"شورات هادين".. واجهة خفية للموساد تقاضي خصوم إسرائيل بالخارج

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في منتصف أبريل/نيسان 2026، أعلنت منظمة تدعى شورات هادين – المركز القانوني الإسرائيلي التقدم بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ما فتح باب التساؤلات عن ماهية هذه المؤسسة الغامضة وأهدافها ومن يقف خلفها.

واتهمت المنظمة الإسرائيلية، الحكومة الإسبانية بتصدير مواد “ذات استخدام مزدوج” إلى إيران بقيمة 1.3 مليون يورو استخدمت في أجهزة تفجير مرتبطة بجماعات تابعة طهران.

وأوضحت أن هذه المواد “ليست منتجات صناعية بريئة بل مكونات حيوية لتشغيل أجهزة التفجير، وقد جرى نقلها في ظل توقع معقول لاستخدامها في اعتداءات على مدنيين”، وفق زعمها.

شورات هادين

تصف المنظمة نفسها في وثائقها السنوية بأنها “في طليعة الحرب على الإرهاب وحماية الحقوق اليهودية حول العالم”، وتشير إلى أنها تستخدم القضاء لـ"الدفاع عن إسرائيل" وللرد على “معارك القانون” ضدها.

وبحسب موقعها، توضح المنظمة صراحة أنها تتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية وشبكة من المحامين المتطوعين لملاحقة من تصفهم بـ"جماعات العنف" ومموليها، والتصدي لحملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية ضد إسرائيل.

تأسست بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، على يد نيتسانا دارشان‑ليتنر، التي تُقدَّم دائماً بوصفها “محامية الضحايا” و"رائدة حرب القانون"، بمساعدة زوجها آفي ليتنر وذلك لملاحقة الفلسطينيين الذي ينفذون عمليات فدائية.

وبحسب تحقيق لموقع ميدل إيست آي البريطاني، كان زوجها ليتنر ناشطًا في حركة كاخ الصهيونية المتطرفة وحُكم عليه بالسجن 30 شهرا بعد إدانته بالمشاركة في اعتداءات ضد فلسطينيين في الثمانينيات.

واتُهمت هذه الحركة (حظرت في إسرائيل عام 1994) بتنفيذ ست هجمات في عامي 1983 و1984 شملت إطلاق نار استهدف حافلة تقل عمالاً فلسطينيين قرب رام الله، ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص.

وكان لافتا أن المنظمة تخفي اسم آفي من صفحة “فريقنا” الحالية الخاص بالمنظمة، لكن الموقع أورده في صفحة فعالية رسمية عام 2024 بصفته “مؤسس شورات هادين”.

يقع مقرها في تل أبيب (مكاتبها الإدارية في بني براك)، ويتشكّل مجلس إدارتها من عدد قليل من المحامين والناشطين المقربين من دارشان‑ليتنر. 

وتسوق المنظمة يدّعي “إنصاف ضحايا الإرهاب” عبر ملاحقة المنظمات والجماعات والأفراد المتهمين بدعم هجمات ضد إسرائيليين. 

كما تدّعي في تقاريرها أنها تعمل “بشكل مستقل” وأنها “تحارب الإرهاب والمقاطعة” من خلال المحاكم، وتصف القانون بأنه “أحد أقوى الأسلحة في المعركة”.

وتستخدم المنظمة القضاء الأميركي والدولي لملاحقة خصوم إسرائيل وتشويه صورتهم والعمل ضد محاولات مساءلة المسؤولين الإسرائيليين.

وتشتهر "شورات هادين" بمهاجمة المنظمات التي توثق انتهاكات القانون الدولي من قبل السلطات الإسرائيلية وتقدم الدعم للمجتمع المدني الفلسطيني.

ومن الادعاءات الشائعة في مثل هذه الحالات محاولة خلق صلات مباشرة أو غير مباشرة بين ناشطي حقوق الإنسان الفلسطينيين و"الإرهاب".

سجل المطاردة

منذ تأسيسها، ركزت شورات هادين على ملاحقة المنظمات الفلسطينية واللبنانية والإيرانية أمام المحاكم الأميركية والإسرائيلية، لكن تنفيذ هذا النوع من الأحكام ضد جماعات مسلحة يبقى صعبًا عمليًا ولذلك يبقى استصدار الإدانات رمزيا.

عام 2015 حصلت على حكم من المحكمة الفيدرالية بنيويورك أدان منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بتهمة دعم 6 هجمات أدت لمقتل وإصابة أميركيين، وأمرها بدفع 218.5 مليون دولار، لكنه أُلغي في 2016 لعدم الاختصاص، ثم أعادت الدائرة الثانية تفعيله في 30 مارس/آذار 2026. 

استندت دارشان‑ليتنر إلى أن منفذي الهجمات كانوا موظفين في السلطة الفلسطينية، وأن على الأخيرة تحمل المسؤولية. 

كذلك حصلت عام 2022 على حكم من محكمة فيدرالية أميركية قضى بتعويض قدره 111 مليون دولار لعائلات أميركية أُصيبت خلال حرب لبنان عام 2006، وشدّدت حينها على ضرورة “ملاحقة أصول حزب الله حول العالم”. 

وتعمل المنظمة على تحويل الدعاوى إلى أداة دعائية أكثر منها قضائية، فقد رفعت في أستراليا عام 2014 دعوى ضد الأكاديمي جايك لينش بتهمة دعم حركة المقاطعة العالمية (BDS)، لكن المحكمة أسقطت بنود الدعوى وطالبت المنظمة بدفع التكاليف بعد أن عدت القضية اعتداءً على حرية التعبير. 

وفي 2018 رفعت دعوى أمام محكمة إسرائيلية ضد ناشطتين نيوزيلنديتين اتهمتهما بالضغط على المغنية لورد (إيلا ماريا) لإلغاء حفل في تل أبيب، وحكمت المحكمة بدفع تعويض رمزي، لكن الناشطتين سخرتا من الحكم وأعلنتا تقديم مساعدات إلى غزة. 

كما قدمت المنظمة شكوى بقيمة مليار دولار ضد فيسبوك عام 2016 بدعوى تسهيل تواصل عناصر حركة المقاومة الإسلامية حماس، لكن قُضي برفض معظم المطالب وعدها خبراء محاولة ضغط أكثر منها قضية ناجحة.

وبعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت المنظمة حملات قانونية بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

إذ قدمت شكوى إلى محكمة إسرائيلية ضد حماس مطالبة بتعويض قدره 38 مليون شيكل (الدولار يساري 3 شواكل) عن أسر وقتل ثلاثة إسرائيليين عام 2014، وأقرت المحكمة التعويض.

 وفي 8 فبراير/شباط 2026، رفعت دعاوى أمام محكمة القدس باسم عائلات 12 طفلاً درزياً قتلوا في “هجوم صاروخي لحزب الله” على مجدل شمس (قرية بالجولان السوري) يوليو/تموز 2025، مطالبة بتعويض قدره 80 مليون شيكل. وقالت ليتنر إن هدفها هو تعقب أصول الحزب في لبنان والعالم.

في أكتوبر 2025 تحوّل التركيز إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن أصدر المدعي العام لها كريم خان أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يوآف غالانت.

إذ رفعت المنظمة دعوى بقيمة 20 مليون شيكل ضد خان في إسرائيل، متهمةً إياه بتحويل المحكمة إلى “فرع لحماس” ومطالبة بالتحقيق في مزاعم تحرش جنسي بحقه. كما أسست مشروعاً لحماية جنود الاحتياط الإسرائيليين من الملاحقات الدولية، وأنشأت خطاً ساخناً وعينت محامي دفاع.

التوسع الأبرز ظهر في ملاحقة وسائل الإعلام والناشطين في الخارج، ففي فبراير 2025 قادت المنظمة بالتعاون مع مجموعة “StandWithUs” دعوى فيدرالية بقيمة مليار دولار ضد شبكة الجزيرة القطرية في فرجينيا تتهمها بتوظيف عناصر من حماس والجهاد الإسلامي.

إلى جانب ذلك، رفعت المنظمة شكاوى بيئية ضد الناشطة السويدية غريتا تونبيرغ بسبب مشاركتها في قوافل بحرية إلى غزة، متهمةً فريقها بـ"إلقاء هواتف في البحر" في انتهاك لاتفاقية ماربول للحد من التلوث البحري، وفق صحيفة جيروزاليم بوست العبرية. 

كما هددت الجامعات والشركات التي تستضيف مؤتمرات BDS، ووجهت خطابات تحذيرية إلى شركات التأمين والنقل لمنع أساطيل كسر الحصار عن غزة.

من يمولها؟

تعمل شورات هادين ضمن شبكة مالية وسياسية تمتد بين إسرائيل والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، ما يسمح بالحصول على إعفاءات ضريبية ويخفي أسماء المتبرعين. 

إذ تُجمع التبرعات في الولايات المتحدة عبر “صندوق إسرائيل المركزي”، وفي كندا عبر جمعية “Letter of the Law”، وفي بريطانيا من خلال “UK Gives”.

وربطت بعض التقارير المنظمة بجهات مانحة من التيار المسيحي الإنجيلي واليمين اليهودي، وتحدثت عن تلقيها تبرعات كبيرة من عائلة موسكوفيتز الأميركية الثرية وآخرين.

موقع المراقبة NGO Report قدر ميزانية المنظمة بنحو 2.5 مليون دولار عام 2015، وأشار إلى أن مصادرها تشمل تبرعات من مؤسسات يهودية ومسيحية مؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.

سياسياً، تحظى المنظمة بدعم من شخصيات في الحكومة الإسرائيلية وأحزاب اليمين، كما تستفيد من مناخ سياسي يعتبر “القانون” ساحة حرب بحد ذاته.

إذ إن صلاتها بشبكات التمويل اليمينية في الولايات المتحدة تبرز أيضاً من خلال خطابات دعم من شخصيات مثل رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت الذي وصفها بأنها “أصل إستراتيجي لأمن إسرائيل”.

وفي عام 2014، اعترفت دارشان‑ليتنر لصحيفة تايمز أوف إسرائيل بأن المنظمة تعاونت مع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي والجيش في حملة تهديد قانوني ضد شركات تأمين وسفن شاركت في “أسطول الحرية” الذي اتجه إلى غزة عام 2011، وأن هذه الرسائل ساهمت في إفشال الحملة البحرية. 

وينسجم خطاب دارشان‑ليتنر مع سياسة نتنياهو في استخدام المحاكم الدولية والإعلامية كساحة مواجهة مع خصوم إسرائيل. 

ويلاحظ أن معظم قضايا المنظمة تتزامن مع أزمات وتطورات سياسية أو عسكرية: ملاحقة أسطول الحرية في ذروة النشاط حول حصار غزة، ثم الهجوم على حركات BDS في الجامعات بعد تصاعد المقاطعة.

وأيضا رفع دعاوى ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية عقب صدور أوامر توقيف بحق قادة إسرائيليين، وأخيراً شكوى سانشيز التي جاءت بعد اعتراف إسبانيا بالدولة الفلسطينية وقرارها الوقوف ضد الحرب الإسرائيلية الإيرانية.

ويتجاوز الأمر الدعم من قبل المنظمات والسياسيين، إذ تكشف المعلومات عن صلة شورات هادين بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

إذ أقرت دارشان‑ليتنر في كتابها Harpoon وفي مقابلة مع رويترز عام 2017 بأنها دُعيت إلى مقر جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد” بعد تأسيس المنظمة.

وبينت أن الجهاز طلب منها تقديم المزيد من الدعاوى، ثم أصبح يزوّدها بمعلومات سرية عن مصادر تمويل خصوم إسرائيل لاستخدامها في المحاكم الأميركية.

وتظهر قضية تتعلق ببنك الصين كيف استخدم الموساد واللجنة الأمنية الإسرائيلية المنظمة كواجهة لرفع دعاوى في الولايات المتحدة لفرض عقوبات عليه بدعوى سماحه بمرور تحويلات مالية لحماس والجهاد الإسلامي، قبل أن تعود الحكومة وتحاول منع الإدلاء بشهادة بسبب اعتبارات دبلوماسية. 

وفي تسريبات دبلوماسية عام 2007 نُسب إلى دارشان‑ليتنر قولها إنها تلقّت توجيهات من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي بشأن القضايا التي يجب رفعها، لأن "استخدام المحاكم المدنية يسمح بعمل ما لا يمكن لأجهزة الدولة القيام به".

علاوة على ذلك، أظهرت مذكرات المنظمة بعد 7 أكتوبر 2023 أنها تعمل مع “غرفة حرب” مشتركة تضم محامين متطوعين ومسؤولين حكوميين وعسكريين، وهي أدوار تتجاوز حدود تعريفها كـ “مركز قانوني” تقليدي، وتجعلها أشبه بمقاول لحساب حكومة الاحتلال واستخباراته.