يقتات على رسوم العضوية.. لماذا تعثر مجلس ترامب للسلام مبكرًا؟

لم يحقق المجلس أي إنجاز عملي سوى إرسال دعوات للدول من أجل الانضمام إليه
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير/كانون الثاني 2026 عن تأسيس ما سماه "مجلس السلام"، روج لهذه الهيئة الجديدة بوصفها منصة دولية تتجاوز الأمم المتحدة وتضعه شخصيًا في صدارة إدارة النزاعات.
منذ ذلك الحين، لم يحقق المجلس أي إنجاز عملي سوى إرسال دعوات للدول من أجل الانضمام ودفع اشتراكات مليارية لقبولها فيه، إضافة إلى تشكيل هيئات عديدة لم تنفذ أي خطوات عملية.

أين المجلس؟
ولد المجلس في أجواء احتفالية، وعقد أول اجتماع له في واشنطن يوم 19 فبراير/شباط 2026، وجاء تشكيله ضمن المرحلة الثانية من خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، المؤلفة من 20 بندا، والمدعومة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.
وفي 16 يناير/ كانون الثاني 2026، أعلن البيت الأبيض اعتماد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع التي تشمل "مجلس السلام" و"مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية".
وأعلن ترامب خلال الاجتماع الافتتاحي أن تسع دول تعهدت بحوالي 7 مليارات دولار لصندوق إعادة إعمار غزة، وأن الولايات المتحدة ستسهم بـ10 مليارات دولار.
الدول الخليجية الأربع – قطر والسعودية والكويت والإمارات – تعهدت كل منها بمليار دولار، بينما قدمت الإمارات تعهدًا أكبر بلغ 1.2 مليار.
في تلك اللحظة بدا المجلس وكأنه سيجمع تلك المليارات وسيقود إعادة الإعمار ويشكل قوة استقرار دولية يشارك فيها آلاف الجنود، لكن بعد أسابيع، تبددت صورة المنصة الدولية.
إذ قال تقرير لوكالة رويترز في 10 أبريل/نيسان 2026 إن ما وصل إلى المجلس حتى الآن أقل من مليار دولار، وأن الدول الوحيدة التي دفعت فعليًا كانت الإمارات والمغرب والولايات المتحدة، بينما لم تدفع الدول الخليجية الأخرى شيئًا. ونقلت عن مصدر مطلع أن "حرب إيران أثرت على كل شيء".
وأعلن رئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو في 23 مارس/آذار رفض بلاده الإسهام ماليا في “مجلس السلام”، مبينا: "قيل لنا إن هناك نوعين من العضوية. إذا أردتم أن تكونوا أعضاء دائمين أو مميزين، فعليكم دفع مليار دولار. لكنني لم أقل أبدا إننا مستعدون لدفع هذا المبلغ".
كما أن السلطات الإندونيسية – التي تعهدت بإرسال 8 آلاف جندي – اعترفت بأن كل النقاشات مع مجلس السلام معلقة لأن "الاهتمام كافة تحول إلى الوضع في إيران"، في تأكيد على أن الحرب الإقليمية دفعت ملف إعادة إعمار غزة إلى الخلف.
حتى الاتصالات مع حركة المقاومة الإسلامية حماس تعثرت، ففي منتصف مارس، كشفت رويترز أن مبعوثي المجلس عقدوا لقاءً سريًا مع قيادات الحركة في القاهرة بهدف إنقاذ وقف إطلاق النار المتعثر بعد بدء الحرب مع إيران.
في هذه الأثناء لم يتمكن المجلس من إدخال اللجنة الفلسطينية إلى غزة والتي شكلت بالأساس لإدارة القطاع، ولا من تنفيذ وعوده بإعادة افتتاح معبر رفح بالشكل الطبيعي.
يُضاف إلى الأزمة المالية الغياب السياسي الدولي؛ إذ أشار تقرير لصحيفة الغارديان إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي ورؤساء حكومات بريطانيا وألمانيا وفرنسا، رفضوا دعوات ترامب للمشاركة، فيما انضم إلى الاجتماع الافتتاحي قادة من الشرق الأوسط وآسيا وأميركا الجنوبية.
الصحيفة لخصت الموقف الأوروبي بأنه رفض لمشروع "غير واضح التمويل" يتيح لترامب جمع تبرعات من حكومات استبدادية مقابل مقاعد دائمة. ومع بداية الحرب الإيرانية تراجع الاهتمام الدولي بالمجلس، فأصبح مجرد خبر عابر.

لماذا تعطل؟
تتجاوز أزمة المجلس نقص التمويل، فهي بنيوية وسياسية، وأولها يتمثل في ميثاقه نفسه، الذي يعطي الرئيس الأميركي سلطة حصرية لدعوة الدول وتحديد جدول أعمالها، ويمنحه حق نقض قرارات المجلس التنفيذي وحله، كما يسمح له بإزالة أعضاء أو تجديد عضويتهم.
ويوضح ميثاق المجلس أن مدة العضوية ثلاث سنوات، لكن من يدفع أكثر من مليار دولار في السنة الأولى يحصل على عضوية دائمة، وهو شرط أثار انتقادات بأنه يحوّل العضوية إلى امتياز مالي، ويضعف ادعاءه بأنه إطار متساوٍ بين أعضائه.
وأيضا، يفتقر المجلس إلى الشفافية والرقابة المستقلة، ففي تحليل لمعهد كارنيغي، لفت خبراء إلى أن طريقة إدارة الأموال ما زالت غامضة، فهذه المنصة الدولية لم تحدد بوضوح ما إذا كانت المساهمات هي رسوم عضوية أم تبرعات لإعادة إعمار غزة.
وانتقد هؤلاء تعيين ترامب لنفسه رئيسًا دائمًا، واختيار مجلس تنفيذي يضم صهره جاريد كوشنر ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا وعددًا من رجال الأعمال.
ورأى التحليل أن غياب آليات رقابة دولية يجعل من الصعب على الدول المانحة الوثوق في أن أموالها لن تستخدم لأغراض سياسية.
فضلا عن ذلك، ينتقد كثيرون النقص الواضح في التمثيل الفلسطيني، فالمجلس شكّل لجنة فنية فلسطينية لكنها ظلت عالقة في القاهرة دون سلطات، وتعترف بتصريحات أنها لا تملك موارد أو صلاحيات للدخول إلى غزة.
كما أشار تقرير لمركز بريتون وودز (منصة رقابية/مناصرة من المجتمع المدني مقرها لندن) إلى أن دور البنك الدولي يقتصر على إدارة صندوق ائتماني، بينما القرار النهائي حول استخدام الأموال يبقى بيد المجلس، ما يعني أن الفلسطينيين يظلون على هامش القرارات المتعلقة بإعمار بلدهم.
هذا الترتيب دفع منظمات مدنية إلى اتهام المجلس بأنه يسعى لخصخصة عملية الإعمار وتحويلها إلى مشروع استثماري.
يضاف إلى ذلك الظروف الإقليمية والسياسية، فقبل الحرب، كانت الدول المانحة مترددة في دفع الأموال حتى توافق حماس على نزع السلاح أو تُدار الأموال عبر الأمم المتحدة.
ونقل تقرير لرويترز في 4 فبراير/شباط 2026 عن دبلوماسيين غربيين أن "لا دولة أوروبية أو غربية قدمت تعهدًا" حتى ذلك التاريخ، وأن بعض الدول الخليجية أرادت أن يتولى الأمم المتحدة أو البنك الدولي إدارة الأموال.
وقدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير ما تم جمعه، مما جعل التعهدات الأولية تبدو رمزية.
كما أثارت بنية المجلس نفسها مخاوف من تقويض النظام الدولي، إذ نقلت صحيفة الغارديان عن دبلوماسيين قولهم إنه قد يسمح لترامب بتجاوز مجلس الأمن واستخدامه كمنبر سياسي.
وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نفسه من أن قرار مجلس الأمن الذي أيد إنشاء هذه المنصة الدولية يتعلق فقط بغزة، وأنه لا يمنح الهيئة صلاحيات عالمية، ما يعني أن أي محاولة لتوسيع نفوذها ستكون خارج الشرعية الدولية.

المجلس إلى أين؟
مع انشغال الولايات المتحدة بترتيبات ما بعد الحرب على إيران، يبدو مستقبل مجلس السلام في مهب الريح وخاصة مع ضعف استجابة قادة العالم له.
تقول وكالة أسوشيتد برس الأميركية: “قبل فترة وجيزة، انطلق مجلس السلام، بنوايا شاملة لحل ليس فقط غزة، بل أيضًا النزاعات الأخرى التي قد تنشأ في أنحاء العالم. وبعد تسعة أيام من الاجتماع الأول له، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران”.
وأردفت: “لم يجتمع مجلس السلام مجددًا، ولا يزال ينتظر ردّ حماس على مقترحه بشأن نزع السلاح، وهو تنازل كبير وربما أصعب خطوة؛ إذ ينصّ ميثاق الحركة على تدمير إسرائيل”.
وقال مسؤول أميركي لم يكشف عن اسمه للوكالة: إن حماس لم تُمنح مهلة محددة للرد على المقترح، لكنه أضاف أن "الصبر ليس بلا حدود".
وأوضحت أسوشيتد برس أنه "قد يُضعف غياب مهلة محددة الضغطَ للتحرك، وفي الوقت نفسه، تنشغل الجهود الدبلوماسية بإخماد توترات أخرى.
وقال مبعوث مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، أمام مجلس الأمن الدولي إنه لا ينبغي للعالم أن يغفل عن غزة مع اندلاع حرب جديدة.
وأضاف أن الخيار في غزة محصور بين "حرب متجددة، أو بداية جديدة، بين الوضع الراهن، أو مستقبل أفضل. لا يوجد خيار ثالث".
وأحجم كبار الحلفاء الغربيين عن الانضمام إلى المجلس بسبب الشك في الولاية الموسعة له والخشية من أن ينافس الأمم المتحدة، وفق رويترز، وهو ما يعني أن مساره كان متعثرًا قبل حرب إيران أصلًا، لكن الأخيرة زادت من ضعفه.
ورأى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS خلال تقرير في 4 فبراير أن اتساع المجلس إلى آلية عالمية خارج الأمم المتحدة، مع مركزية السلطة بيد ترامب، أضر بشرعيته ودفع دولًا كبرى إلى التردد أو الرفض.
وبين المعهد: “هذا الضعف قد لا ينسف تنفيذ خطة غزة فورًا، لكنه على المدى المتوسط والبعيد قد يقلص الدعم السياسي والمالي، ويضعف القدرة على التنفيذ، ويزيد خطر الفشل أو التراجع التدريجي، بل ويعيد مسؤولية غزة إلى إسرائيل فعليًا أو في التصور الدولي”.
فيما أوضح تقدير موقف للمركز العربي للدراسات في واشنطن في 19 فبراير، أن المجلس "من غير المرجح أن ينجو بعد رئاسة ترامب"، لأن العملية كلها شُخصنت حول الرئيس نفسه، ما يثير سؤالًا: لماذا تستثمر الأطراف وقتًا ورأس مال سياسيًا في بنية قد لا تعيش بعد صاحبها؟
بدورها، تنظر مؤسسة واشنطن البحثية إلى المجلس من زاوية مختلفة: ليس هل يبقى أو يختفي، بل ما الشروط التي تجعله قابلًا للحياة.
وقالت إن كل شيء سيرتبط بمقاربة موثوقة لنزع سلاح غزة، وبإطلاق قوة الاستقرار الدولية، وبقدرة المجلس على قيادة التنفيذ.
وبينت أن نجاح لجنة التكنوقراط الفلسطينية يتوقف على تحقيق إنجازات سريعة وملموسة، وإن فشلها سيعرض الخطة كلها للخطر.
المصادر
- Trump’s Board of Peace: An Initiative for the Gaza Strip or an Alternative to the UN?
- Gaza marks 6 months of a ceasefire that may offer lessons for the Iran war
- Banga’s decision to join US-led Board of Peace raises questions about World Bank’s commitment to multilateralism
- Getting to Phase 2 in Gaza: Red Lines and Recommendations
- Phase Two’s Baked-In Failure: Why the Chances for Trump’s Gaza Plan Are Dim
- Major European allies decline to join first meeting of Trump’s Board of Peace
- Explainer: What is Trump's 'Board of Peace' and how have nations responded to it?
- Trump's peace board faces cash crunch, stalling Gaza plan, sources say
















