"مقر عمار".. كيف تحوّل من منصة ثقافية إلى لاعب في هندسة الصراع الإيراني؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في ذروة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أطلق "مقر عمار" في 20 أبريل/نيسان 2026 دعوة صريحة إلى الشعب الإيراني بـ"مواصلة الحضور في الشارع حتى تحقيق النصر النهائي"، معتبرا أن ما يجري لا يندرج ضمن نطاق الحرب العسكرية التقليدية فحسب، بل يمثل – وفق تعبيره – محاولة ممنهجة لاقتلاع "الإسلام الثوري" من جذوره وإعادة تشكيل بنية الدولة والهوية.

ولم تأتِ هذه الدعوة في سياق تعبوي عابر أو خطاب دعائي موسمي، بل بدت انعكاسا لتحول أعمق وأكثر تعقيدا، يكشف أن إدارة المعركة داخل إيران لم تعد محصورة في غرف العمليات العسكرية أو دوائر القرار الأمني، بل باتت تمتد إلى فضاءات موازية تديرها شبكات تعبئة أيديولوجية منظمة، تلعب دورا متقدما في توجيه المزاج العام وصياغة أنماط الاستجابة الداخلية تجاه الحرب. وفي قلب هذه البنية، يبرز "مقر عمار" بوصفه أحد أكثر الفاعلين غموضا وتأثيرا في المشهد الإيراني الراهن.

هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤل جوهري يتعلق بكيفية انتقال "مقر عمار" من مجرد منصة تعبئة ثقافية وإعلامية، إلى فاعل مؤثر يشارك – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في إدارة الأزمات الكبرى داخل إيران، بل وفي إعادة تشكيل أدوات المواجهة الداخلية خلال فترات التصعيد الحاد.

وللإجابة عن هذا السؤال، يصبح من الضروري تفكيك مسار هذا الكيان منذ لحظة نشأته، واستعراض البنية التنظيمية التي يقوم عليها، والآليات الفكرية والإعلامية التي يعتمدها، وصولا إلى موقعه الحالي داخل شبكة التوازنات المعقدة للنظام الإيراني، وكيف تحول إلى عنصر فاعل في لحظات الضغط الإستراتيجي.

“مقر عمار”

بدأت قصة "مقر عمار" في أعقاب ما يُعرف داخل الخطاب الرسمي الإيراني بـ"فتنة 88"، في إشارة إلى الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت بعد الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران 2009.

في تلك اللحظة المفصلية، واجه النظام الإيراني تحديا غير مسبوق في الشارع، ما دفع دوائر قريبة من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي إلى البحث عن أدوات جديدة لإعادة ضبط المجال العام، ليس فقط عبر المقاربة الأمنية التقليدية، بل من خلال إعادة هندسة المواجهة على المستوى الأيديولوجي والثقافي.

في هذا السياق، أُعلن عام 2010 عن تأسيس "مقر عمار" أو "قرارگاه عمار"، بوصفه "مجمعا لأصحاب الرأي والمفكرين والناشطين في الجبهة الثقافية للثورة الإسلامية"، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، من بينها موقع "تابناك" في تغطيته عام 2011.

أما اختيار الاسم فلم يكن تفصيلا عابرا أو رمزيا محضًا؛ إذ يحيل "عمار" إلى الصحابي عمار بن ياسر الذي يُقدَّم في الأدبيات الشيعية بوصفه نموذجًا لـ"البصيرة" في زمن الفتنة.

وانطلاقا من هذا الإطار الرمزي، تبنى المقر خطابا يقوم على مفاهيم "البصيرة" و"التمييز بين الحق والباطل"، في مواجهة ما يعده النظام الإيراني "حربا ناعمة" تستهدف الداخل الإيراني وتعمل على تفكيك منظومته الفكرية والاجتماعية.

وتشكلت النواة الأولى للمقر من نحو 70 شخصية، ضمت رجال دين، وإعلاميين، وبرلمانيين، وعناصر سابقة في الحرس الثوري، وكان على رأسها مهدي طائب، إلى جانب أسماء أخرى بارزة مثل علي رضا بناهيان وحسين يكتا ضمن الدائرة الأكثر تأثيرا.

لكن ما يميز "مقر عمار" منذ لحظة تأسيسه أنه لم يتخذ شكلا مؤسسيا تقليديا، فهو ليس حزبا سياسيا مسجلا، ولا جهازا أمنيا رسميا، بل يعمل ضمن بنية شبكية مرنة ذات قيادة غير هرمية صارمة، تجمع شخصيات ذات نفوذ في مجالات متعددة، تشمل المنبر الديني، والإعلام، والتعبئة الشعبية، وبعض الدوائر الأمنية غير المباشرة.

داخل هذه البنية، يلعب مهدي طائب دور مركز الثقل الفكري والتنظيمي، دون أن يدير جهازا بيروقراطيا بالمعنى المؤسسي، بل يقود شبكة علاقات وتأثير ممتدة عبر مفاصل مختلفة داخل الدولة والمجتمع.

وقد منح هذا الشكل الشبكي المقر قدرة عالية على التحرك في المناطق الرمادية داخل النظام، حيث يمكنه التأثير في المسارات العامة دون أن يتحمل مسؤولية رسمية مباشرة. فهو لا يصدر قرارات حكومية، لكنه يسهم في تشكيل البيئة السياسية والفكرية التي تُصاغ فيها هذه القرارات، وهو ما يكشف عن وظيفته الأساسية: صناعة الرواية وإعادة توجيه الإدراك العام.

ورغم أن "مقر عمار" لا يمتلك ميزانية معلنة أو ذراعا اقتصادية مستقلة، فإن حضوره المالي يتجلى عبر اندماجه في منظومة تمويل أوسع داخل الدولة الإيرانية، تقوم على التداخل بين المؤسسات الدينية والثقافية وشبه الحكومية.

فالمقر الذي يقدم نفسه كمجمع للمفكرين والجبهة الثقافية للثورة الإسلامية، يعتمد في أنشطته على موارد لوجستية وبشرية تأتي من هذه البيئة المركبة، دون أن يظهر ككيان اقتصادي مباشر، وفق ما أوردته تغطيات إيرانية منذ تأسيسه.

وتشير دراسات وتحليلات متعددة إلى أن مثل هذه الشبكات تستفيد من فضاء تمويلي واسع تقوده مؤسسات كبرى مثل "بنياد مستضعفان" و"ستاد تنفيذ أمر الإمام"، التي تضخ موارد كبيرة في مشاريع ثقافية وإعلامية مرتبطة بالخطاب الرسمي، ما يخلق بيئة تمويل غير مباشر لمبادرات من نوع "مقر عمار"، دون وجود روابط مالية معلنة أو موثقة بشكل مباشر.

كما يعزز هذا النمط من التمويل غير المباشر ارتباط شخصيات داخل المقر ببيئات قريبة من الحرس الثوري الإيراني والباسيج، وهما جهتان تمتلكان نفوذا أمنيا واقتصاديا وإعلاميا واسعا داخل الدولة، بما يضاعف من قدرة هذه الشبكات على التأثير دون الظهور كمؤسسات رسمية مستقلة.

طبيعة الخطاب 

منذ لحظة تأسيسه، انخرط "مقر عمار" في إنتاج خطاب يقوم على مجموعة من المفاهيم المركزية، أبرزها: "الفتنة"، "العدو الداخلي"، "الحرب الناعمة"، و"التغلغل".

لم تكن هذه المفاهيم مجرد شعارات خطابية أو أدوات تعبئة سطحية، بل تحولت إلى منظومة تفسيرية متكاملة يُعاد من خلالها تعريف الواقع السياسي والاجتماعي داخل إيران.

ففي هذا الإطار، لم يعد المحتج مجرد معارض سياسي يطالب بالإصلاح أو التغيير، بل جرى تأطيره بوصفه جزءا من مشروع اختراق خارجي يستهدف بنية الدولة من الداخل.

وبالمثل، لم يعد الاختلاف في الرأي يُنظر إليه كخلاف سياسي مشروع داخل المجال العام، بل أُعيد توصيفه كـ"انحراف" يستدعي المواجهة والاحتواء، لا الحوار أو التعدد.

وقد أسهمت في ترسيخ هذه الرؤية مجموعة من الأدوات المؤسسية غير الرسمية، شملت المنابر الدينية، ووسائل الإعلام البديلة، إلى جانب فعاليات ثقافية ذات طابع تعبوي، من أبرزها "مهرجان عمار السينمائي"، الذي لعب دورا في تحويل هذه المفاهيم إلى سردية ثقافية متداولة.

وقد ازداد حضور هذا الدور وضوحا خلال موجات الاحتجاج اللاحقة، وصولا إلى احتجاجات عام 2026، حيث لم يظهر "مقر عمار" بوصفه جهة تقود عمليات ميدانية مباشرة، لكنه كان حاضرا عبر شخصيات بارزة داخله لعبت دورا محوريا في تشكيل الخطاب التعبوي الرسمي وغير الرسمي.

فعلى سبيل المثال، ظهر حسين يكتا في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، محذرا الأسر من السماح لأبنائها بالمشاركة في الاحتجاجات، ومؤطرا الخروج إلى الشارع بصفته انخراطا مباشرا في مواجهة "مشروع معادٍ" يستهدف الدولة والنظام.

هذا النمط من الخطاب، الذي وثقته وسائل إعلام من بينها راديو "فردا" الإيراني في تقارير صدرت خلال عام 2026، أسهم في إعادة صياغة صورة المحتجين، من فاعلين سياسيين إلى تهديدات أمنية، بما ينقل المواجهة من حقل السياسة إلى حقل الأمن.

ومن هنا تتضح طبيعة العلاقة غير المباشرة بين إنتاج الخطاب وبين الفعل الأمني؛ حيث تتولى الأجهزة الأمنية التنفيذ الميداني، بينما تضطلع شبكات مثل "مقر عمار" بدور موازٍ يتمثل في توفير الغطاء الأيديولوجي، عبر إعادة تعريف الاحتجاج ونزع شرعيته في الوعي العام.

مرحلة جديدة

لم يمر هذا الدور الذي اضطلع به "مقر عمار" دون إثارة جدل وانتقادات داخل إيران، لا سيما في الأوساط السياسية والإعلامية؛ حيث برزت تساؤلات متكررة حول طبيعة هذا الكيان: هل هو مجرد منصة ثقافية فكرية، أم أنه يمارس دورا سياسيا وأيديولوجيا فعليا خارج نطاق المساءلة المؤسسية؟

في عام 2011، أشارت تقارير نشرها موقع "خبر أونلاين" إلى وجود خلافات حتى داخل بنية المقر نفسه، خصوصا على خلفية تصريحات مهدي طائب التي استهدفت شخصيات سياسية بارزة، من بينها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وهو ما عكس منذ وقت مبكر وجود توترات داخلية بشأن حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه المقر ونطاق تدخله في المجال السياسي.

وفي السنوات اللاحقة، تصاعدت حدة الانتقادات، خاصة من أوساط إصلاحية. ففي عام 2024، دخل الصحفي الإيراني أحمد زيدآبادي في سجال علني مع مهدي طائب حول أحداث عام 2009، قبل أن يُستدعى للتحقيق، بحسب ما نقلته إذاعة "راديو فردا".

وقد أعادت هذه الواقعة تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه شخصيات مرتبطة بـ"مقر عمار" في صياغة سرديات تبريرية لقمع المعارضة، وفي الوقت نفسه أثارت تساؤلات أوسع حول حدود المساءلة السياسية داخل هذا الفضاء.

ولم تقتصر الانتقادات على التيار الإصلاحي، إذ لم يَخلُ المشهد حتى داخل التيار المحافظ من تحفظات؛ حيث انتقدت بعض وسائل الإعلام القريبة من النظام ما عدته تجاوزا من قبل بعض شخصيات المقر، خصوصا عندما تدخلت في صراعات داخلية بين أجنحة السلطة أو تجاوزت الخطوط غير المعلنة لتوازنات النظام.

ويعكس ذلك أن "مقر عمار" لا يُنظر إليه فقط كأداة موجهة ضد المعارضة، بل أيضا كفاعل قادر على إرباك توازنات داخلية حساسة داخل بنية السلطة نفسها.

ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، دخل "مقر عمار" مرحلة جديدة وأكثر اتساعا. فلم يعد دوره مقتصرا على إدارة أو التأثير في الداخل، بل أصبح جزءا من منظومة تعبئة شاملة تربط بين الجبهة الداخلية والخارجية في سياق واحد.

وقد عكست تصريحات مهدي طائب التي نقلتها وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء والتلفزيون الإيراني، هذا التحول، إذ لم تعد تركز فقط على مفاهيم الصمود العسكري، بل على الحضور الشعبي بوصفه عنصرا حاسما في معادلة المواجهة.

هذا التحول يعكس بدوره إعادة تعريف لطبيعة الحرب نفسها داخل الخطاب الرسمي الإيراني، إذ لم تعد تُقدَّم كصراع عسكري تقليدي بين دولتين، بل كمعركة عقائدية شاملة بين "الإسلام الثوري" و"الاستكبار العالمي".

وفي هذا السياق، يصبح النزول إلى الشارع فعلا سياسيا ذا بعد ديني وأيديولوجي، لا مجرد تعبير مدني أو احتجاج اجتماعي، وهو ما يمنح "مقر عمار" موقعا محوريا في تحويل الحرب إلى سردية تعبئة شاملة وممتدة.

وفي ضوء ذلك كله، يمكن القول: إن "مقر عمار" يمثل نموذجا مركبا داخل النظام الإيراني؛ فهو ليس مؤسسة رسمية تقليدية، ولا مجرد تجمع ثقافي، بل شبكة نفوذ أيديولوجية تتحرك في المساحة الفاصلة بين الدولة والمجتمع.

وتكمن قوته الأساسية لا في امتلاكه سلطة تنفيذية مباشرة، بل في قدرته على إنتاج الرواية وتشكيل الإطار التفسيري الذي يُحدد من هو العدو، ومن هو الحليف، وما هو المقبول وما هو المرفوض داخل المجال العام.

ومع استمرار التصعيد في عام 2026، يبدو أن هذا الدور مرشح لمزيد من التوسع، إذ كلما اشتد الضغط الخارجي ازدادت الحاجة إلى أدوات تعبئة داخلية، وكلما تعقدت التحديات برزت أهمية الكيانات القادرة على توحيد الخطاب وتوجيه الرأي العام، وفي مقدمتها "مقر عمار".