السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.. احتواء متعثر وأزمة بلا حسم

مصطفى كمال | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

دخلت الأوضاع في جنوب اليمن نفقاً جديداً من التوتر المكتوم، وذلك بعد أكثر من ثلاثة أشهر من قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي ومغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي للبلاد؛ حيث لا تزال الأوضاع تراوح مكانها عند مستوى عالٍ من الهشاشة والاضطراب، في مشهد يعكس تعقيدًا بنيويًا يتجاوز التقديرات الأولية التي سادت عقب تلك التطورات.

فعلى خلاف الرهانات التي علّقتها الحكومة الشرعية اليمنية وحليفتها السعودية على أن يؤدي تفكك المجلس إلى إضعافه أو تفريغ نفوذه، تُظهر الوقائع استمرار حضوره السياسي والشعبي، وقدرته على إعادة إنتاج نفسه كفاعل مؤثر في المعادلة الجنوبية، مستفيدًا من شبكة النفوذ التي راكمها خلال سنوات سابقة.

على الصعيد العسكري، لا تزال التشكيلات المسلحة المرتبطة بالمجلس تمثل تحديًا أمام جهود الحكومة لإعادة هيكلة الجيش وتوحيد قراره تحت مظلة وزارة الدفاع.

فعلى الرغم من شروع السلطات في خطوات إجرائية، شملت حصر القوات، وتعزيز الانتشار الميداني، وتنقية السجلات من الاختلالات، إلا أن هذه المساعي تصطدم بواقع ميداني معقد، تتداخل فيه الولاءات، وتتجذر فيه مراكز قوى يصعب تفكيكها أو استيعابها سريعا ضمن بنية مؤسسية تقليدية.

في المقابل، تكشف هذه التطورات عن محدودية المقاربة السعودية في إدارة الملف الجنوبي، سواء من حيث القدرة على احتواء المجلس الانتقالي أو إعادة توجيه مساره السياسي.

إذ يبدو أن الضغوط السياسية والإجراءات غير المباشرة لم تنجح في كبح اندفاعه نحو مشروعه الانفصالي، بل ربما أسهمت، بصورة غير مقصودة، في تعزيز نزعة التماسك داخله، وإعادة ترتيب صفوفه على أسس أكثر صلابة.

وبناءً على ذلك، فإن حالة الاضطراب الراهنة في الجنوب لا تعكس تراجعًا فعليًا في وزن المجلس الانتقالي بقدر ما تعكس إخفاقًا مزدوجًا للحكومة الشرعية وحلفائها في استثمار ما بدا كفرصة سانحة لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي.

وهو إخفاق يرتبط، في جوهره، بغياب رؤية متكاملة لمعالجة الاختلالات البنيوية، والتعامل مع تعقيدات الواقع المحلي، ما أدى بالتالي إلى استمرار الإخفاقات السياسية والأمنية، وإبقاء الجنوب في دائرة عدم الاستقرار.

التحركات السعودية

نجحت السعودية، في مرحلة أولى، في دفع المجلس الانتقالي الجنوبي نحو مسار الحل، حيث أُعلن من الرياض، في 9 يناير 2026، على لسان أمينه العام عبد الرحمن الصبيحي، حل المجلس بهيئاته وأجهزته كافة، وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج.

ولم يقتصر الإعلان على خطوة تنظيمية، بل تضمّن إعادة توجيه المسار السياسي للقضية الجنوبية، عبر التأكيد على "العمل لتحقيق الهدف الجنوبي" من خلال التهيئة لمؤتمر جنوبي شامل برعاية سعودية.

وفي هذا الإطار، استضافت الرياض في 18 يناير «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة طيف من القيادات والمشايخ والشخصيات الاجتماعية، في خطوة بدت تمهيدية لإطلاق حوار جنوبي-جنوبي يُفترض أن يعيد ترتيب المشهد السياسي في الجنوب ضمن مقاربة أكثر شمولًا.

غير أن هذا الزخم لم يُستكمل، إذ تراجع المسار السياسي المعلن، ولم يُعقد مؤتمر الحوار المرتقب.

وتشير بعض المصادر إلى أن التعقيدات الأمنية والعسكرية التي أعقبت إعلان الحل، خصوصًا في ظل البنية المسلحة المرتبطة بالمجلس وداعميه، فرضت على الرياض إعادة ترتيب أولوياتها.

فبدل الدفع السريع نحو تسوية سياسية شاملة، اتجهت المقاربة السعودية نحو إدارة الاستقرار المرحلي، مع إعطاء أولوية لاحتواء الاختلالات الميدانية، وتطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية.

وتعكس هذه المقاربة تحولًا من منطق "إعادة هندسة المشهد السياسي" إلى منطق "إدارة التوازنات القائمة"، حيث باتت الأولويات تتركز في تحسين الخدمات، وضمان صرف المرتبات، واحتواء التوترات الأمنية، بالتوازي مع مساعٍ تدريجية لدمج التشكيلات المسلحة ضمن البنية العسكرية الرسمية.

إلا أن هذا التحول، رغم طابعه البراغماتي، يطرح تساؤلات حول قدرة السياسة السعودية على تحقيق اختراق فعلي في ملف معقد، تتداخل فيه العوامل المحلية والإقليمية، ويصعب حسمه عبر أدوات إجرائية دون مقاربة سياسية أكثر اتساقًا وشمولًا.

في هذا السياق، قال رئيس المنتدى الثقافي العدني، أحمد حميدان: إن ما جرى في الفترة الماضية لا يمثل سقوطاً كاملاً للمجلس الانتقالي، بل يقتصر على إزاحة قيادته، بينما لا تزال المنظومة السياسية التي قام عليها قائمة.

وأوضح حميدان أن ما يحدث هو محاولة لإعادة تشكيل هذه المنظومة وتطبيعها بما يخدم أهدافاً إقليمية، مشيراً إلى أن السعودية-بحسب تقديره-لا تسعى إلى إنهاء المجلس الانتقالي بشكل كامل، وإنما إلى إعادة توجيهه ليكون أداة تخدم مصالحها بدلاً من كونه مرتبطاً بنفوذ إماراتي.

وبيّن حميدان أن الرياض لا تركز على بناء مؤسسات دولة أو البحث عن قيادات وطنية، بل تركز على التعامل مع الأطراف المنخرطة في المجلس الانتقالي بهدف إعادة تشكيله بما يخدم أجندتها.

وتراهن السعودية، في مقاربتها للملف الجنوبي، على احتمال بروز انشقاقات داخل بنية المجلس الانتقالي من شأنها إضعافه تدريجيًا وتفكيك تماسكه، تمهيدًا للتعامل مع قيادات بديلة قد تبرز من داخله وتكون أكثر قابلية لإعادة التوجيه.

وفي هذا السياق، أعلن «المجلس الأعلى للحراك الثوري الجنوبي» في عدن تغيير اسمه إلى «مجلس الحراك الوطني الجنوبي»، في خطوة عكست-بحسب تقديرات مراقبين-إعادة تموضع سياسي داخل المشهد الجنوبي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع رسمي برئاسة القيادي السابق في المجلس الانتقالي عبد الرؤوف السقاف، الذي أكد استمرار ما وصفه بـ"النضال السلمي"، مع تبني العمل السياسي التعددي وتعزيز الشراكة مع السعودية. ويُنظر إلى التخلي عن توصيف "الثوري" لصالح "الوطني" بصفته تحولًا يتجاوز البعد الشكلي، ليعكس انتقالًا من خطاب احتجاجي إلى مقاربة أقرب لمنطق العمل السياسي المؤسسي.

كما يشير التركيز على العلاقة مع الرياض إلى سعي الكيان الجديد للتموضع كفاعل جنوبي يحظى بغطاء إقليمي، بالتوازي مع إبداء الاستعداد للانخراط في حوار جنوبي–جنوبي برعاية سعودية.

وبهذا المعنى، تمثل هذه الخطوة محاولة لبناء ثقل سياسي بديل أو موازٍ، ما يضع المجلس الانتقالي أمام تحدٍ إضافي في مرحلة حساسة، حيث يبرز منافس بخطاب جنوبي متقاطع معه، لكن بمقاربة مختلفة في إدارة العلاقة مع السعودية والتعاطي مع الاستحقاقات السياسية القادمة.

إلى جانب ذلك، يذهب مراقبون إلى أن أحد دوافع التوجه السعودي يرتبط بحسابات التوازن السياسي؛ إذ إن إضعاف المجلس الانتقالي إلى حد الإقصاء قد يفضي إلى فراغ في الجنوب، يمكن أن تملأه قوى أخرى، وفي مقدمتها حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو سيناريو لا يبدو مقبولًا بالنسبة للرياض وشركائها.

ومن هذا المنطلق، تبدو السياسة السعودية أقرب إلى إدارة توازنات دقيقة بين القوى المحلية، عبر منع أي طرف من الانفراد بالهيمنة، والإبقاء على حالة من التوازن القابل للتحكم، بما يضمن استمرار النفوذ دون الانزلاق إلى إعادة تشكيل غير محسوبة للمشهد الجنوبي.

ويبدو أن حزب الإصلاح يدرك طبيعة سياسة التوازنات التي تحكم المقاربة السعودية في الجنوب، ويعي أن أي تحرك منفرد قد يُفسَّر كمحاولة للهيمنة على المشهد الجنوبي، بما قد يثير حساسيات سياسية وإقليمية.

ومن هذا المنطلق، فضّل الانخراط ضمن إطار جماعي عبر التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، الذي أطلق-بالتعاون مع المعهد الوطني الديمقراطي (NDI)-ورشة عمل حول «الحوار الجنوبي–الجنوبي»، بمشاركة قياداته، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط مسار التوافق بين القوى الجنوبية.

وفي هذا السياق، شدد رئيس التكتل أحمد عبيد بن دغر على أهمية الانتقال من منطق التنافس إلى التكامل، مع التعويل على الرعاية السعودية كضامن لنجاح مخرجات الحوار.

وتعكس هذه المبادرة محاولة لإعادة إحياء مسار الحوار بصيغة أكثر شمولًا، تقوم على توسيع قاعدة التمثيل الجنوبي ومنع احتكار المشهد من قبل المجلس الانتقالي.

كما أن الإشارة الصريحة إلى الرعاية السعودية تكشف أن الهدف يتجاوز مجرد إطلاق حوار سياسي، ليتصل بإنتاج مخرجات منسجمة مع مقاربة الرياض القائمة على إدارة التوازنات بين القوى المحلية، بما يحدّ من فرص هيمنة أي طرف، ويُبقي المشهد الجنوبي ضمن إطار قابل للضبط السياسي.

تحركات الانتقالي

في المقابل، يُظهر المجلس الانتقالي الجنوبي قدرًا من التماسك في مواجهة الضغوط ومحاولات الاحتواء، رغم توصيفه ككيان غير قانوني عقب إعلان حله ومغادرة رئيسه البلاد.

فعلى المستوى التنظيمي، لا يزال المجلس محتفظًا بهيكله القيادي ويواصل عقد اجتماعاته بصورة منتظمة، فيما يسعى ميدانيًا إلى تأكيد حضوره عبر الفعاليات الشعبية والتصعيد الرمزي. وفي هذا السياق، دعا ما يُعرف بـ«مجلس المستشارين» التابع له أنصاره إلى التظاهر إحياءً لما يصفه بـ«تفويض» عيدروس الزبيدي، مجددًا التمسك بخيار التصعيد واستمرار التحرك تحت قيادته.

بالتوازي، فعّل المجلس شبكاته المدنية التي أنشأها خلال فترة سيطرته، مستخدمًا إياها كأدوات ضغط ميداني.

فقد وجّه «اتحاد عمال الجنوب» إنذارًا للحكومة لمعالجة أزمات الكهرباء والوقود والغاز وصرف المستحقات، ملوّحًا بالتصعيد، في خطوة يُرجّح أن تتبعها تحركات من كيانات مهنية أخرى، مثل نقابات الصرافين والمعلمين، بما يعكس توظيفًا منظمًا للأطر النقابية في خدمة أجندة سياسية.

أما عسكريًا، فيواصل المجلس رفضه القاطع لدمج قواته ضمن هياكل الحكومة، حيث أعلنت قياداته الميدانية عدم الالتزام بأي توجيهات صادرة عن السلطات الرسمية، مؤكدة حصر تلقي الأوامر بقيادتها الخاصة.

ويتعزز هذا التوجه من خلال خطوات موازية للحفاظ على استقلالية البنية العسكرية، كما في توجيهات عبد الرحمن المحرمي (عضو مجلس الرئاسة) بإعادة ترتيب أوضاع بعض الوحدات ضمن ما يُسمّى «القوات المسلحة الجنوبية»، بما يُبقيها خارج منظومة وزارة الدفاع.

وفي بعدٍ عملياتي آخر، كشفت وثيقة حديثة صادرة عما تسمى "هيئة العمليات المشتركة في القوات المسلحة الجنوبية" عن استحداث ثلاثة محاور قتالية جديدة، وتوزيعها جغرافيًا على عدة مناطق جنوبية، وهو ما يعكس سعيًا لاستقلال الانتقالي عسكرياً وتعزيز الجاهزية لديه.

وفي موازاة ذلك، صعّد المجلس الانتقالي من خطابه السياسي بإعلانه التوجه لمقاضاة السعودية، في خطوة تتجاوز البعد القانوني لتندرج ضمن أدوات الضغط السياسي وإعادة التموضع في مواجهة الضغوط الإقليمية.

في الوقت الذي كثّف المجلس تحركاته الخارجية عبر توسيع نطاق اتصالاته مع أطراف دولية وإقليمية، سعيًا لتسويق رؤيته وإعادة تقديم نفسه كفاعل رئيسي في معادلة الجنوب.

وفي هذا الإطار، أكد عمرو علي سالم البيض استمرار انفتاح المجلس على المنظمات الدولية والحقوقية، إلى جانب شخصيات مؤثرة في دوائر صنع القرار، مشدداً على تماسك بنيته التنظيمية واستنادها إلى حاضنة شعبية فاعلة.

وتعكس هذه التحركات تبنّي المجلس الانتقالي لمقاربة متكاملة تجمع بين التصعيد الداخلي والانفتاح الخارجي، ففي الداخل، يواصل تثبيت حضوره عبر الحشود الشعبية وتفعيل أدوات الضغط النقابية والمؤسسية، بينما يعمل خارجيًا على توسيع شبكة علاقاته وتقديم نفسه كفاعل منظم يمتلك رؤية سياسية.

ويمنحه هذا التوازي بين المسارين قدرة أكبر على المناورة، ليس فقط للحفاظ على موقعه القائم، بل لتعزيز وزنه التفاوضي وفرض حضوره كطرف رئيس يصعب تجاوزه في أي ترتيبات سياسية قادمة تخص الجنوب بما فيها مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي ترعاه الرياض.

سيناريوهات الحل

تُظهر التطورات في جنوب اليمن أن المقاربة السعودية تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي لا تقوم على الحسم بقدر ما ترتكز على إدارة توازنات معقدة، في محاولة لاحتواء هذا الفاعل دون الذهاب إلى تفكيكه الكامل أو تمكينه بشكل نهائي.

فمنذ إعلان حل المجلس، بدت الرياض وكأنها تسعى إلى إعادة توجيه مساره وإعادة تشكيل بنيته، بدلًا من إنهائه، عبر أدوات ضغط سياسية وغير مباشرة، شملت الدفع نحو الحوار، ودعم قوى موازية، والرهان على إمكانية حدوث انشقاقات داخلية تُضعف تماسكه.

غير أن هذه المقاربة تواجه جملة من التحديات. فغياب رؤية إستراتيجية متكاملة، والانتقال من محاولة "إعادة هندسة المشهد" إلى الاكتفاء بـ"إدارة الأزمة"، أفضى إلى حالة من عدم الاتساق في السياسات المتبعة.

كما أن الاعتماد على أدوات تدريجية-مثل تفكيك البنية الداخلية أو إنتاج بدائل سياسية-لم يحقق اختراقًا ملموسًا، في ظل استمرار المجلس الانتقالي في الحفاظ على شبكة نفوذ سياسية وعسكرية وشعبية متجذرة.

هذا التناقض في الأهداف، بين إضعاف الانتقالي دون إسقاطه، جعل المقاربة السعودية أقرب إلى إدارة وضع غير مستقر، حيث يحتفظ المجلس بقدرة على التعطيل دون أن يتم دمجه فعليًا ضمن بنية الدولة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو خيارات الرياض خلال المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات.

السيناريو الأول، وهو الأرجح، ويتمثل في استمرار سياسة الاحتواء التدريجي، عبر إدارة التوازنات بين القوى المحلية، مع مواصلة الضغط الناعم لإعادة تشكيل المجلس أو تقليص نفوذه دون الدخول في مواجهة مباشرة. ومن غير المستبعد أن تتجه السعودية إلى إعادة تدوير الانتقالي نفسه، من خلال احتواء أجزاء منه أو إعادة تشكيل قياداته ليصبح شريكًا أكثر انسجامًا مع رؤيتها في الجنوب.

السيناريو الثاني، لا يُستبعد خيار تصعيد الضغوط، سواء عبر أدوات سياسية أو ميدانية، في حال أبدى المجلس مزيدًا من التعنت، إلا أن هذا المسار يحمل مخاطر تفجير الوضع الهش أصلًا، وهو ما لن تسمح به السعودية بالنظر إلى أهمية بناء "جنوب مستقر" لتعزيز مشاريعها الاستراتيجية.

 السيناريو الثالث، يتمثل في القبول الضمني بالأمر الواقع، عبر التعامل مع الانتقالي كقوة لا يمكن تجاوزها، ودمجه في أي تسوية سياسية قادمة دون تفكيكه فعليًا. وهو ما يعني فعلياً ترحيل الأزمة الجنوبية إلى أجل غير مسمى، في حين سيبقى الانتقالي اللاعب الأكثر تأثيراً على الأرض.


المصادر