من إغلاق مكتبة إلى سجن كاتب.. هل تتقلص الحريات ومساحة التعبير في الجزائر؟

"ما جرى تطور مقلق يعكس تحولا تدريجيا في مناخ التعبير"
دون سابق إنذار، اقتحمت السلطات الجزائرية، في 18 أبريل/نيسان 2026، مكتبة الفنون الجميلة بالجزائر العاصمة خلال عرض كتاب "الهويات المتمردة، إعادة التفكير في التاريخ الخاص" لعالمة الاجتماع، فاطمة أوصديق.
وتدخّلت الشرطة وصادرت النسخَ وأبلغت مسيّري المكتبة بقرار إغلاقها شهرا كاملا، وفق ما أفاد به مدير دار "كوكو" للنشر، أرزقي آيت العربي.
وتساءلت مجلة "نيغريتسيا" الإيطالية: هل يكفي خطأ مطبعي لإغلاق مكتبة؟ قائلة إنه في الجزائر، يمكن أن يصير ذريعة.

الهويات المتمردة
وأوضحت المجلة أن المكتبة الوطنية برّرت الإجراء بأن دار "كوكو"، الناشرة للكتاب، أدرجت رقم ISBN خاطئا على الغلاف ولم تُنجز الإيداع القانوني الذي يُلزم الناشرين بتسليم نسخ من إصداراتهم إلى المؤسسات العامة.
وقد ردّت الدار بأن الكتاب يحمل رقمه الدولي المعياري المصادق عليه رسميا، وأن ما جرى لم يكن سوى خطأ في الإخراج نال الـ100 نسخة الأولى، إذ نُقل رمز أحد عناوينها السابقة إلى الغلاف.
وأشارت إلى أنها أرسلت نسخة رقمية من الكتاب إلى وزارة الثقافة مع الإشارة إلى الخطأ والتعهد بتصحيحه، نافية أن يكون الكتاب قد نُشر خارج الإطار القانوني.
وتابعت المجلة أنه في اليوم نفسه توجّه إلى المكتبة ضباط بملابس مدنية وموظفو ضرائب وممثلون عن وزارة الثقافة، وطلبوا إلغاء العرض.
وكانت الدار أبلغت الوزارة بأن الإيداع سيتم في 20 أبريل، أول يوم عمل في الأسبوع.
بيد أن السلطات عدت مرور أقل من 48 ساعة بين الطباعة وإدخال البيانات مبررا للتحرك، فأسفر الأمر عن وقف العرض وإغلاق المكتبة بدلا من اتخاذ عقوبة إدارية.
وأشارت المجلة إلى أن الأمر لا يبدو مجرد مخالفات إجرائية، فـ"الهويات المتمردة" كتابٌ يتتبع تاريخ وادي ميزاب وبنيته الاجتماعية في منطقة غرداية شمال وسط الجزائر، وهو ثمرة سنوات من البحث السوسيولوجي.
وقد حافظ الوادي في قلب الصحراء على اللغة المزابية المنتمية إلى مجموعة اللغات الأمازيغية، إضافة إلى المذهب الإباضي.
ويستحضر غلاف الكتاب ثلاث شخصيات ارتبطت بالمنطقة: الشيخ إبراهيم بيوض أحد رواد الحركة الإصلاحية الإباضية، والشاعر مفدي زكرياء مؤلف النشيد الوطني "قسما"، وكمال الدين فخار الناشط السياسي الذي لقي حتفه في السجن عام 2019.
تطور مقلق
وأوضحت المجلة أن أوصديق تناولت في كتابها الاصطداماتِ التي شهدتها المنطقة في العقد الأول من الألفية الثانية بين جماعة المزابيين وجماعة الشعانبة -وهم ناطقون بالعربية وأتباع المذهب المالكي السائد شمال إفريقيا- في أعمال عنف أدّت إلى تدخل السلطات على أعلى مستوى وخلّفت متابعات قضائية طالت ناشطين.
وترفض الباحثة التفسيرات الثقافية السطحية، عادة ما جرى "نتاجَ أزمة سياسية واجتماعية لا حتمية ثقافية".
وأفادت المجلة بأن "أوصديق تدعو إلى قراءة الصراع في ضوء تلك الأزمة العميقة التي انعكست في ميزاب على التنافس الاقتصادي بين المجتمعات وتآكل الثقة بالدولة وقدرتها على الوساطة".
واستطردت: “بل إن الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة كان يُذكي هذه الخلافات لا يُعالجها، مساهما في التعصب ورفض الآخر”.
وأشارت المجلة إلى أن أوصديق تسعى عبر بحثها إلى الاحتفاء بالتعددية وإيجاد وفاق بين الهويات التي تُشكّل النسيج الثقافي الجزائري.
وأضافت أن الكتاب واجه موجة من الرسائل العدائية على مواقع التواصل تتهم أوصديق ودار "كوكو" بـ "تأجيج النزعة الانفصالية، وتقويض الوحدة الوطنية، وإثارة الفتن الطائفية".
وعلى الصعيد السياسي، وجّه الرئيس السابق لحزب "جيل جديد"، سفيان جيلالي، رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عد فيها ما جرى "تطورا مقلقا" يعكس تحولا تدريجيا في مناخ التعبير.
وحذر من أن تكرار مثل هذه الحوادث، حتى حين تبدو مبررة بالتقديرات التنظيمية، يُرسّخ الحذر ويُضعف الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

من رقابة إلى أخرى
وكتبت أوصديق: "أعد ما جرى أمرا غبيا وغير مفهوم، وأستنكر بشدة إغلاق مكتبة الفنون الجميلة شهرا كاملا".
وأُعيد فتح المكتبة في 21 أبريل، وفي بيان، أكدت منشورات "كوكو" أن الخطأ صُحِّح وأن الإيداع القانوني اكتمل، مضيفة: "لم تستعد الأستاذة فاطمة أوصديق بعدُ حقها في لقاء قرائها".
وأفادت المجلة بأن هذه الوقائع تتجاوز الحدود الوطنية، إذ أعلن الكاتب الجزائري المقيم في فرنسا كمال داود، عبر حسابه على منصة "إكس"، صدورَ حكم بسجنه ثلاث سنوات وغرامة 5 ملايين دينار جزائري، ما يعادل أكثر من 32 ألف يورو.
وأوضح أن الحكم صدر في 21 أبريل، في حين جرت جلسة المحاكمة في 7 أبريل.
وأوضحت المجلة أن سبب الحكم روايته "حوريات" الصادرة عام 2024 والفائزة بجائزة غونكور، التي تحكي قصة شابة تدعى "أوب" ناجية من أهوال "العشرية السوداء"، أي فترة الحرب الأهلية بين عامي 1991 و2002.
وترتبط القضية بدعوى رفعتها سعادة عربان -الشخصية الملهمة للرواية- في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تتهم فيها داود وزوجته الطبيبة النفسية بانتهاك السرية الطبية واستخدام معلوماتها الشخصية دون إذنها.
وختمت المجلة بأن داود أُدين استنادا إلى قانون السلم والمصالحة الوطنية المُقرّ في استفتاء سبتمبر/أيلول 2005، الذي يحظر في أحد بنوده إثارة قضايا تسعينيات القرن الماضي علنا.
فالقانون لم يُسهم في التهدئة الاجتماعية بقدر ما أفضى إلى إفلات قوات الأمن من العقاب ومنح العفو للمسلحين، وكلا الطرفين مسؤول عن فظائع وحالات اختفاء قسري.
وقال داود: "هذا النص يعاقب النقاش العام حول الحرب الأهلية. عشر سنوات من الحرب، قرابة 200 ألف قتيل وفق التقديرات، وآلاف من المسلحين طالهم العفو... ومتهم واحد: كاتب".














