درع شعبي لصد المستوطنين.. لماذا يلاحق عباس "حراس القرى" في نابلس؟

حسن عبود | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

مع تصاعد جرائم وانتهاكات المستوطنين الإسرائيليين، أعاد شبان فلسطينيون تفعيل لجان حراسة شعبية في شرق نابلس شمال الضفة الغربية، وهي شبكات محلية اختفت أخيرا بفعل ملاحقة الاحتلال والسلطة الفلسطينية لها على حد سواء. 

ففي أعقاب هجوم للمستوطنين على قرى شرق نابلس في مارس/آذار 2026، شكّل شبان من قرى دير الحطب وسالم وعزموط لجان حراسة شعبية لحماية بلداتهم وسط مخاوف من تكرار الاعتداءات التي أسفرت عن إحراق منازل ومركبات وإصابة عدد من السكان.

فما قصة هذه اللجان وأين اختفت؟ وما أهميتها اليوم في ظل اعتداءات المستوطنين، وكيف أسهمت السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس في إجهاضها؟

ماهية اللجان

لجان الحراسة الشعبية، شبكات محلية تشكلها المجتمعات الفلسطينية لحماية القرى من هجمات المستوطنين أو اقتحامات جيش الاحتلال الإسرائيلي.

تعود جذورها إلى الثورة العربية الكبرى 1936، فعندما كانت السلطات البريطانية تمنع الفلسطينيين من حمل السلاح، نظم الأهالي لجانًا ليلية تحرس مداخل القرى وتقرع أجراس الكنائس أو تكبّر من المآذن عند اقتراب الخطر. 

خلال الانتفاضة الأولى (1987 - 1994)، تبنّت بعض القرى هذا النموذج عبر حراسة الطُرقات وإطلاق صافرات إنذار، لكن ذروة عودة اللجان كانت بعد جريمة إحراق المستوطنين منزل عائلة دوابشة في قرية دوما جنوبي نابلس عام 2015، فقتلوا أسرة بأكملها ونجا طفل وحيد.

حينها تشكّلت لجان في بلدات مثل قُصرة شرقي نابلس، فاختار الشبان نقاط مراقبة عند مداخل البلدة، واستخدموا منارات المساجد والهواتف للدعوة إلى الدفاع الجماعي.

عام 2014 كانت قُصرة قد شهدت واحدة من أشهر الاشتباكات؛ حيث نصب حراسها كمينًا لمجموعة من المستوطنين المسلحين واحتجزوهم حتى حضرت قوات الاحتلال لاستعادتهم، ما أدى إلى تراجع الاعتداءات فترة طويلة.

آلية عمل هذه اللجان بسيطة لكنها فعالة؛ إذ ينقسم عشرات المتطوعين إلى مجموعات تحرس ليلاً عند المداخل أو الحقول القريبة من المستوطنات، يستخدمون مصابيح يدوية وصفارات وأحيانا مكبرات صوت للإنذار، ويُنظمون أنفسهم عبر جداول ومناوبات. 

في بلدة المغيّر شمال رام الله مثلًا، يعمل أحيانًا بعض الشبان، وإذا رصدوا مستوطنين يرسل أحدهم إشعارًا على تطبيق تراسل أو من خلال نداءات المساجد فيستجيب سكان القرية فورًا ويهرعون إلى المكان.

وتعتمد اللجان على شباب يعيشون قرب المناطق المهددة، ولا يحملون أسلحة نارية؛ لأن ذلك يعرّضهم لإطلاق نار مباشر من جيش الاحتلال، ولذلك يكتفون بالعصي أو الحجارة وبعض معدات الحماية. 

وتعد هذه الأدوات البسيطة عنصر قوة؛ لأنها تبني استجابة شعبية واسعة، لكنها أيضًا عامل ضعف بسبب نقص الموارد والتدريب اللذين يمكنهما صد مجموعات كبيرة من المستوطنين.

وفي خطوتهم الأخيرة، شكّل السكان في قرى شرق نابلس مجموعة تضم نحو عشرين متطوعًا يتناوبون على حراسة المنازل الواقعة قرب طريق المستوطنين.

وقال الناشط أحمد حسين أحد المشاركين في لجنة الدفاع عن قرية دير الحطب: إن اللجنة تستخدم كاميرات مراقبة بسيطة وصفارات إنذار مرتبطة بتطبيقات تراسل، وإنها تعيد تجربة لجان عام 2015 لكن بقدر أكبر من الحذر بسبب تغير أساليب المستوطنين.

يضيف لـ"الاستقلال" أن عودة اللجنة ليست حدثًا عابرًا بل دليل على فراغ الحماية في تلك المناطق. مبينا أن هذه اللجان نجحت سابقًا في ردع المستوطنين لكن أُجبرت على التوقف بسبب ضغوط متعددة.

قمع الاحتلال والسلطة

وعلى الرغم من نجاحها في تقليل الاعتداءات، تراجعت لجان الحراسة تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، وكان قمع جيش الاحتلال أحد الأسباب الرئيسة. 

ففي قُصرة، استشهد شاب وأصيب آخرون خلال حراسة ليلية عام 2017 بعدما أطلق جنود إسرائيليون النار عليهم. 

وأثنت المطاردة الإسرائيلية وملاحقات السلطة الفلسطينية كثيرين عن المشاركة، وأصبح من المعتاد أن يتعرض أعضاء اللجان للاعتقال أو لإطلاق النار أثناء الليل.

ويقول أحمد حسين: إن الإرهاق والانشغال بالأعمال وظروف الحياة اليومية جعل الاستمرارية صعبة، خاصة في ظل غياب دعم مالي أو تدريب ميداني لمواجهة المستوطنين.

لكن التحدي الأكبر جاء من داخل النظام السياسي الفلسطيني ذاته، فوفقًا لشهادات ناشطين، استدعت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعض المشاركين في اللجان وطلبت منهم التوقف، عادة تلك اللجان حالة “خارجة عن السيطرة”، بحسب ما نقل موقع الشاهد المحلي. 

ورفض حسين التعليق على ملاحقات السلطة الفلسطينية، مكتفيا بالقول: إن الاحتلال كان المتسبب الأول في دفع الشبان للتراجع بعد قتله عددا منهم أثناء الحراسة الليلية.

لكن روى العديد من الناشطين شهادات باستدعائهم من قبل جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني ما دفعهم للتوقف لاحقا. خاصة في ظل استمرار التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة.

وترفض السلطة أي تشكيلات شعبية غير خاضعة لها، رغم أن قيادات من المحافظات وحركة التحرير الوطني “فتح” والحكومة دعت في مناسبات عدة إلى تشكيل لجان حماية. 

فقد أعلنت حركة فتح رسميًا عام 2023 أنها بصدد إعادة تفعيل لجان الحماية وأنها تعمل في القرى القريبة من المستوطنات، بل إن بعض القيادات المحلية أقرت بأن هناك محاولات لاحتواء هذه اللجان وتحويلها إلى أذرع تنظيمية بدلاً من تركها كمبادرات مجتمعية لكن على الأرض ظل الدعم محدودًا.

وحاولت السطلة الفلسطينية أحيانًا استثمار شعبية اللجان في خطابها السياسي من دون تزويدها بموارد حقيقية. 

في بلدة حوارة مثلاً، شكّل الشبان لجنة تطوعية ضمت مئتي متطوع نجحوا في صد مجموعة من سبعين مستوطنًا، لكنهم ناشدوا السلطة أن تفرغ عناصر من قوات الأمن الوطني لحراسة القرى بدل الاكتفاء بدور المتفرج. 

في المقابل كان موقف الحكومة يتمثل في تشجيع اللجان إعلاميًا فقط، بينما تركز الأجهزة الأمنية على ملف “التنسيق الأمني” مع إسرائيل. 

هذه المفارقة دفعت العديد من الناشطين والنخب ومن بينهم الأكاديمي بجامعة بيرزيت، سامح أبو عواد، إلى الدعوة علنًا لتفكيك الأجهزة الأمنية وتحويل ميزانياتها إلى تشكيل لجان مسلحة لحماية القرى.

واتفق معه الناشط بشار القريوتي بالقول: إن الهجمات الاستيطانية تسعى إلى تهجير سكان القرى وأن الرد هو تنظيم الشباب لحماية أراضيهم، وفق ما نقلت شبكة الصحافة الفلسطينية. 

حاجة ملحة

ارتفاع وتيرة جرائم وانتهاكات المستوطنين الإسرائيليين في السنوات الأخيرة جعل الحاجة إلى مبادرات حماية شعبية أكثر إلحاحًا.

وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن شهر مارس 2026، سجّل أكبر عدد من الإصابات الفلسطينية بسبب اعتداءات المستوطنين منذ 20 عامًا، بما في ذلك إحراق منازل في دير الحطب وفندقومية وتدمير خطوط مياه في ترمسعيا. 

وخلال أسبوع واحد، أحصت بعثة الأمم المتحدة 47 هجومًا لمستوطنين في 36 تجمعًا فلسطينيًا خلّفت 36 مصابًا وأضرارًا في المنازل والبنية التحتية.

وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، شهدت الضفة الغربية منذ بداية العام 2023 وحتى 6 أبريل/نيسان 2026 أكثر من 580 هجومًا للمستوطنين أدت إلى إصابات أو أضرار في الممتلكات، وتسببت بتهجير 5700 فلسطيني. 

وأشار تقرير آخر للمكتب إلى أن 1697 فلسطينيًا نزحوا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 بسبب “العنف الاستيطاني” والقيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين.

وتبرز هذه الأرقام أن الاعتداءات لم تعد حوادث متفرقة بل سياسة ممنهجة تتصاعد مع دعم وزراء يمينيين إسرائيليين للمستوطنين. 

كما أن الهجمات أصبحت أكثر تنظيمًا، ففي الاعتداء الذي استهدف قرى دير الحطب وفندقومية في مارس 2026، أحرق المستوطنون ثلاثة منازل وقطعوا خطوط المياه وتركت العائلات بلا مأوى، كما حدثت اعتداءات مشابهة في ترمسعيا ومناطق حول رام الله ونابلس.

أمام هذا الواقع، يطالب الأهالي بتفعيل لجان الحراسة أو إنشاء بدائل، إذ يقول شبان شرقي نابلس الذين أعادوا لجنتهم: إن اللجنة أبعدت المستوطنين مؤقتًا، لكنها بحاجة إلى دعم أكبر كي تتوسع إلى قرى أخرى.

ويرى بعض الناشطين أن اللجان يجب أن تبقى مبادرات ذاتية كي تحافظ على ثقة الناس وتتجنب قمع السلطة، فيما يطالب آخرون بتسليحها بأسلحة مرخصة ونقل عناصر من الأجهزة الأمنية إليها.

وقال محافظ نابلس غسان دغلس الذي تفقد آثار الدمار في دير الحطب: "رسالة المستوطنين هي الحرق والقتل، بينما رسالتنا الصمود والمواجهة". 

وصرح مدير عام دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة عام 2023 بأن الهيئة تشجع تشكيل اللجان لكنها لا تملك عددًا كافيًا من الموظفين لتغطية كل المناطق. 

ومع ذلك، فإن عودة اللجان ليست حركة واسعة بعد، فهي محاولات محلية تظهر في أوقات الأزمات ثم تخفت، إذ إن النقص في التمويل والدعم القانوني، بالإضافة إلى الخوف من الاعتقال، يحدّ من توسعها. 

ومع ذلك فإن عودتها تحمل معنى سياسيًا؛ إذ تعبر عن عجز السلطة عن توفير حماية فعلية للقرى، وعن وعي شعبي بضرورة الاعتماد على الذات كخيار وحيد لصد المستوطنين.