بعد هجمات المليشيات خلال الحرب.. ما مستقبل علاقة العراق بدول الخليج؟

يوسف العلي | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يتصاعد الغضب الخليجي تجاه العراق بوتيرة متسارعة، على خلفية الهجمات التي انطلقت من أراضيه منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، والتي دخلت لاحقًا في هدنة مؤقتة لمدة 15 يومًا بدءا من 8 أبريل/نيسان، قبل أن يمددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأجل غير محدد.

ولم يقتصر هذا التوتر على دول الخليج فحسب، بل اتسع نطاق الاستياء ليشمل أطرافًا إقليمية أوسع، خاصة بعد استهداف الكويت في 24 أبريل/نيسان، وهو ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل علاقة العراق بمحيطه العربي، بعد أن شهدت تحسنًا ملحوظًا في السنوات التي تلت عام 2014.

ففي منتصف عام 2014، اجتاح تنظيم "الدولة الإسلامية" مساحات واسعة من العراق، وسيطر على نحو ثلث أراضيه، قبل أن تعلن السلطات العراقية استعادة كامل تلك المناطق بحلول عام 2017. وقد أعقب ذلك مرحلة من الانفتاح على الدول العربية، بعد سنوات من التوتر، ارتبطت باتهامات وُجهت إلى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2006-2014) باتباع سياسات ذات طابع طائفي.

غضب عربي

على خلفية الهجوم الأخير، تصاعدت حدة الإدانات العربية والإسلامية بشكل لافت؛ حيث سارعت عدة دول وكيانات، في 25 أبريل/نيسان، إلى التنديد بالاستهداف الذي أعلنت الكويت أنه طال موقعين على حدودها الشمالية عبر طائرتين مسيرتين انطلقتا من الأراضي العراقية، وأسفر عن أضرار مادية دون تسجيل إصابات بشرية، بحسب بيان رسمي للجيش الكويتي.

ولم تقتصر ردود الفعل على موقف عابر، بل اتخذت طابعًا جماعيًا حازمًا؛ إذ أصدرت كل من السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن ومصر وسوريا واليمن بيانات إدانة شديدة اللهجة، حمّلت في مضمونها رسائل واضحة إلى بغداد بضرورة التعامل بمسؤولية أكبر مع التهديدات المنطلقة من أراضيها، مع تأكيد قاطع على رفض أي انتهاك لسيادة دول الخليج أو المساس بأمنها.

كما شددت هذه الدول، في بيانات منفصلة، على دعمها الكامل لدولة الكويت في أي إجراءات تتخذها لحماية أراضيها والدفاع عن سيادتها، مقدرة أن أمن الكويت لا ينفصل عن أمنها القومي، في إشارة تعكس تصاعد القلق الإقليمي من تداعيات هذه الهجمات على الاستقرار الجماعي.

وفي السياق ذاته، عبّر الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي، عن إدانة شديدة لما وصفه بـ"الهجمات الغادرة" التي استهدفت مواقع حدودية كويتية، مؤكدًا في بيان رسمي أن استمرار هذه الاعتداءات القادمة من الأراضي العراقية يمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ حسن الجوار، وخروجًا واضحًا عن القوانين والأعراف الدولية، مجددًا تضامن المجلس الكامل مع الكويت ودعمه المطلق لكافة إجراءاتها الدفاعية.

وامتدت دائرة الإدانة إلى المنظمات الإسلامية؛ حيث أعربت رابطة العالم الإسلامي عن "استنكار شديد" للحادثة، وأكد أمينها العام محمد بن عبد الكريم العيسى أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكًا خطيرًا لسيادة الدول وتهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها، مشددًا على التضامن الكامل مع الكويت قيادةً وشعبًا.

بدورها، أدانت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي الهجوم "بأشد العبارات"، وعدته انتهاكًا سافرًا لسيادة دولة عضو وأمنها، مؤكدة دعمها الكامل لأي خطوات تتخذها الكويت للحفاظ على أمنها واستقرارها في مواجهة هذه التهديدات.

في المقابل، سعت بغداد إلى احتواء التداعيات، حيث أعلن وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري، خلال اتصال مع نظيره الكويتي فهد الصباح، أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وجّه بفتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد الجهات المتورطة فيه، مع التعهد بتقديم المسؤولين إلى العدالة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية "واع".

ويعكس هذا التصعيد في الإدانات حجم القلق المتنامي في الإقليم من تحوّل الأراضي العراقية إلى منصة لتهديد أمن الجوار، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام اختبار معقد بين ضبط الداخل واحتواء الضغوط الإقليمية المتزايدة.

خسائر إستراتيجية

في قراءة لمآلات الأزمة وانعكاساتها على علاقات العراق الإقليمية، يرى الباحث في الشأن العراقي إياد ثابت أن التداعيات لن تكون عابرة، بل ستترك أثرًا عميقًا على موقع بغداد في محيطها الخليجي. ويقول: إن "التأثر السلبي بات حتميًا؛ إذ ستتعامل دول الخليج مع السلطة الحاكمة في العراق بوصفها واجهة شكلية لا تمتلك القرار، ما يضعف جدوى أي تفاهمات أو اتفاقات معها ما لم تثبت العكس عمليًا".

ويضيف ثابت، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "المليشيات الموالية لإيران جرّدت الدولة العراقية من كثير من هيبتها، في وقت تواصل فيه الحكومة الدفاع عن هذه الجماعات عند تعرضها لضربات أميركية، مقدرة ذلك انتهاكًا للسيادة، وهو ما يعمّق فجوة الثقة مع دول المنطقة".

ولا يستبعد الباحث أن تشهد المرحلة المقبلة مطالبات خليجية بتعويضات عن الأضرار التي خلّفتها الهجمات، لكنه يشدد على أن الخسارة الأكثر أهمية تبقى ذات طابع إستراتيجي، تتجلى في تراجع موقع العراق ضمن خارطة المشاريع الإقليمية الكبرى، خاصة بعد التوجه نحو بدائل لوجستية واقتصادية، مثل مشاريع الربط التي تعزز التعاون بين دول أخرى في المنطقة.

ويرى أن “العراق بدأ يفقد تدريجيًا مكانته كشريك موثوق، مع تنامي الانطباع بأنه بيئة غير مستقرة تخضع لتأثير قوى مسلحة خارج إطار الدولة”. لافتًا إلى أن هذا الواقع يجعل الاستثمار في مشاريع إستراتيجية بمليارات الدولارات مخاطرة غير محسوبة، في ظل تهديدات صريحة من فصائل مسلحة باستهداف أي مشروع لا يتوافق مع أجنداتها.

وفي هذا السياق، يستحضر ثابت تصريحات سابقة لجهات سياسية وفصائل مسلحة عبّرت عن رفضها لمشاريع حيوية، من بينها خطوط أنابيب نفط تمتد نحو دول الجوار، عادّة إياها جزءًا من ترتيبات إقليمية مرفوضة. هذه المواقف، بحسبه، لا تقتصر على خطاب سياسي، بل تمثل عامل ردع حقيقي أمام أي محاولة لإعادة دمج العراق اقتصاديًا في محيطه.

في المقابل، كانت الحكومة العراقية قد أكدت مرارًا أن مثل هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز مرونة تصدير النفط وتوسيع منافذ الطاقة، إضافة إلى دعم البنية التحتية الوطنية وربطها بالأسواق الإقليمية، غير أن هذا الطرح يصطدم، وفق مراقبين، بواقع أمني وسياسي معقد يحد من قدرة بغداد على ترجمة خططها إلى واقع فعلي.

ومع تصاعد التوترات، يبدو أن العراق يواجه اختبارًا مزدوجًا: استعادة ثقة محيطه الإقليمي من جهة، وإثبات قدرته على فرض سيادة الدولة وضبط الفاعلين غير الرسميين من جهة أخرى، وهي معادلة ستحدد إلى حد كبير ملامح دوره في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

وفي 9 مايو/ أيار 2024، هدد البرلماني العراقي القريب من إيران، مصطفى سند، بنسف خط أنبوب (البصرة- حديثة) الذي سيصل إلى الأردن، بحجة أن الهدف منه دعم "الكيان الصهيوني".

وردت وزارة النفط العراقية على تصريحات النائب في وقتها بالقول: "مشروع أنبوب النفط الخام (البصرة - حديثة) يهدف إلى تحقيق المرونة العالية في عملية نقل النفط الخام لتجهيز المصافي والمستودعات ومحطات الطاقة الكهربائية داخل العراق، إلى جانب المشاريع المستقبلية التي تهدف إلى تعزيز المنافذ التصديرية عبر دول الجوار (تركيا وسورية والأردن)".

ونهاية يونيو/ حزيران 2024، قالت “تنسيقية المقاومة العراقية” التي تضم عدداً من الفصائل الحليفة لإيران: إن "خط أنبوب نفط البصرة – عقبة، يعد نقطة البداية لإدخال العراق إلى مشروع يمتّد للتطبيع مع الكيان".

وذكر بيان للجماعة التي تضم عدة فصائل أبرزها "كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، في بيانها أن "خط أنبوب نفط العقبة - البصرة سيستنزف العراق بمبالغ طائلة، من دون جدوى اقتصادية للبلاد، يُعد نقطة البداية لإدخال العراق إلى مشروع خبيث يمهد للتطبيع مع الكيان الصهيوني".

عراق إيران

في السياق ذاته، تتصاعد قراءات ترى أن العراق بات ساحة متقدمة في صراع النفوذ الإقليمي؛ حيث يرى الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد أن "العراق، على غرار لبنان، انخرط في حرب إيران من دون إرادته"، غير أنه يلفت إلى فارق جوهري يتمثل في أن الحكومة اللبنانية أدانت تحركات حزب الله، بينما "لم تُقدم الحكومة العراقية على منع أو إدانة استهداف فصائلها لثلاث دول خليجية على الأقل".

ويضيف الراشد، في مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 23 أبريل، أن "القرار الفعلي بيد طهران، وليس بيد الحكومة العراقية"، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن "المسؤولية القانونية تظل قائمة على عاتق الدولة التي تنطلق من أراضيها هذه الهجمات".

ويؤكد أن هذه الفصائل "تشكل جزءًا من منظومة السلاح الإقليمي الإيراني"، مشيرًا إلى زيارة قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني إلى العراق أخيرا، في خطوة تعكس، بحسبه، استمرار التنسيق المباشر مع تلك الجماعات.

ويتابع الراشد: "لفهم المشهد الحالي، ينبغي إدراك أن العراق اليوم لا يشبه ماضيه، لا في عهد صدام حسين ولا خلال الحقبة التي أعقبت التدخل الأميركي، بل أصبح أقرب إلى نموذج يرتبط بالنفوذ الإيراني". موضحًا أن وضعه يختلف عن لبنان واليمن من حيث حجم وانتشار الفصائل المسلحة، التي تتمتع بامتداد جغرافي وبشري أوسع داخل البلاد.

ويرى أن هذه الجماعات تتلقى تمويلًا من الحكومة العراقية إلى جانب دعم مالي وتوجيهات من إيران، ما يجعلها كيانًا مزدوج الولاء، "يندرج نظريًا ضمن مؤسسات الدولة، لكنه يرتبط عمليًا بأجندة خارجية".

ويقدّر أن عدد عناصر هذه المنظومة المسلحة يصل إلى نحو نصف مليون، نصفهم تقريبًا ضمن تشكيلات مرتبطة رسميًا بالمؤسسة العسكرية، دون أن تخضع لسلطة مركزية كاملة.

ويشير الراشد إلى أن طهران "سعت على مدى سنوات إلى ترسيخ نفوذها داخل العراق، مستفيدة من موارده النفطية وموقعه الجيوسياسي"، مقدرا أنها نجحت في "بناء بنية موازية داخل الدولة"، على غرار نماذج أخرى في المنطقة. ويذهب إلى أن ميزان القوة يميل في بعض جوانبه لصالح هذه الفصائل مقارنة بالمؤسسات العسكرية التقليدية، ما يعقّد من قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة.

ومع ذلك، يطرح الراشد احتمال حدوث تحول مستقبلي، مشيرًا إلى أن "إضعاف إيران نتيجة الحرب أو العقوبات قد يفتح نافذة لإعادة التوازن داخل العراق"، إلى جانب عامل آخر يتمثل في استمرار الرقابة الأميركية على العوائد النفطية العراقية التي تمر عبر النظام المالي الدولي، وهو ما يمنح واشنطن نفوذًا غير مباشر على إدارة الموارد.

وتأتي هذه التحليلات في ظل تصاعد التوتر مع دول الخليج التي استدعت سفراء العراق وقدمت مذكرات احتجاج على خلفية هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية. كما أقر وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في تصريحات سابقة، بتلقي بلاده اتصالات من دول عربية، لا سيما خليجية، أعربت عن رفضها لهذه الهجمات، مؤكدًا أن ذلك "لا يخدم مصلحة العراق".

ومنذ اندلاع التصعيد الإقليمي في 28 فبراير/ شباط 2026، كثّفت فصائل عراقية مسلحة هجماتها باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستهدفة ما تصفه بـ"قواعد العدو" في العراق والمنطقة، في تطور يعمّق من تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، ويضع بغداد أمام تحدٍ متزايد لضبط التوازن بين التزاماتها الإقليمية وسيادتها الداخلية.