوذ غير مباشرة تسعى من خلالها إسرائيل إلى التغلغل في العمق الإستراتيجي للقارة الأوروبية، مستفيدة من عضوية اليونان وجنوب قبرص في الاتحاد الأوروبي، وارتباطهما المؤسسي أيضا بحلف شمال الأطلسي.
وأشار الكاتب التركي إلى أن “هذا التغلغل لا يتوقف عند حدود التعاون الثنائي أو حتى الثلاثي، بل يتجاوز ذلك ليخلق نقاط ضعف بنيوية داخل المنظومة الأمنية الأوروبية، وهذا من خلال إدخال فاعل خارجي مؤثر في قلب ترتيباتها الدفاعية”.
وشدد على أن “خطورة هذا المسار تكمن في أنه لا يهدد فقط استقرار شرق المتوسط، الذي يعاني أصلا من توازنات هشة وصراعات متداخلة، بل يضع أيضا وحدة أوروبا أمام اختبار حقيقي”.
واستطرد: "فبدلا من أن تتحرك الدول الأوروبية ضمن رؤية أمنية مشتركة ومستقلة، قد تجد نفسها أمام واقع يتآكل فيه مفهوم (السيادة الأمنية) تدريجيا، نتيجة تشابك المصالح وتضارب الأولويات بين أعضائها".
تمويل أوروبي
وضمن هذا الإطار، تبرز الصفقات العسكرية بين اليونان وإسرائيل كأحد أكثر مظاهر هذا التحالف إثارة للجدل.
وتأتي في مقدمتها صفقة شراء أثينا لمنظومة راجمات صواريخ إسرائيلية بقيمة 750 مليون دولار، والتي أعادت فتح نقاش واسع حول "البعد الأخلاقي" لاستخدام الموارد المالية الأوروبية.
ولفت الكاتب التركي النظر أيضا إلى أن الإشكالية هنا لا تتعلق فقط بطبيعة الصفقة أو ضرورتها الدفاعية، بل بالسياق الذي تتم فيه.
فاليونان التي استفادت لسنوات من الدعم الاقتصادي الأوروبي ومن أموال دافعي الضرائب داخل الاتحاد، تقوم بتوجيه جزء من هذه الموارد نحو دعم الصناعات الدفاعية لكيان يواجه اتهامات خطيرة على الساحة الدولية، وتتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة في مناطق مثل غزة ولبنان.
وقال ياسيكايا: إن “هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا حول انسجام السياسات الأوروبية؛ فكيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يرفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي، في حين تُستخدم موارده في دعم قدرات عسكرية لدولة مثيرة للجدل؟”
وتابع: “وهل يعكس هذا السلوك خللا في آليات الرقابة والتنسيق داخل الاتحاد، أم أنه نتيجة طبيعية لسياسات وطنية مستقلة تتقدم على الموقف الجماعي؟”
في مقابل هذا المسار تقود دول أوروبية، وعلى رأسها فرنسا، جهودا لتعزيز الاستقلال الدفاعي للقارة، وذلك من خلال مبادرات مثل "صنع في أوروبا"، بحيث تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج.
غير أن التوجه اليوناني، وفق الكاتب التركي، يبدو مناقضا تماما لهذا المسار، إذ يفتح الباب أمام تعزيز دور فاعلين خارجيين داخل السوق الدفاعية الأوروبية، وهو ما يجعل من أثينا أشبه بـ"مفتاح رئيس" يمكن من خلاله التأثير على سياسات الاتحاد من الداخل.

موازين التأثير
في البعد السياسي فإن إسرائيل التي كانت تعتمد سابقا على دعم رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان لتعطيل بعض قرارات الاتحاد الأوروبي، تسعى اليوم إلى إعادة إنتاج هذا الدور عبر رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس.
وهنا، تنظر إسرائيل إلى ميتسوتاكيس على أنّه مرشح محتمل للعب هذا الدور، وذلك في ظل تقارب مواقفه معها واستعداده لتعزيز التعاون معها على مختلف المستويات.
ولا يقتصر هذا الطموح على التأثير داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل يمتد إلى محاولة إضعاف التماسك الداخلي لحلف شمال الأطلسي. ويتم ذلك عبر خلق بيئة توتر وصراع بين أعضائه، خصوصا في الجناحين الجنوبي والشرقي؛ حيث تتقاطع المصالح وتتصاعد الخلافات.
وفي هذا السياق، تبرز دول مثل تركيا وإسبانيا وإيطاليا كأطراف رئيسة قد تتأثر بهذه الديناميكيات، سواء من خلال تصاعد التنافس الإقليمي، أو نتيجة إعادة تشكيل التحالفات داخل الحِلف.
وأضاف الكاتب أن "ما يتشكل في شرق المتوسط ليس مجرد تحالف إقليمي محدود، بل مشروع جيوسياسي أوسع، يسعى إلى إعادة رسم حدود النفوذ داخل أوروبا وحولها".
واستطرد: “بينما قد يوفر هذا المحور مكاسب تكتيكية لبعض أطرافه على المدى القصير، فإنه يحمل في طياته مخاطر إستراتيجية عميقة، تتعلق بتفكك التماسك الأوروبي، وتآكل الاستقلالية الأمنية، وتزايد احتمالات الصراع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية”.
الطفل المشاغب
وقال ياسيكايا: "لطالما استُخدم مشروع خط أنابيب (إيست ميد) كأداة سياسية أكثر منها اقتصادية، ورغم التشكيك الفني في جدواه، إلا أن الهدف الحقيقي كان محاولة عزل تركيا، واستبدالها بمحور يخدم المصالح الإسرائيلية تحت غطاء "تأمين الإمدادات".
وأضاف أنه “يمكن أن نرى أن مغامرات أثينا لا تقف عند التحالف مع إسرائيل، بل تمتد لتشمل ممارسات تضرب مصداقيتها داخل التحالف الغربي، فقد كشفت تقارير إعلامية أوروبية عن تورط (أسطول الظل) اليوناني في مساعدة روسيا على الالتفاف على العقوبات خلال حرب أوكرانيا”.
ولفت ياسيكايا إلى أن "هذا السلوك البراغماتي المتناقض يضع اليونان في خانة (الشريك غير الموثوق) الذي يبحث عن مصالحه الخاصة حتى لو تعارضت مع أمن الحلفاء".
ونبه إلى أن “جنوب قبرص، بفضل علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، تحولت إلى قاعدة عسكرية أمامية للأخيرة”.
ورأى ياسيكايا أن “فتح الموانئ والقواعد الجوية للقوات الإسرائيلية لا يزيد من عسكرة المنطقة فحسب، بل يجر الاتحاد الأوروبي (عبر عضوية قبرص) ليكون طرفا في صراعات الشرق الأوسط”.
ويرى أن “وصول الصواريخ إلى مقربة من الجزيرة خلال المواجهات الإيرانية-الإسرائيلية هو نذير خطر، يثبت أن تحالف (أثينا-تل أبيب) قد يفتح أبواب الجحيم على أوروبا”.
وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: إن ما تسميه اليونان "سياسة الدفاع" ليست سوى ارتهان لهوس قديم بمعاداة تركيا، وهو ما يدفعها للعب دور "الطفل المشاغب" الذي يختبئ خلف حصانة وهمية.
وتابع: “قد يحقّق هذا المحور (إسرائيل-اليونان-جنوب قبرص) مكاسب تكتيكية قصيرة المدى لأطرافه، لكنه على المدى الطويل يهدد بتفكيك وحدة الناتو وتعميق الانقسامات الأوروبية، الأمر الذي يستوجب قراءة المشهد من منظور جيوسياسي شامل لا يكتفي بالنظر للاتفاقيات الثنائية السطحية”.

















