انشقاق النور القِبّة القائد بـ"الدعم السريع".. هل يؤثر على مسار الحرب في السودان؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

جاء انشقاق اللواء النور أحمد آدم القِبّة، أحد أبرز القيادات الميدانية في قوات الدعم السريع بقيادة حمدان دقلو (حميدتي)، وثالث أبرز قياداتها بعد القائد وشقيقه عبد الرحيم دقلو، ليُعدّ من أهم الانشقاقات الحديثة داخل هذه المليشيا المدعومة إماراتيًا.

وسبق ذلك سلسلة من الانشقاقات لقادة ومستشارين، تزامنًا مع استمرار الحرب منذ أبريل/نيسان 2023؛ حيث انضم عدد منهم إلى الجيش السوداني، من أبرزهم أبو عاقلة كيكل، قائد قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة الذي أعلن انضمامه للجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

كما أعلن خمسة من مستشاري حميدتي انشقاقهم عن قوات الدعم السريع في الشهر ذاته، من بينهم عبد القادر إبراهيم، مسؤول ملف شرق السودان والمنظمات، متهمين المليشيا بالعمل على تدمير البلاد.

وجاء انشقاق النور القِبّة برفقة عدد كبير من قواته المنتمية لقبيلة المحاميد (أحد فروع الرزيقات)، واستقبال قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان له، ليؤكد وجود تصدعات داخلية وصراعات بين قيادات الدعم السريع في دارفور، فضلاً عن هشاشة الولاء لحميدتي، وسط توقعات بتحول هذه القوات إلى مليشيات متفرقة في حال استمرار وتيرة الانشقاقات.

من هو النور القبة؟

يُعدّ اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القِبّة"، من أبرز القيادات العسكرية السودانية في إقليم دارفور، ومن المؤسسين البارزين لمليشيا الدعم السريع وأحد كبار قادتها الميدانيين؛ حيث لعب دورًا محوريًا في المعارك، لا سيما في العمليات المرتبطة بحصار مدينة الفاشر.

بدأ القِبّة مسيرته العسكرية عام 2003 ضمن قوات حرس الحدود بقيادة الشيخ موسى هلال، قبل أن ينخرط في التمرد الذي قاده محمد حمدان دقلو "حميدتي" وإدريس حسن في إقليم دارفور عام 2006. وبعد سنوات، أُعيد دمجه في قوات حرس الحدود برتبة عقيد، ثم التحق عام 2017 بمليشيا الدعم السريع برتبة لواء، ليصبح لاحقًا من أبرز قادتها الميدانيين.

وشغل القِبّة مناصب قيادية في قوات حرس الحدود قبل دمجها ضمن مليشيا الدعم السريع، كما قاد عمليات عسكرية كبرى في دارفور، وكان يُعدّ من الهيكل القيادي المباشر داخل هذه المليشيا.

وتبرز أهمية انشقاقه أيضًا من كونه يتمتع بنفوذ قبلي واسع داخل قبيلة الرزيقات، إلى جانب ثقله العسكري في دارفور؛ حيث تقلّد مناصب عدة في مناطق الحدود السودانية، خاصة في إقليم دارفور. وينتمي القِبّة إلى قبيلة المحاميد، أحد فروع الرزيقات التي يتزعمها موسى هلال، أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في هذا المكون القبلي.

وتشير المعطيات إلى أن الضغوط التي مارسها هلال أسهمت بشكل مباشر في تسريع انشقاق القِبّة، في ظل تصاعد الخلافات بين هلال وقيادة الدعم السريع، لا سيما بعد محاولة اغتياله في فبراير/شباط 2026.

وفي هذا السياق، رحّب مجلس السيادة السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وكذلك مجلس الصحوة بقيادة موسى هلال، بانشقاق النور القِبّة عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى القوات المسلحة.

ويرى مراقبون أن هذا الانشقاق قد يكون مرتبطًا أيضًا بالتحركات العسكرية لمليشيا الدعم السريع باتجاه منطقة "مستريحة"، معقل الزعيم القبلي موسى هلال، والذي تربطه بالقِبّة علاقات وثيقة، إلى جانب ما أُثير من تقارير حول تعرض قواته للتهميش والإهمال من قبل قيادة الدعم السريع، وفق ما أورده موقع "ألترا سودان".

وكان القِبّة قد حذّر من مغبة الهجوم على "مستريحة"، التي كان يوجد فيها ناظر عموم المحاميد الشيخ موسى هلال، مقدرا أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفجير خلافات داخلية ذات طابع قبلي داخل قوات الدعم السريع، إضافة إلى اعتراضه على ما وصفه بعدم الاهتمام والتهميش الذي ناله ونال قواته.

وبعد تنفيذ الهجوم على "مستريحة"، تصاعدت الخلافات إلى مستويات غير مسبوقة؛ حيث أفادت تقارير بأنه تواصل مع مدير دائرة الإعلام في قوات الدعم السريع، المقدم الطيب خليل الذي أبلغه بأن "موعده قريب جدًا إذا لم يعد إلى صوابه"، في إشارة إلى تصاعد الضغوط عليه، مع تكثيف انتشار مليشيا الدعم السريع حوله، وفق ما نقلته "منصة عثمان" على فيسبوك.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أرسل حميدتي وفدًا من أبناء قبيلة المحاميد المنتمين إلى قوات الدعم السريع للتواصل مع القِبّة، إلا أن الرد جاء برفض الخضوع. مشيرًا إلى أن الضغوط القبلية والعشائرية المرتبطة بالهجوم على "مستريحة"، إضافة إلى تضييق الخناق عليه في منطقة تمركزه، حالت دون ذلك.

وتشير المعطيات إلى أن قيادة الدعم السريع بدأت تشعر بالخطر من تحركات القِبّة؛ حيث ترددت أنباء عن إرسال قوات لاعتقاله وسحب قواته وسلاحه، إلا أنه تمكن من الانسحاب برفقة قواته، قبل أن يسلم نفسه للجيش السوداني.

وجاءت هذه التطورات ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها مليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو؛ حيث سبق أن انضم عدد من قادتها الميدانيين إلى الجيش السوداني.

ومن أبرز هؤلاء القادة أبو عاقلة كيكل الذي انشق في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وكان حينها يقود قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة وسط السودان، وهي منطقة كانت خاضعة بالكامل لسيطرة هذه القوات، ما أحدث تأثيرًا كبيرًا في موازين القوى.

وفي وقت لاحق، قاد كيكل عمليات عسكرية ضد قوات الدعم السريع في الولاية، وتمكن من استعادة السيطرة عليها في 11 يناير/كانون الثاني 2025، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من انضمامه إلى الجيش، وهو ما يُتوقع أن يسعى القِبّة إلى تكراره في دارفور، خاصة في ما يتعلق بمحاولة استعادة مدينة الفاشر.

ووفق مصادر إعلامية سودانية متعددة، وصل اللواء القِبّة إلى شمال السودان مساء 18 أبريل/نيسان 2026، بعد رحلة طويلة وشاقة امتدت لنحو 800 كيلومتر عبر صحارى ووديان شمال دارفور، وظلت تفاصيل هذه الرحلة طي الكتمان، في ظل مخاوف من أن تكون قيادة الدعم السريع قد علمت بقرب انشقاقه وكانت تستعد لاستهدافه.

كما كشفت مصادر عسكرية لشبكة "بي بي سي"، في 21 أبريل/نيسان 2026، أن القائد المنشق تحرك بقوة قوامها 47 عربة قتالية مجهزة، برفقة عدد من جنوده المقرّبين، انطلاقًا من قرية قرب مدينة كتم؛ حيث كان يتمركز، وصولًا إلى مناطق نفوذ موسى هلال، ومنها إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني.

في المقابل، أفاد رئيس تحالف أحزاب شرق السودان، شيبة ضرار، في تصريح لصحيفة "التيار" السودانية، بأن القِبّة عاد برفقة قوة تزيد على 130 عربة قتالية، ما يعكس تضارب التقديرات بشأن حجم القوة التي رافقته.

ما أهمية انشقاقه؟

تمثل عودة النور القِبّة تحولًا مهمًا، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا على المستوى المعنوي؛ إذ قد تفتح الباب أمام موجة أوسع من الانشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع، خاصة في إقليم دارفور، وقد تسهم في تسريع تفكك هذه المليشيا وربما حسم الحرب في وقت أقرب، وفق ما أوردته صحيفة "التيار" السودانية في 20 أبريل/نيسان 2026.

وكما لعب القِبّة دورًا محوريًا في حصار مدينة الفاشر وسيطرة مليشيا الدعم السريع عليها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يتوقع محللون سودانيون أن يؤدي دورًا مشابهًا في حال مشاركته في عمليات لاستعادتها، وهي لا تزال تحت سيطرة الدعم السريع، مستفيدًا من خبرته الميدانية الدقيقة بتضاريس المنطقة، وعلاقاته القبلية، إضافة إلى ما يُنظر إليه كمحاولة للتكفير عن المجازر التي وقعت في المدينة عقب سقوطها.

فقد كان القِبّة مسؤولًا عن قيادة القوات التي حاصرت وهاجمت الفاشر بعد مقتل القائد علي يعقوب خلال المعارك في منتصف يونيو/حزيران 2024، ويُنسب إليه دور رئيس في سقوط المدينة بعد نحو عامين من القتال، مستفيدًا من معرفته الجغرافية الدقيقة بالمنطقة، ومن علاقته المباشرة مع قائد مليشيا الدعم السريع بالإنابة الفريق عبد الرحيم دقلو.

كما يُعدّ القِبّة من أبرز القيادات الميدانية المرتبطة تاريخيًا بالصراعات في إقليم دارفور غربي السودان؛ حيث كان، قبل اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، أحد العناصر المؤثرة في التوازنات القبلية والعسكرية في الإقليم.

وعقب سيطرة قوات الدعم السريع (الجنجويد) على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، انسحب القِبّة مع قوات موالية له إلى منطقة "دامرة القِبّة" قرب مدينة كتم، التي تُعدّ معقله الرئيس، وظل هناك لفترة قبل أن تتبلور ملامح انشقاقه تدريجيًا، وصولًا إلى انتقاله الكامل لاحقًا إلى صفوف القوات المسلحة.

ويُعتقد أن احتفاء قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بالقِبّة يعود أيضًا إلى وجود تواصل مباشر بينهما منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب بهدف تحييده، وهو ما تحقق لاحقًا، بحسب ما أفاد به الصحفي السوداني المتخصص في الشؤون العسكرية ناصف صلاح الدين لشبكة "بي بي سي" في 21 أبريل/نيسان 2026.

كما تشير تقديرات إلى أن هذا الانشقاق لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة عملية استخباراتية ممتدة نفذتها القوات المسلحة السودانية وجهاز المخابرات العامة، جرى التخطيط لها بعناية وعلى مستوى عالٍ من السرية حتى لحظة تنفيذها، وهو ما يفسر طبيعة الانتقال المنظم للقِبّة وقواته إلى مناطق سيطرة الجيش.

وفي المقابل، أثار قرار البرهان العفو عن القِبّة وعدد من القيادات المرتبطة بقوات الدعم السريع، والسماح بعودتهم إلى صفوف الجيش رغم اتهامهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور، لا سيما في مدينة الفاشر، جدلًا واسعًا داخل الأوساط السودانية.

وأعاد هذا الجدل طرح تساؤلات حول حدود التسويات السياسية ومشروعية العفو في قضايا جرائم الحرب؛ حيث حذر حقوقيون من أن مثل هذه القرارات قد ترسخ سياسة الإفلات من العقاب، خاصة في ظل اتهامات بتضييق السلطات على المدافعين عن حقوق الإنسان.

فقد عاد مع القِبّة عدد من القيادات الميدانية، من بينهم محمود الوالي، محمد كفوه، إبراهيم أبو كنيش، علي تنقو، وضحية الأمين، وسط تقارير تشير إلى تورطهم في أحداث دامية بدارفور، ما أثار مخاوف من أن منحهم عفوًا رسميًا قد يُهدر حقوق الضحايا، خاصة أن بعض الجرائم المنسوبة إليهم تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم أو بالعفو الفردي.

وفي هذا السياق، قالت "لجان المقاومة في الفاشر"، في بيان: إن القِبّة ومن انضموا معه إلى الجيش “مسؤولون عن جرائم جسيمة”. مطالبة بتجريدهم من السلاح وتقديمهم للمحاكمة.

وأكد البيان أن “ما ارتُكب بحق إنسان دارفور والسودان ليس أخطاء عابرة يمكن تجاوزها بقرار سياسي أو عفو عام، بل جرائم موثقة تشمل القتل والنهب والترويع وانتهاك الكرامة الإنسانية”. مضيفًا أن "أقل ما يمكن هو تجريدهم من السلاح، وهو الحد الأدنى الذي لا يرقى إلى مستوى العدالة المطلوبة".

في المقابل، رحب بعض السودانيين ووسائل إعلام بمن يترك السلاح وينضم إلى الجيش والمسار السلمي، مقدرين أن هذه الخطوة تستحق الدعم، انطلاقًا من قاعدة "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، وفق ما قاله رئيس تحرير صحيفة "التيار" عثمان ميرغني.

وأوضح ميرغني، في تصريح لموقع "البلد نيوز"، أن "كل بندقية تُسلَّم طوعًا توفر نقطة دم في صفوف الجيش والقوات المساندة"، مشيرًا إلى أن "الأمر لا يتعلق بمكافأة على جرائم بقدر ما هو محاولة لمنع المزيد منها وتسريع إنهاء الحرب بأقل كلفة بشرية ممكنة".

وأضاف: "كل جندي أو ضابط أو قائد يستسلم يوفر شهداء في القوات المسلحة بقدر ثقله العسكري"، مؤكدًا ضرورة النظر إلى هذه المسألة وفق قاعدة "دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة".

هل يؤثر على الحرب؟

نظرًا لأن الولاء داخل مليشيا الدعم السريع يقوم في الأساس على العلاقات الشخصية لا على بنية مؤسسية، ولأن ترقية القيادات تتم وفق معيار الولاء أكثر من الكفاءة، إلى جانب أن الدعم الخارجي—لا سيما الإماراتي—يُوجَّه غالبًا لقيادات بعينها، فقد بدأت مؤشرات التذمر تتصاعد داخل صفوف قوات محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة "الوئام" السودانية، في 19 أبريل/نيسان 2026، أن هذا التذمر والصدع العسكري الداخلي داخل قوات الدعم السريع برز بشكل أوضح عقب سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ حيث كشف انشقاق اللواء النور القِبّة عن أزمة ثقة حادة تضرب الهيكل القيادي لهذه القوات، وتعكس هشاشة التحالفات الميدانية، خاصة عندما تتراجع المكاسب أو تتباين التقديرات بين القيادات.

كما نقلت منصة "سودانيز إيكو" (صدى السودان) عن مصادر مطلعة أن انشقاق القِبّة جاء نتيجة جملة من العوامل، من أبرزها حالة التذمر المتصاعدة داخل صفوف المليشيا، إضافة إلى خلافات تتعلق بالنفوذ والقيادة في شمال دارفور.

فعلى الرغم من الدور البارز الذي لعبه القِبّة في تمكين مليشيا الدعم السريع من السيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025، لم يتم تعيينه قائداً عسكرياً على الولاية، بل جرى اختيار "جدو ابنشوك"، المقرّب من قيادة الدعم السريع، وهو ما كشف عمق الاحتقان داخل الصف القيادي، وهيمنة منطق الولاءات والروابط الضيقة على حساب الكفاءة.

وتشير هذه المعطيات أيضاً إلى أن الدعم الخارجي، خصوصاً الإماراتي، سواء من حيث التمويل أو التسليح، قد أسهم في تعميق هذه الفجوة؛ إذ يعزز نمط السيطرة القائم على القوة المجردة، دون أن يصاحبه أي تطور نحو بناء كيان سياسي منظم وقابل للاستمرار، ما يجعل مستقبل هذه الميليشيا أقرب إلى حالة من الفوضى الممتدة، بدلاً من التحول إلى كيان قادر على تأسيس دولة أو مؤسسات مستقرة.

وقد بدأت بذور التمرد تتشكل لدى القِبّة منذ انتهاء معركة الفاشر، عندما تجاهلت قيادة الدعم السريع دوره بشكل مفاجئ، وتم استبعاده من التعيينات القيادية، ليحل محله “جدو ابنشوك” الذي تجمعه صلة قرابة بقيادة الدعم السريع، وفق ما أوردته صحيفة "الوئام".

وقد أدى هذا التهميش إلى تعميق شعور الغَبْن، وتحول إلى نقطة ضعف داخلية انعكست لاحقًا في تراجع أداء قوات حميدتي.

كما تزامن ذلك مع مؤشرات على تقلص بعض أوجه الدعم الخارجي، نتيجة انشغال أطراف إقليمية بصراعات أخرى، الأمر الذي زاد من حالة التنافس الداخلي على الموارد والنفوذ، ودفع المليشيا نحو نمط أقرب إلى مجموعات مسلحة تتقاسم مناطق السيطرة، وقد ينقلب بعضها على بعض.

ومع تحول المدن إلى مناطق نفوذ خاصة، وصدور قرارات الحرب وفق ميزان القوة والانتماءات والدعم الخارجي، بدلاً من البحث عن تسوية سياسية شاملة، ومع غياب القدرة على تشكيل حكومة أو إدارة كيان سياسي مستقر، واستمرار الانشقاقات، يبرز احتمال تحول قوات الدعم السريع إلى كيانات متعددة برؤوس متفرقة، ما يؤدي إلى إضعافها في مواجهة الجيش السوداني.

ويشير تحليل لصحيفة "الوئام" السودانية (19 أبريل 2026) إلى أن انضمام القِبّة إلى الجيش يحمل أبعادًا إستراتيجية مهمة؛ إذ يمثل اختراقًا يضرب التماسك القبلي والداخلي لقوات الدعم السريع، ويوجه رسالة واضحة لبقية القادة الميدانيين المهمشين بأن خيار الانشقاق بات ممكنًا ومتاحًا.

كما لفت التحليل إلى أن الأنظار تتجه حاليًا نحو التداعيات الميدانية المباشرة في شمال دارفور والولاية الشمالية، وسط أنباء عن احتمالية انضمام قادة ميدانيين آخرين إلى موجة الانشقاقات، من بينهم القائد "حمودة".

وإذا ما تحققت هذه السيناريوهات، فإن بنية الدعم السريع قد تواجه تحديًا وجوديًا يهدد بتحويل انتصاراتها السابقة إلى هزائم داخلية متسارعة.

وربما يفسر ذلك حرص قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على استقبال اللواء القِبّة بنفسه عقب انشقاقه؛ حيث توجه إلى مدينة دنقلا في أقصى شمال السودان للترحيب به وبالقوات التي انضمت معه، في إشارة واضحة إلى أهمية هذا التحول بالنسبة للجيش.

وقد أظهرت صور رسمية لقاء البرهان بالقِبّة؛ حيث صافحه بحرارة وأهداه سيارة، قيل إنها سيارته الرئاسية، وذلك بعد يوم واحد فقط من وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش، وهو ما يعكس القيمة العسكرية والمعنوية التي يمثلها هذا الانشقاق في سياق الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وقبل إعلان انشقاقه، أفادت مصادر داخل قوات الدعم السريع لشبكة "دارفور24" (14 أبريل 2026) بأن حميدتي كان يقود بنفسه اتصالات مكثفة مع محيط القِبّة في محاولة لثنيه عن قراره.

وبحسب هذه المصادر، فقد غادر القِبّة موقعه في منطقة "القبة" بمحلية الواحة في شمال دارفور قبل نحو أسبوع من إعلان انشقاقه، وسط غموض بشأن وجهته، قبل أن تتأكد لاحقًا أنباء انضمامه إلى الجيش.

وقبل مغادرته، وجّه القِبّة رسالة حادة لقيادة الدعم السريع، انتقد فيها ما وصفه بالتهميش والإذلال الذي تعرض له هو وجنوده. مشيرًا إلى أنه اضطر لتحمل تكاليف علاجه على نفقته الخاصة بعد إصابته في معارك الفاشر.

كما اتهم القيادة بممارسة التمييز ضده، ووجّه انتقادات لاذعة لحميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، مستنكرًا الهجوم على منطقته في "مستريحة" باستخدام آليات عسكرية وطائرات مسيّرة، وما ترتب على ذلك من سقوط ضحايا ونهب للممتلكات.

وتأتي هذه التطورات في ظل تحولات متسارعة داخل خريطة التحالفات في إقليم دارفور، حيث يتنافس الطرفان—الجيش وقوات الدعم السريع—على استقطاب القيادات المؤثرة ميدانيًا.

وفي حين تسيطر قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وولاية غرب كردفان، وتتقاسم النفوذ في ولايات أخرى، يحتفظ الجيش بسيطرته على ولايات الوسط والشمال والشرق والجنوب، إضافة إلى العاصمة الخرطوم، ما يجعل أي انشقاق من هذا النوع عاملاً مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض.