بين الشرق والغرب.. إلى أي مدى يمكن لسوريا أن تصبح محورًا للتجارة العالمية؟

مصعب المجبل | منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في لحظة دولية تتزايد فيها هشاشة الممرات الحيوية للتجارة والطاقة، تبرز سوريا مجددًا على خريطة الاهتمام الإقليمي والدولي، ليس فقط كساحة صراع، بل كمرشح محتمل للعب دور محوري في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتوريد بين الشرق والغرب.

ويتقاطع الموقع الجغرافي الإستراتيجي لسوريا مع توجهات دمشق الرامية إلى تحويل البلاد إلى عقدة لوجستية مركزية تربط منطقة الخليج بأوروبا عبر البحر المتوسط، وذلك في إطار تصورات مدعومة باتفاقيات إقليمية ومشاريع بنية تحتية كبرى يُعوَّل عليها في حال توافر الظروف السياسية والأمنية الملائمة.

 سلاسل التوريد

وفي هذا السياق، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية عُقدت على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في 17 نيسان/أبريل 2026، أن حجم التحديات التي تواجهها المنطقة يتطلب حلولًا استثنائية تتناسب مع خطورتها وتعقيداتها.

وأضاف الشرع: “أصبحنا اليوم نتحدث عن الاستثمار داخل سوريا بدلًا من الحديث عن النزاعات والصراعات”، مشددًا على أن سوريا لم تعد “صندوق بريد” للصراعات، بل باتت فرصة حقيقية للاستقرار والتنمية، وأضحت محط أنظار العالم في ما يتعلق بأمن سلاسل التوريد بين الشرق والغرب.

ولفت الرئيس السوري إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمثل أحد أبرز عوامل الجذب الاستثماري في المرحلة الحالية، إلى جانب خبرات متنوعة تراكمت خلال السنوات الماضية وأسهمت في دعم مسارات التنمية الاقتصادية، مضيفًا أن سوريا تعتمد على ماضيها في رسم مستقبلها، وأنها ستعود دولة مزدهرة.

وفي سياق متصل، وقّعت كل من الأردن والإمارات، في منتصف نيسان/أبريل 2026، اتفاقيات للبدء بتنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة، أحد أضخم مشاريع النقل في الأردن خلال الـ25 عامًا الماضية. وأشير إلى أن المشروع يمهد لربط المملكة الأردنية بالدول العربية المجاورة، وربط ميناء العقبة بموانئ سوريا والبحر المتوسط، ضمن رؤية أوسع لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

كما شهد الشهر ذاته توقيع وزير النقل السوري يعرب بدر ونظيريه الأردني نضال القطامين والتركي عبد القادر أورال أوغلو مذكرة تفاهم ثلاثية، تهدف إلى تعزيز التعاون والتكامل في قطاع النقل بين الدول الثلاث.

وتهدف المذكرة إلى تطوير منظومة نقل إقليمية متكاملة تسهم في تسهيل حركة الأفراد والبضائع، ورفع كفاءة سلاسل التوريد، وتعزيز موقع المنطقة كمحور لوجستي يربط الأسواق الإقليمية والدولية، بما يعزز تنافسيتها على خريطة التجارة العالمية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الأردنية “بترا”.

وقد أظهر تعطل الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، أهمية متزايدة للممرات البرية، حيث يمكن لسوريا أن تستفيد من موقعها الجغرافي الفريد لربط آسيا بأوروبا ومنطقة الخليج بالبحر الأبيض المتوسط.

وفي هذا الإطار، يمكن للموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، لا سيما ميناءي اللاذقية وطرطوس، أن تؤدي دورًا محوريًا كبوابات بديلة للتجارة الإقليمية والدولية.

كما أنه، وبعد تعذر تصدير العراق الجزء الأكبر من المحروقات عبر مضيق هرمز على وقع الحرب في الشرق الأوسط، الناتجة عن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران التي اندلعت في نهاية فبراير/شباط 2026، أعلنت بغداد مطلع نيسان/أبريل من العام نفسه بدء نقل النفط بصهاريج عبر الأراضي السورية تمهيدًا لتصديره عبر مسارات بديلة.

وبموجب اتفاق جديد بين بغداد ودمشق، يتم نقل النفط العراقي إلى مصفاة بانياس على الساحل السوري للبحر المتوسط، حيث يُستخدم جزء منه لتأمين احتياجات محطات توليد الكهرباء، بينما يُصدَّر الفائض عبر الموانئ السورية.

وبحسب نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول المهندس أحمد قبه جي، فإن “سوريا تأخذ من الفيول ما تحتاجه لتشغيل محطات الكهرباء، بينما يتم تصدير الفائض”.

وتُعد مبيعات النفط أكثر من 90% من إيرادات العراق، العضو في منظمة “أوبك”، والذي كان يصدر في السابق ما معدله 3.5 ملايين برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب الأخيرة على إيران؛ حيث كان الجزء الأكبر من الصادرات يمر عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية المطلة على الخليج.

وقد أدى تصاعد التوترات والحرب إلى اضطراب في حركة الملاحة عبر البوابات الخليجية الرئيسة مثل ميناء جبل علي في دبي وميناء أبوظبي وميناء الدمام في شرق السعودية، ما دفع بعض السفن إلى تغيير مساراتها نحو موانئ جنوب المضيق في سلطنة عُمان والإمارات.

بنية جديدة

إن أي اضطراب في مضيق هرمز، المطل على كل من إيران وسلطنة عُمان، والذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية يوميًا، ينعكس سريعًا على الأسواق الدولية، مسببًا صدمات في الأسعار، وتهديدًا مباشرًا لاستقرار اقتصادات الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.

ويعزز هذا الواقع من أهمية إعادة التفكير في مسارات التجارة والطاقة، والعمل على تنويعها، إلى جانب تطوير بدائل برية وبحرية أكثر مرونة وأمانًا ضمن منظومة النقل العالمية، بما يقلل من الاعتماد على الممرات التقليدية شديدة الحساسية والتقلبات الجيوسياسية.

وفي هذا الإطار، فإن إنشاء أي ممر للتجارة الدولية يربط بين دول الخليج، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، وبين الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط، يضع سوريا في موقع يمكن أن يشكل نواة محورية لهذا الربط عبر موانئها على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

وفي يوليو/تموز 2025، وقّعت سوريا اتفاقية بين الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية وشركة “موانئ دبي العالمية” بقيمة 800 مليون دولار، بحضور الرئيس أحمد الشرع خلال مراسم التوقيع.

وتشهد المنافذ البرية والبحرية في الجمهورية العربية السورية مرحلة إعادة تنظيم وتحديث إداري ولوجستي، بعد سنوات من التراجع والتدمير وسوء الإدارة خلال فترة حكم نظام بشار الأسد المخلوع.

كما وقّعت دمشق في مايو/أيار 2025 عقدًا لمدة 30 عامًا مع شركة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، في خطوة تعكس توجهًا نحو إشراك شركات دولية كبرى في إدارة الموانئ.

وفي الشهر نفسه، أعلنت الحكومة السورية توقيع اتفاق ومذكرة تفاهم في قطاع الطاقة مع ائتلاف يضم أربع شركات دولية، بقيمة إجمالية بلغت سبعة مليارات دولار، في إطار خطط إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية.

وبحسب رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية قتيبة بدوي، وفق ما نقلته قناة “الإخبارية”، فإن الحكومة السورية وقّعت اتفاقًا مهمًا مع شركة “موانئ دبي العالمية”، المصنفة ضمن أكبر الشركات العالمية في إدارة وتشغيل الموانئ.

وأوضح بدوي أن الاتفاق ينص على ضخ 200 مليون دولار في المرحلة الأولى لتطوير ميناء طرطوس، تشمل تحديث البنية التحتية وشراء معدات حديثة ومتطورة.

وأضاف أن المراحل اللاحقة من المشروع ستشهد استثمارات إضافية بقيمة 600 مليون دولار، ما يعكس جدية الشركة في التوسع داخل قطاع الموانئ السورية.

وأشار إلى أن “موانئ دبي العالمية” أرسلت بالفعل فرقًا فنية متخصصة لإجراء دراسات ميدانية شاملة لاحتياجات ميناء طرطوس، تمهيدًا لبدء التنفيذ.

وتوقع بدوي وصول المعدات الحديثة إلى الميناء خلال ثلاثة أشهر، وهو ما من شأنه تقليص زمن تفريغ السفينة الواحدة من نحو ستة أيام إلى يوم واحد فقط، بما يرفع كفاءة التشغيل بشكل كبير.

مقومات وجهود

ويؤكد المراقبون أن تحديث شبكة الطرق الدولية التي تمر عبر سوريا، واستثمارها لضمان تدفق سلس للبضائع، من شأنه أن يسهم في تقليل تكاليف النقل واختصار زمن الشحن، الأمر الذي يعزز من جاذبية سوريا كممر تجاري إقليمي محتمل.

وضمن هذا السياق، يؤكد الباحث الاقتصادي رضوان الدبس، في حديثه لـ"الاستقلال"، أنه حتى تصبح سوريا "محط أنظار العالم في أمن سلاسل التوريد بين الشرق والغرب"، فإن ذلك يتطلب عملاً كبيرًا وجهدًا واسعًا، رغم وجود مقومات داخلية يمكن أن تدعم هذا التوجه.

ويضيف الدبس: "المقوم الأول والأساسي هو الموقع الجغرافي؛ فسوريا تمتلك موقعًا إستراتيجيًا مهمًا؛ إذ تشرف على سواحل البحر المتوسط، وهي قريبة جدًا من موانئ أوروبا. كما تحدها تركيا من الشمال، والعراق من الشرق، وتقترب من الحدود السعودية، حيث يمكن الوصول إلى أسواق الخليج العربي خلال وقت قصير عبر الأردن".

ويتابع: "كما أن سوريا تُعد قريبة نسبيًا من قناة السويس، وبالتالي من القارة الإفريقية، ما يعزز من أهمية موقعها الجغرافي. هذا الموقع يشكل عاملًا مساعدًا أساسيًا، لكنه وحده غير كافٍ لتحقيق الهدف".

ويلفت الدبس إلى أنه "لتحقيق هذا الدور، لا بد من توافر مجموعة من المقومات الإضافية، في مقدمتها تطوير البنية التحتية، بحيث تصبح سوريا مركزًا تجاريًا فعليًا. ويتطلب ذلك إنشاء شبكة سكك حديدية قوية تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، مع إمكانية إحياء الخط الحجازي لربط البضائع القادمة من الخليج، مرورًا بالسعودية والأردن، وصولًا إلى سوريا، ومنها إلى تركيا أو إلى الساحل السوري".

ويضيف: "تبرز هنا أهمية تطوير الموانئ، مثل ميناءي طرطوس واللاذقية، عبر تحديثهما وتوسيع قدراتهما باستخدام أحدث التقنيات، ليصبحا قادرين على استقبال وتصدير الحاويات بكفاءة عالية، خاصة في ظل هدف ربط الخليج والعراق بالأسواق العالمية".

كما يشير إلى أن "شبكة السكك الحديدية الحالية تحتاج إلى إعادة تأهيل شامل، إذ إن معظمها قديم ومتهالك. ويمكن العمل على مسارين رئيسين: الأول يربط إسطنبول عبر حلب ودمشق إلى الأردن، ثم إلى شمال السعودية وصولًا إلى مكة والمدينة، والثاني يمتد من الرياض والمنطقة الشرقية باتجاه الحدود السعودية، مع إمكانية ربطه بالأردن ثم بسوريا، بما يتيح نقل البضائع من الخليج عبر السكك الحديدية".

ويؤكد الدبس أن "الطرق البرية لا تقل أهمية عن السكك الحديدية، إذ إن النقل بالشاحنات يتطلب بنية تحتية حديثة قادرة على استيعاب الضغط الكبير. وقد ظهر ذلك مؤخرًا مع عبور مئات الشاحنات يوميًا من العراق إلى سوريا، ما يستدعي تطوير الطرق، والمداخل والمخارج، والطرق الدائرية، إضافة إلى تجهيز استراحات وخدمات للسائقين تشمل الصيانة والطعام والرعاية الصحية".

ويرى أيضًا أن "الاستقرار الأمني والسياسي يُعد عاملًا حاسمًا، إذ لا يمكن لأي شركة أو دولة الاعتماد على سوريا كممر تجاري في ظل وجود مخاطر أمنية، والاستقرار الأمني يرتبط مباشرة بالاستقرار السياسي".

وفي هذا الصدد، يوضح الدبس أن "تطوير المطارات يمثل عنصرًا مهمًا في سلاسل التوريد، فالنقل الجوي يلعب دورًا أساسيًا، وبالتالي ينبغي تجهيز مطارات دمشق وحلب واللاذقية ودير الزور لتكون قادرة على دعم حركة الشحن الجوي بكفاءة عالية".

كما يشير إلى ضرورة "تعزيز العلاقات الدولية والانخراط في المنظمات الاقتصادية العالمية، مثل منظمة التجارة العالمية، وبناء علاقات متينة مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودول الخليج، لما لذلك من أثر في تسهيل التجارة والتمويل وضمان حركة البضائع".

ويؤكد الدبس في ختام حديثه أنه "لا يوجد شيء مستحيل، لكن حجم العمل المطلوب كبير جدًا، وإذا لم يتم تنفيذه بالشكل الصحيح فلن تتمكن سوريا من لعب دور عقدة رئيسة في سلاسل التوريد العالمية".

ويضيف: "في حال نجاح هذه الجهود، يمكن لسوريا أن تصبح بديلًا جزئيًا لبعض الممرات الإستراتيجية مثل مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس، عبر نقل البضائع من الخليج عبر السعودية والأردن إلى الموانئ السورية على البحر المتوسط".

ويختم بالقول: إن "هذا الهدف ليس سهلًا، ويتطلب استثمارات وجهودًا كبيرة، لكنه إذا تحقق سيجعل سوريا مركزًا محوريًا في التجارة العالمية لعقود قادمة".