من يملك القرار في الشرق الليبي.. الأب أم الأبناء؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يكن منشور صدام حفتر، نائب قائد قوات خليفة حفتر، في 9 أبريل/نيسان 2026 الذي أعلن فيه تلقيه اتصالًا من مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مجرد خبر بروتوكولي يندرج في إطار التنسيق العسكري أو الاتصالات الدبلوماسية المعتادة.

فمضمون الرسالة التي حملها ذلك الإعلان بدا أوسع وأعمق دلالة، إذ قدّم صدام نفسه في خطاب موجّه إلى واشنطن بصفته الطرف الأكثر أهلية لتمثيل معسكر الشرق الليبي في أي مسار تفاوضي، والشريك القادر على الانخراط في مقاربة أميركية تقوم على توحيد الميزانية العامة، وتعزيز التنسيق العسكري بين شرق ليبيا وغربها، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية أكثر اتساعًا.

وفي السياق نفسه، أشار بولس في تدوينة نشرها على حسابه إلى أنه بحث مع صدام ما وصفه بـ"التقدم المستمر" نحو إعداد ميزانية وطنية موحدة، إضافة إلى "الدور المهم" الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في استضافة جزء من تمرين "فلينتلوك 26".

لاحقًا، أكدت وكالة رويترز أن وحدات عسكرية من الإدارتين المتنافستين في الشرق والغرب شاركت بالفعل في 14 أبريل بمدينة سرت في أول تمرين عسكري مشترك من نوعه، جرى تحت إشراف القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

لكن ما جعل اتصال صدام حفتر ببولس مفصليًا لم يكن مضمونه فقط، بل الرد الذي أعقبه من داخل بيت حفتر نفسه.

فقد خرج خالد حفتر، رئيس أركان قوات حفتر، في تصريحات متلفزة رافضًا ما وصفه بـ"الترتيبات السياسية المدعومة بأجندات خارجية"، مقدرا أن الطروحات المطروحة لا تختلف عن المسارات السابقة التي كرّست الفساد وأطالت أمد الأزمة.

هذا الاعتراض لم يصدر عن خصم سياسي في طرابلس، بل عن شقيق صدام نفسه، أي من قلب المنظومة التي اعتادت لسنوات تقديم نفسها ككتلة صلبة يقودها خليفة حفتر بقبضة واحدة.

وقد ربطت تقارير ليبية متعددة تصريحات خالد مباشرة بمبادرة بولس، وبمسار التفاهمات التي رعتها واشنطن بين ممثلين عن الشرق والغرب.

وأشارت تلك التقارير إلى أن إعلان صدام كان بمثابة رسالة تحدٍ داخلية، خاصة حين تحدث عن "التقدم المحرز" في توحيد الميزانية، وعن التحضيرات المرتبطة بالتمرين العسكري في سرت.

عند هذه النقطة لم يعد الصراع قابلاً للإخفاء؛ فواشنطن تتحدث مع صدام، وصدام يتحرك كواجهة سياسية وعسكرية، وخالد يرد علنًا، فيما يتحرك بلقاسم من موقعه الاقتصادي في اتجاه يعكس اعتراضًا على المسار ذاته.

توزيع الأدوار

ومنذ أشهر لم يعد خافيًا أن خليفة حفتر شرع في هندسة انتقال النفوذ داخل عائلته، لا داخل مؤسسة وطنية متكاملة.

تحليل نشره “المجلس الأطلسي” الأميركي في 8 سبتمبر/أيلول 2025 رسم ملامح هذا المشهد بوضوح، مشيرًا إلى أن جميع أبناء حفتر باتوا يشغلون مواقع متقدمة في شرق ليبيا، على المستويين العسكري والاقتصادي، وأن صدام حفتر يُنظر إليه بصفته “الوريث المرجح” أو “ولي العهد” داخل بنية السلطة التي بناها والده.

هذا التوصيف لم يكن مبالغة تحليلية، إذ برز صدام في أواخر أغسطس/آب 2025 في واجهة اتصالات عسكرية خارجية رفيعة، شملت تحركات مع مسؤولين أتراك، في خطوة قرأها مراقبون بوصفها تدشينًا عمليًا لدوره الجديد كنائب لوالده وقناة اتصال خارجية رئيسة.

كما رصدت “كرايسس ووتش” التابعة لمجموعة الأزمات الدولية في سبتمبر 2025 الجولات الخارجية المتزامنة لأبناء حفتر، مقدرة أنها تعكس صعودهم كلاعبين مباشرين في تشكيل العلاقات الخارجية لمعسكر الشرق.

وبحسب “كرايسس ووتش”، فإن إشكالية هذا البناء العائلي لا تكمن فقط في توزيع المناصب، بل في توزيع مصادر القوة نفسها: المال والسلاح والشرعية الخارجية، مع افتراض بقاء الجميع تحت سقف تراتبية واحدة يقودها الأب.

في هذا السياق، أمسك صدام بالملف العسكري والعلاقات الدولية والقوات البرية، ونسج لنفسه صورة الشريك المفضل لدى أطراف خارجية، خصوصًا واشنطن وأنقرة وعدد من العواصم الإقليمية.

أما خالد، فتموضع في رئاسة الأركان، أي في الواجهة العسكرية النظامية التي تمنحه هامشًا للتأثير والاعتراض على أي إعادة تشكيل للبنية العسكرية دون المرور عبره.

في حين رسّخ بلقاسم حضوره عبر “صندوق التنمية وإعادة الإعمار” الذي بات خلال العامين الأخيرين الذراع الاقتصادية الأكثر أهمية داخل منظومة الشرق.

وخاصة بعد إقرار مجلس النواب في الشرق، في 3 يونيو/حزيران 2025، ميزانية للصندوق بقيمة 69 مليار دينار ليبي على ثلاث سنوات.

ومع اتساع دور الصندوق في التعاقدات والمشروعات، لم يعد بلقاسم مجرد ابن للقائد، بل أصبح ممسكًا بمصدر نفوذ موازٍ للسلاح، قائم على المال العام وإعادة الإعمار والعقود.

نفوذ وحذر

ومن هنا بالضبط بدأ التناحر يخرج من نطاق العائلة إلى المجال العام. فصدام يريد ميزانية موحدة وترتيبات مباشرة مع طرابلس وواشنطن، لأن ذلك يمنحه شرعية وطنية ويخفف حاجته إلى وسطاء داخل معسكره.

في المقابل، يرى بلقاسم في هذا المسار تهديدًا مباشرًا لنفوذ صندوقه الاقتصادي، ولذلك أعلن الصندوق في نهاية مارس/آذار 2026 أن نتائج اجتماع تونس “غير ملزمة له”، في موقف بدا أقرب إلى اعتراض سياسي بلسان مؤسسة اقتصادية.

أما خالد، فإن رفضه للترتيبات المدعومة خارجيًا لا يمكن عزله عن مخاوف واضحة من أن تتحول المبادرة الأميركية إلى منصة تمنح شقيقه صدام احتكار التمثيل العسكري أمام الغرب.

وبذلك لا يبدو الخلاف مجرد تباين في الرؤية حول مستقبل ليبيا، بل صراعًا على من يحتكر صفة “الرجل الأول” في اليوم التالي لغياب الأب أو انكفائه.

ومن هنا يبرز الدور الأميركي بصفته عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل المشهد، عبر الدفع نحو تقريب الشرق والغرب الليبيين من خلال ميزانية موحدة، وتمرين عسكري مشترك، وتفاهمات قد تمهّد لسلطة سياسية موحدة.

وقد أكدت “رويترز” في 11 أبريل 2026 توقيع أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 2013، بقيمة 190 مليار دينار، بعد تفاهم بين مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب، كما رحّبت السفارة الأميركية بهذه الخطوة وعدتها تقدمًا نحو الاستقرار المالي وتعزيز الوحدة الوطنية.

لكن ما تكشفه التفاصيل أن واشنطن لا تتحرك في فراغ مؤسسي، بل عبر شخصيات بعينها.

فالتقارير المتواترة منذ خريف 2025 تشير إلى أن مسعد بولس عقد سلسلة لقاءات مع صدام حفتر إلى جانب إبراهيم الدبيبة، في روما وباريس وتونس، ضمن مسار تفاوضي مباشر بين مراكز النفوذ الأكثر تأثيرًا في المعسكرين.

هذا يعني عمليًا أن الأميركيين يتعاملون مع صدام ليس فقط كضابط عسكري، بل كواجهة قرار سياسي وأمني في الشرق.

ولأن السياسة الأميركية في ليبيا تميل منذ سنوات إلى البراغماتية، فهي لا تبدو منزعجة من تعاظم حضور العائلة داخل مؤسسات الشرق، ما دام ذلك يسهّل الوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

وفي 25 و26 مارس 2026، زار القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت بنغازي، والتقى عددًا من قادة الشرق لبحث توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون التجاري والأمني، بحسب ما أوردته الوكالة الليبية الرسمية وتقارير محلية أخرى. كما شدد بولس علنًا في 4 أبريل على ضرورة إقرار ميزانية ليبية موحدة لحماية الدينار والقدرة الشرائية للمواطنين.

ثم جاءت “فلينتلوك 2026” لتضيف بُعدًا عسكريًا واضحًا، عبر تمرين مشترك بين قوتين كانتا حتى وقت قريب على طرفي جبهة القتال.

وهذه بالضبط هي النقاط التي تقلق أجنحة داخل معسكر حفتر؛ إذ ترى أن من يجلس مع الأميركيين اليوم، مثل صدام، قد يحصد وحده ثمار الشرعية غدًا.

انقسام جديد

وفي تصريح لـ“الاستقلال”، قال السياسي الليبي عمر الحاسي: إن خطورة الصراع الدائر بين أبناء خليفة حفتر لا تكمن في طابعه العائلي فحسب، بل في كونه يجري داخل معسكر تأسس أساسًا على الشخصنة والولاءات الفردية، لا على مؤسسات دولة أو قواعد واضحة لتداول السلطة، ما يجعل أي خلاف داخلي قابلاً للتحول سريعًا إلى ارتباك في مراكز القرار العسكري والمالي والأمني.

وأضاف الحاسي أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الصراع لم يعد محصورًا بين صدام وخالد وبلقاسم، بل امتد إلى جبهات أقل ظهورًا، من بينها التوتر بين صدام وشقيقه صلاح، المرتبط بالتيار السلفي المدخلي، والذي يشرف على تشكيلات تدير سجونًا ومواقع أمنية في الشرق.

ولفت إلى أن الخطوات التي اتخذها صدام لإعادة هيكلة هذا الملف تعكس محاولة لإعادة توزيع النفوذ داخل الأجهزة الأمنية.

وأوضح أن هذا التآكل الداخلي لا يمكن فصله عن سياق أوسع، في ظل استمرار معسكر الشرق في تعزيز قدراته العسكرية خارج الأطر المؤسسية، كما كشفت تقارير دولية عن وجود شبكات مالية مرتبطة بعائلة حفتر تسهم في تمويل صفقات السلاح وتوسيع النفوذ.

ويعكس ذلك، بحسب الحاسي، بنية سلطة قائمة على توازنات عائلية وشبكات مصالح، ما يجعل الصراع بين الأبناء نتيجة طبيعية لتضخم مراكز القوة داخل المنظومة نفسها، وهو ما قد يفضي لاحقًا إلى تفجر صراعات داخلية أوسع في بلد منقسم أصلًا إلى معسكرين رئيسين.