كيف ضربت الصين خطوط إنتاج المجمع العسكري الأميركي وما علاقة إيران؟

"هذه المعركة أصعب مما كان متوقعا"
مع فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، يترقب الجميع مستقبل وقف إطلاق النار الهش بين الطرفين.
لا سيما في ظل الضربات الإيرانية التي استهدفت الكيان الإسرائيلي ودول الخليج، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ما تسبب في اضطرابات إقليمية وانعكاسات سلبية على الاقتصاد العالمي.
ويرى موقع "تينسنت" الصيني أنه “بينما كانت طهران تقاتل من أجل البقاء، تبدو واشنطن وكأنها تقاتل من أجل الغرور”.
مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطلق، عشية إعلان الهدنة، تصريحات حادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها: "الليلة ستنتهي الحضارة الإيرانية برمتها، ولن تعود أبداً".
ولدعم هذه التصريحات، أصدر الجيش الأميركي أوامر بنقل صواريخ "جاسم-إي آر" المجنحة بعيدة المدى من عدة مناطق حول العالم، وهي صواريخ يتجاوز مداها 960 كيلومتراً.
ويبلغ إجمالي المخزون الأميركي من هذه الصواريخ نحو 2300 صاروخ، وبعد عمليات النقل الأخيرة، قدّر أنه لم يتبقَّ سوى 425 صاروخاً لتغطية احتياجات بقية مناطق العالم.
وفي هذا السياق، أشار الموقع الصيني إلى أنه منذ انطلاق العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، بدأ مخزون الأسلحة الأميركي بالتراجع تدريجياً، حيث تعاني الذخائر من نقص حاد، في وقت لا تستطيع فيه معدلات الإنتاج مواكبة حجم الاستهلاك.
ولفت إلى أن هذا الوضع تفاقم بشكل ملحوظ بعد أن فرضت الصين، بين عامي 2023 و2025، قيوداً على تصدير معادن إستراتيجية مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والعناصر الأرضية النادرة، ما أدى إلى دخول خطوط إنتاج الصناعات العسكرية الأميركية في أزمة غير مسبوقة، وعدم قدرتها على تلبية الطلب.
فيتامينات صناعية
وفي ظل هذا الواقع، وصف الموقع التدخل العسكري الأميركي في إيران بـ "الظاهرة الصوتية التي تفتقر إلى الفعالية بسبب نقص الذخيرة وضعف القدرة الإنتاجية".
وعزا ذلك إلى "نقص الذخائر وضعف القدرة الإنتاجية، فإلى جانب التخطيط الشرائي المحافظ، واجهت واشنطن نقص في ما يُعرف بـ (الفيتامينات الصناعية)، وهي عناصر أساسية لكنها غير بارزة مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والعناصر الأرضية النادرة".
وبحسبه، "مكّن هذا التفوق الصيني في هذه الموارد الحيوية من بناء ما يشبه (خندقا إستراتيجيا) يمنح بكين، بدرجة ما، قدرة غير مباشرة على التأثير في بؤر الصراعات العالمية".
وهو ما يفسر تحذير شيام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة بالانتير، خلال مقابلة أجريت معه في الأول من أبريل/ نيسان 2026، حين قال: "إذا اندلعت حرب فعلية مع الصين، فإن مخزون الأسلحة الأميركية قد لا يكفي لأكثر من ثمانية أيام".
وتناول الموقع الصيني بشيء من التفصيل أهمية "الفيتامينات الصناعية" في الحروب الحديثة، فقال: "تُعرف معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والعناصر الأرضية النادرة بـ (الفيتامينات الصناعية)".
وأضاف أنه "رغم محدودية كمياتها المستخدمة، فإن غيابها يؤدي إلى خلل كامل في أداء الأنظمة العسكرية".
وتابع: "فالغاليوم، المستخدم أساسا في أشباه الموصلات مثل نيتريد الغاليوم وزرنيخيد الغاليوم، بمثابة (عين الرادار)".
وتابع موضحا: "إذ تعتمد عليه أنظمة متطورة مثل مقاتلات إف-35، وصواريخ باتريوت-3، ومنظومات إيجيس البحرية، وأجهزة التشويش الإلكتروني، حيث يتيح زيادة مدى الرصد وقوة الإشارة مع تقليل الحجم".
وفقا للموقع، "تشير تقديرات إلى أن كل مقاتلة إف-35 ومعداتها المرتبطة تحتاج إلى ما بين 10 و15 كيلوغراما من الغاليوم عالي النقاء".
في هذا الصدد، نوه إلى أنه "في حين أن إنتاج أميركا المحلي من الغاليوم الخام يقترب من الصفر، فإن أي انقطاع كامل للإمدادات سيؤدي لتوقف خطوط إنتاج رادارات الجيل القادم".
أما الجرمانيوم، فيُعد من أفضل المواد لنقل الأشعة تحت الحمراء، ما يجعله أساسيا في تقنيات الرؤية الليلية، أي أنه بمثابة "عين الجندي في الظلام".
ويُستخدم في صواريخ "جافلين" المضادة للدروع، وأجهزة التصوير الحراري، والعدسات البصرية للأقمار الصناعية.
وعقّب الموقع: "رغم امتلاك الولايات المتحدة بعض الاحتياطيات، فإن كلفة معالجته مرتفعة للغاية، ما يجعلها تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مع احتياطيات لا تكفي إلا لحروب قصيرة الأمد".
ويُستخدم الأنتيمون في تصنيع الذخائر، بما في ذلك الرصاص وقذائف المدفعية ومكونات إشعال الصواريخ، كما يعمل كمقو لسبائك الرصاص.
ولفت إلى أن "الذخيرة، بدونه، تفقد دقتها نتيجة ليونة المادة، كما أنه مع تصاعد وتيرة النزاعات، يرتفع استهلاك الذخائر بشكل متسارع، ما يفاقم الطلب عليها".
وتكمن معضلة أميركا أنها "تفتقر إلى مناجم محلية لهذا المعدن، وتعاني من نقص شامل فيه، لدرجة أنها بدأت دراسة إعادة تدويره من بطاريات السيارات القديمة لسد العجز"، بحسب التقرير.

“قلب النظام”
في غضون ذلك، تبرز العناصر الأرضية النادرة، بوصفها "قلب النظام"، خاصة الأتربة النادرة الثقيلة التي ترتبط بتصغير حجم الأسلحة ودقتها.
وبحسب الموقع، "تُستخدم هذه العناصر النادرة في أنظمة مثل محددات المدى الليزرية لدبابات إم1 إيه2، ومحركات الغواصات النووية من فئة (فيرجينيا)، وأنظمة التوجيه في الذخائر الذكية".
وأردف: "تتطلب عملية تصنيع طائرة إف-35 حوالي 417 كيلوغراما من المواد الأرضية النادرة، ويحتوي هيكل الطائرة نفسه على ما بين 20 و40 كيلوغراما من المغناطيسات الدائمة المصنوعة من هذه المواد؛ بينما تحتاج الغواصة النووية إلى 4 أطنان".
ولفت إلى أنه "رغم إعادة واشنطن تشغيل منجم ماونتن باس للعناصر الأرضية النادرة في كاليفورنيا، إلا أن تقنية الفصل والمعالجة لا تزال حكرا على الصين".
"بعبارة أخرى، يتعين على الولايات المتحدة شحن خامها إلى الصين للمعالجة قبل إعادته، وهو ما يُعدّ (اعتمادًا أحادي الاتجاه)"، وفق تعبيره.
في المحصلة، يؤكد الموقع الصيني أن بكين "تحتفظ بنفوذ كبير في هذه (الفيتامينات الصناعية)، إذ تُعد أكبر منتج عالمي للغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والعناصر الأرضية النادرة".
حيث تشير البيانات إلى أن إنتاجها من الغاليوم يتجاوز 90 في المائة من الإنتاج العالمي، فيما وفرت نحو 68.5 في المائة من الجرمانيوم عالميا خلال العقد الماضي، وقرابة 60 في المائة من الأنتيمون (و80 في المائة من قدرات تكريره).
"إضافة إلى نحو 70 في المائة من إمدادات العناصر الأرضية النادرة، مع تفوق واضح في تقنيات الفصل والتكلفة"، حسب التقرير.
واستطرد: "بل حتى خام الأنتيمون المُستخرج من روسيا وطاجيكستان يُنقل إلى الصين للمعالجة".
في المقابل، وبعد أن شددت الولايات المتحدة، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2022، قيودها على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، ردت بكين بسلسلة من الإجراءات المضادة، عبر فرض قيود على تصدير هذه المعادن الحيوية، في خطوة عدها الموقع "تستهدف شل قدرات واشنطن من خلال التحكم في منبع المواد الخام".
ورصد الموقع هذه الإجراءات الصينية: "ففي عام 2023، طبق نظام تراخيص التصدير على الغاليوم والجرمانيوم والعناصر الأرضية النادرة، وفي عام 2024، بدأت القيود على تصدير الأنتيمون أيضا".
وتابع: "وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أُعلن عن تعليق هذه القيود حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، مع الإبقاء في الوقت نفسه على نظام صارم من (التراخيص) للاستخدام المدني، بينما ظل الاستخدام العسكري محظورا بشكل كامل".
وأردف: "وفي مارس/ آذار 2026، شهدت أسعار الغاليوم والجرمانيوم والعناصر الأرضية النادرة ارتفاعا حادا، كما شهد الأنتيمون، بعد تراجع من مستويات مرتفعة خلال 2025، ارتدادا صعوديا في نهاية مارس/ آذار".
وبحسبه، "تراوحت نسب الارتفاع في هذه المواد بين 30 في المائة و100 في المائة".
واستطرد: "وحتى مع تفعيل الولايات المتحدة لقانون إنتاج الدفاع بشكل عاجل وضخ استثمارات في الشركات المحلية (مثل استثمار 27 مليون دولار في شركة الأنتيمون الأميركية)، فإن زيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت، ما يجعل هذه الإجراءات غير قادرة على معالجة الأزمة بشكل فوري".

تغيير النمط
من منظور تحليلي أوسع، يعتقد الموقع الصيني أنه مع "تكثيف الولايات المتحدة سياسات الحروب التجارية وفرض الرسوم الجمركية وقيود تصدير التكنولوجيا المتقدمة والرقائق خلال السنوات الأخيرة أدى إلى ظهور سلسلة من (الإجراءات المضادة المتبادلة)".
وأضاف: "فبينما تمنع واشنطن تصدير المنتجات التقنية المتقدمة النهائية، ترد الصين عبر تقييد صادرات المواد الخام الأساسية".
هذا التحول غيّر، بحسب الموقع، "نمط التنافس العسكري العالمي؛ فبعد أن كان التركيز ينصب على التقنيات المتطورة وتصاميم المختبرات، بات التنافس اليوم يتمحور حول استخراج المعادن ومعالجتها".
ومن ثم، "ففي نهاية المطاف، يمكن تصنيع المنتج النهائي طالما توفرت المادة الخام، والمسألة تتعلق فقط بالوقت، أما في حال غياب المادة الخام، فإن أرقى التقنيات لن تتمكن من (ابتكار) منتج من العدم".
ومن هذا المنطلق، يرى أن "الدولة التي تسيطر على المواد الخام والموارد وسلسلة المعالجة المتكاملة، ستمتلك الكلمة العليا في التحكم بالتكاليف وسرعة الإنتاج الضخم للأسلحة التقليدية".
وتابع: "فوجود المواد الخام في أعلى السلسلة يعني في النهاية إمكانية إنتاج المنتجات، حتى وإن اختلف التوقيت، أما في غيابها، فلا يمكن للتكنولوجيا مهما بلغت من تقدم أن تنتج السلاح "من العدم".
في المقابل، نوه التقرير إلى أن "الدول التي تفتقر إلى الموارد وسلاسل المعالجة المتكاملة، خصوصا في المعسكر الغربي، قد تضطر إما إلى تقليل استخدام أو الاستغناء عن الأسلحة التي تعتمد على هذه المواد مثل العناصر الأرضية النادرة والغاليوم، مقابل التضحية بجزء من الدقة والتخفي، من أجل إنتاج أسلحة (أقل تعقيدا) وأكثر قابلية للإنتاج الكمي".
من جانب آخر، لم يستبعد أن "تسعى هذه الدول إلى التعاون مع حلفائها لبناء سلاسل إمداد (خالية من الصين)".
وهو مسار يقدر التقرير أنه "يواجه فجوة تقنية تمتد من خمس إلى عشر سنوات، مما يجعل التوسع العسكري الغربي في وضع هش للغاية خلال هذه الفترة".
علاوة على ذلك، رجح الموقع "صعود (صناعة تدوير الأسلحة)، حيث سيصبح استخراج كميات ضئيلة من الغاليوم والأتربة النادرة من الرادارات والمحركات الخردة وسيلة لإطالة عمر آلة الحرب".
وبحسب رؤيته، فهذا "يفسر سبب قيام ترامب، فور إعلان تعليق العمليات العسكرية، إرسال وزير التجارة هوارد لوتنيك إلى الرياض وأبوظبي".
وفسر حديثه: "ففي الظاهر، يبدو أن ترامب ينسق توزيع الأدوار القتالية بين الحلفاء، لكنه في الواقع يسعى لإبرام اتفاقيات عاجلة؛ منها اتفاقية مع شركة (معادن) السعودية لتكرير الأتربة النادرة وتصنيع المغناطيس، وإطار عمل للتعاون الإستراتيجي مع الإمارات في مجال الغاليوم والأتربة النادرة"، وفق زعمه.
يُضاف إلى ذلك، أنه "قبل اندلاع الحرب، وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يلزم الولايات المتحدة وحلفاءها ببناء سلسلة توريد مستقلة عن الصين خلال 180 يوما، وإلا ستفرض عليهم رسوم عقابية".
وعليه، يعتقد الموقع أن "أميركا تبحث عن (فك ارتباط طارئ) لضمان الصمود في المعركة الحالية قبل الحديث عن بناء سلاسل توريد طويلة الأمد".
"لكن مع ذلك، يبدو أن هذه المعركة أصعب مما كان متوقعا"، يقول التقرير.
وتابع: "فبعد أربع سنوات من دعم أوكرانيا، والغارات على الحوثيين في اليمن، وتزويد إسرائيل بالسلاح خلال "حرب الاثني عشر يوما"، إضافة إلى ضربات يناير/ كانون الثاني 2026 على فنزويلا، أصبحت مخزونات الأسلحة الأميركية في وضع حرج".
ومن ثم، أقر شيام سانكار، المسؤول في شركة بالانتير، في مطلع أبريل/ نيسان 2026، بـ"الحقيقة المرة"، بقوله: "إنتاجنا من الأسلحة منخفض للغاية والنمو بطيء. نحن نخشى استخدام ما لدينا، ونخشى في الوقت ذاته من عدم القدرة على تعويض المخزون".
وذكر الموقع أنه "أمام هذا المشهد، بدأ الحلفاء في التراجع؛ ففرنسا ألغت طلبيات سلاح بمليارات الدولارات بسبب خلافات دبلوماسية، وسويسرا أوقفت سداد دفعات صواريخ باتريوت بسبب تأخر التسليم".
واختتم حديثه: "باختصار، ومع تراجع مخزون الذخائر وتقييد استخدام القوة بموجب (قانون صلاحيات الحرب) الأميركي الذي يحدد سقف العمليات العسكرية بـ60 يوما قبل بدء الانسحاب المنظم، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام وضع معقد يتمثل في ضعف المخزونات العسكرية، وتحديات الالتزامات الدفاعية العالمية، وقلق متزايد لدى شركائها الدوليين".

















