"دائرة الحبيب".. إلى أين تقود النظام الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب؟

لا يمكن فهم إيران ما بعد 2026 دون فهم دائرة الحبيب
لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في أواخر فبراير/شباط 2026، مجرد عملية عسكرية استهدفت القدرات الإيرانية، بل تحولت، على نحو غير متوقع، إلى نقطة انعطاف داخلية أعادت صياغة موازين السلطة في طهران.
فبينما راهنت واشنطن وتل أبيب على أن استهداف شخصيات محورية في النظام، وفي مقدمتها المرشد الأعلى علي خامنئي، قد يفتح الباب أمام تفكك داخلي أو صعود تيار أكثر براغماتية، أظهرت الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب نتائج مغايرة تماما.
فقد شهدت البنية السياسية والأمنية داخل إيران إعادة تموضع سريعة لصالح أحد أكثر التيارات تشددا وتنظيما داخل النظام.
وفي 8 مارس/آذار 2026، أشارت تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث أميركية، من بينها معهد الشرق الأوسط، إلى أن شبكة غير رسمية يُعتقد أن مجتبى خامنئي يقودها، كانت الأكثر جاهزية لملء أي فراغ محتمل، مستفيدة من سنوات طويلة من التغلغل داخل الحرس الثوري وأجهزة الأمن.
ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل ثمرة مسار ممتد منذ أوائل الألفية، حين بدأ مجتبى خامنئي، من داخل مكتب والده، في بناء منظومة ولاء داخلية متشابكة، تُشار إليها في بعض الأدبيات التحليلية باسم "دائرة الحبيب".
ومع انهيار التوازنات بين التيارات داخل النظام تحت ضغط الحرب، تحولت هذه الشبكة من فاعل غير مرئي في الظل إلى مركز فعلي لاتخاذ القرار، مستندة إلى تحالف وثيق مع الحرس الثوري، الذي برز منذ الأيام الأولى للحرب بصفته الأكثر تنظيما وقدرة على إدارة الدولة في ظروف الطوارئ.

ما هي "دائرة الحبيب"؟
تعود جذور ما يُعرف بـ"دائرة الحبيب" إلى الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، التي شكّلت البيئة التأسيسية لتكوّن عددا كبيرا من النخب الأمنية والعسكرية الحالية في إيران. ففي خضم تلك الحرب، برزت وحدات قتالية داخل الحرس الثوري، من بينها “كتيبة حبيب” التي ضمّت مقاتلين شبانا تشكّل وعيهم داخل سياق تعبئة دينية–عسكرية مكثفة.
ومن بين المنتسبين إلى هذه البيئة القتالية المبكرة كان مجتبى خامنئي، الذي انضم في سنواته الأولى إلى هذه التشكيلات؛ حيث نسج خلالها علاقات وثيقة مع مقاتلين صعدوا لاحقاً إلى مواقع حساسة داخل أجهزة الأمن والاستخبارات.
ويحمل اسم "الحبيب" نفسه دلالة رمزية مرتبطة بحبيب بن مظاهر، أحد رموز معركة كربلاء (61 هـ / 680 م)، وهو ما يعكس البعد العقائدي الذي رافق هذه المجموعة منذ نشأتها، حيث امتزجت التجربة العسكرية بالرمزية الدينية في بناء هوية هذه الشبكات.
وبعد انتهاء الحرب العراقية–الإيرانية، لم تتفكك هذه الروابط، بل أعادت إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من صعود الحرس الثوري كقوة موازية للجيش النظامي، ومن توسّع نفوذه داخل البنية الأمنية والسياسية الإيرانية.
وخلال التسعينيات، ومع تصاعد التيار الإصلاحي في عهد الرئيس محمد خاتمي، بدأت هذه الشبكات بالتحرك بشكل أكثر تنظيماً بهدف تحصين مواقعها داخل الأجهزة الحساسة، خصوصاً في القضاء والأمن والإعلام، بما يضمن الحفاظ على نفوذها داخل الدولة.
وبحلول عام 2002، تشير مذكرات الرئيس الإيراني الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني إلى أن مجتبى خامنئي لعب دوراً في اختيار قيادات متشددة لإدارة جهاز الدعاية الحكومية، وهو ما عد مؤشراً مبكراً على دخوله التدريجي إلى دائرة التأثير السياسي غير الرسمي.
هذه المرحلة شكلت نقطة تحول مفصلية؛ إذ بدأت "دائرة الحبيب" بالانتقال من مجرد شبكة علاقات قائمة على رفاقية الحرب إلى بنية نفوذ داخل ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، قادرة على التأثير في مسارات سياسية حساسة، بما في ذلك الانتخابات، كما جرى الإشارة إليه في صعود محمود أحمدي نجاد عام 2005، وفق تصريحات لاحقة للسياسي الإصلاحي مهدي كروبي.
ومع اندلاع الحرب الإيرانية–الأميركية الحالية، برزت القوة الفعلية لهذه الشبكة من خلال عمق حضورها داخل المؤسسة العسكرية، لا سيما الحرس الثوري، حيث كانت الشخصيات المرتبطة بها من الأكثر جاهزية للانتقال إلى مواقع القرار.
وفي 24 مارس/آذار 2026، جرى تعيين محمد باقر ذو القدر على رأس مجلس الأمن القومي، وهو أحد القادة البارزين في الحرس الثوري وشارك في تأسيس فيلق القدس خلال تسعينيات القرن الماضي. وتشير تقارير تحليلية صادرة عن معهد واشنطن في الفترة نفسها إلى أن هذا التعيين يعكس اعتماد القيادة الإيرانية على شخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية صلبة لإدارة المرحلة.
وبالتوازي، برز أحمد وحيدي كقائد للحرس الثوري، وهو شخصية مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية منذ سنوات على خلفية اتهامات تتعلق بتفجير مركز "آميا" في الأرجنتين عام 1994، ما يعكس استمرار حضور شخصيات ذات سجل أمني ثقيل في مراكز القرار.
كما عاد محسن رضائي إلى دائرة التأثير كمستشار عسكري، مستنداً إلى خبرته الطويلة كقائد سابق للحرس الثوري خلال الحرب مع العراق، حيث يُنظر إليه بصفته أحد أبرز رموز "جيل الحرب" في الثمانينيات، والحلقة التي تربط بين ذلك الجيل والتيارات المحافظة الدينية المؤثرة في القرار الإيراني حتى اليوم.
هذه التعيينات لم تكن مجرد تغييرات إدارية، بل تعكس نمطاً سياسياً وأمنياً واضحاً يتمثل في انتقال مركز الثقل من النخب السياسية المدنية إلى القيادات العسكرية، وتحول الحرس الثوري تدريجياً إلى العمود الفقري للنظام.
ووفق تقديرات سابقة لوزارة الخزانة الأميركية، فإن الحرس الثوري لا يقتصر دوره على القوة العسكرية، بل يمتلك شبكة استخباراتية وأمنية واقتصادية واسعة، وهو ما يمنح "دائرة الحبيب" قدرة كبيرة على ضبط الداخل الإيراني والتأثير في موازين القوة داخل الدولة، خاصة في فترات الأزمات والحروب.

شبكات تمويل غير مرئية
وإلى جانب نفوذها العسكري، تستند "دائرة الحبيب" إلى بنية اقتصادية موازية تمنحها استقلالًا ماليًا نسبيًا. هذه البنية لا تظهر في شكل شركات واضحة تحمل اسمها، بل تتجسد في السيطرة على مفاصل الاقتصاد المرتبط بالحرس الثوري ومكتب المرشد.
ووفقًا لتقارير صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، فإن مؤسسات مثل "بنياد مستضعفان" تدير أصولًا ضخمة في قطاعات الطاقة والتعدين والاتصالات، وتعمل خارج نطاق الرقابة الحكومية التقليدية، مع ارتباط مباشر بمكتب المرشد الأعلى.
هذا النموذج لا يقوم على ملكية مباشرة، بل على التحكم في التعيينات وتوجيه العقود وتوزيع النفوذ الاقتصادي داخل شبكات غير مرئية. وهو ما يمنح هذه الدائرة مرونة كبيرة في مواجهة العقوبات الدولية، وقدرة على الاستمرار دون الاعتماد على قنوات مالية رسمية تقليدية.
البعد العقائدي والتحول الأيديولوجي
ما يميز "دائرة الحبيب" لا يقتصر على بنيتها الأمنية والاقتصادية، بل يمتد إلى بعدها الأيديولوجي. ففي تقرير نشرته "وول ستريت جورنال" في 14 أبريل/نيسان 2026، أشير إلى أن هذه الشبكة ترتكز على تفسير خاص للعقيدة المهدوية، يربط بين الصراع السياسي والديني وبين مسار تاريخي ينتهي بظهور المهدي.
وقد تأثر هذا التوجه، بحسب التقرير، بأفكار رجل الدين محمد تقي مصباح يزدي الذي ربط بين طاعة المرشد ومفهوم ديني مطلق للسلطة، معتبرًا أن الدولة الإسلامية تمثل مرحلة تمهيدية لظهور المهدي.
هذه الأفكار التي كانت في السابق محصورة في دوائر فكرية ضيقة، باتت اليوم جزءًا من الخطاب الرسمي في بعض المؤسسات التعليمية والدينية، وتُستخدم في تعبئة المقاتلين داخل الحرس الثوري وأجهزة الأمن.
وفي هذا السياق، تبرز أسماء مثل حسين طائب الذي تولى جهاز استخبارات الحرس، وحسين نجات، المسؤول عن أمن طهران، إلى جانب قيادات عسكرية بارزة مثل أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر، كأذرع تنفيذية لهذه الرؤية داخل بنية الدولة.
دولة داخل الدولة
إن اجتماع البعد العقائدي مع النفوذ العسكري والاقتصادي جعل من "دائرة الحبيب" أكثر من مجرد شبكة نفوذ، بل بنية موازية داخل الدولة الإيرانية. فهي لا تعمل خارج النظام، بل من داخله، وتعيد تشكيله وفق توازناتها الخاصة كلما تعرض لضغط خارجي.
ومع الحرب الأخيرة، تسارعت عملية انتقال مركز القرار نحو هذه البنية، في ظل تراجع الدور النسبي للنخب السياسية التقليدية، واتساع نفوذ الحرس الثوري كفاعل شامل في الأمن والاقتصاد والسياسة.
وهكذا، لم تعد إيران ما بعد 2026 تُدار فقط عبر مؤسساتها الرسمية، بل عبر تداخل معقد بين الدولة العلنية والدولة العميقة، حيث تمثل "دائرة الحبيب" أحد أبرز مراكز الثقل غير المرئية في هذا النظام.
وفي المحصلة، يمكن القول إن ما بدأ كشبكة رفاق حرب في ثمانينيات القرن الماضي، تحول تدريجيًا إلى منظومة نفوذ عابرة للمؤسسات، ثم إلى عنصر حاسم في إدارة الدولة تحت الضغط، وصولًا إلى لحظة الحرب؛ حيث بدا هذا التكوين وكأنه الدولة نفسها، لا مجرد جزء منها.
















