قضية أتاشهير.. هل تقود إلى إعادة فتح ملفات فساد في بلديات المعارضة بتركيا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في أعقاب توقيف القضاء التركي 20 شخصا من المعارضة، بينهم رئيس بلدية أتاشهير أونورسال أديجوزال، برزت تصريحات رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، لتسلّط الضوء على تداعيات القضية.

ونشرت صحيفة "حرييت" التركية مقالا للكاتب نديم شينير، قال فيه: إن تصريحات أوزيل لا يمكن قراءتها كتعليق عابر، بل كجزء من إستراتيجية سياسية تهدف إلى استباق مسار التحقيق، والتأثير في الرأي العام منذ اللحظة الأولى.

وأفاد بأن "القضية ستُضخَّم وأن الأكاذيب ستُنشر"، وذلك في محاولة واضحة لزرع الشك مسبقا في كل ما قد يظهر لاحقا من معطيات أو أدلة.

انتشار الفساد

وأشار الكاتب التركي إلى أن "الدفاع من قبل رئيس حزب الشعب الجمهوري لم يأتِ في شكل نفي مباشر للتهم المطروحة، بقدر ما ركّز على زاوية محددة وهي غياب المناقصات". 

واستطرد: “فقد جرى التأكيد على أن رئيس البلدية لم يقم تقريبا بأي مناقصات بسبب ضعف الإمكانيات المالية، وأنه اعتمد بدلا من ذلك على شراء المعدات بشكل مباشر وتقديم الخدمات بأقل تكلفة ممكنة”. 

واستدرك شينير: “غير أن هذا الطرح يتجاهل نقطة أساسية، وهي أن الاتهامات المطروحة لا تتعلق أصلا بالمناقصات، بل بفساد في تصاريح البناء والتخطيط العمراني، وهو ما يجعل الدفاع في واد والاتهامات في واد آخر”

وأشار  إلى أن "محاولات التبرير هذه تأتي في سياق أوسع؛ حيث دافع بعض المسؤولين السياسيين في وقت سابق عن قضايا مشابهة في بلديات مختلفة، ظهرت فيها أموال بطرق لافتة مثل أن تكون داخل علب أو حقائب". 

ويرى شينير أن “هذا النمط يعزز الشكوك حول وجود مشكلة بنيوية، وليس مجرد حالات فردية معزولة”. 

وأكد أن “ما يزيد من خطورة القضية هو حجم المعطيات التي ظهرت من خلال التحقيقات، والتي تتضمن شكاوى من أشخاص دفعوا رِشا، إلى جانب تسجيلات تنصت قانونية توثق الحوارات بين الأطراف المعنية”. 

وهذه المعطيات تكشف عن آلية عمل شبه منظمة؛ حيث يتم ربط منح تصاريح البناء أو السكن بعلاقات غير رسمية واستضافات فاخرة.

عقلية قائمة

وأحد أبرز الأمثلة على ذلك يتمثل في استضافة مقاول لمسؤولين بلديين على يخته الخاص، لتأتي بعد ذلك الموافقات الرسمية على مشاريعه. 

وقال شينير: إن هذا التقارب الزمني بين "الضيافة" و"القرار الإداري" ليس تفصيلا عابرا، بل مؤشر على نمط متكرر يستحق التوقف عنده.

وأضاف أن الأرقام المتداولة في القضية تعكس حجما كبيرا من الفساد؛ إذ تشير التحقيقات إلى أن إجمالي الرِّشا بلغ نحو 13.5 مليون دولار، وهو رقم لا يمكن عدّه حالة فردية أو بسيطة. 

وقد أفاد أحد رجال الأعمال المشاركين في القضية أنه اضطر لدفع هذه المبالغ تحت ضغط مباشر، من أجل الحصول على تصاريح السكن اللازمة.

واستدرك الكاتب أن "اللافت في هذه الشهادات ليس فقط حجم الأموال، بل التغير في سلوك المسؤولين". 

حيث يُقال إن بدء التحقيقات قد دفع بعض المسؤولين إلى رفع سقف مطالبهم المالية، وذلك انطلاقا من تصور مفاده أن المخاطرة أصبحت أعلى، وبالتالي يجب تعويضها بمكاسب أكبر. 

وأشار الكاتب إلى أن “هذا السلوك يعكس عقلية قائمة على تحقيق أكبر مكسب ممكن قبل الانكشاف، وهو ما يضيف بعدا نفسيا معقدا إلى القضية”.

وأضاف أن “تسجيلات التنصت كشفت تفاصيل دقيقة حول المبالغ المدفوعة؛ حيث تحدث أحد رجال الأعمال مع محاميه عن دفع 6.5 ملايين دولار، معبرا عن استيائه الشديد من حجم هذه المبالغ”. 

وشدد شينير على أن “هذه التسجيلات تمثل دليلا مهما؛ لأنها تقدم معلومات مباشرة من داخل الأطراف المعنية”.

وأكد أن التسلسل الزمني للأحداث يعزز هذه الصورة، حيث تكررت نماذج واضحة؛ استضافة مسؤولين، ثم دفع أموال، ثم صدور موافقات رسمية. ويشير هذا النمط إلى وجود منظومة متكاملة، وليس مجرد تجاوزات فردية".

اتهامات أخلاقية

وأشار الكاتب إلى أن القضية لا تقف عند حدود أتاشهير، بل تمتد إلى مدن أخرى مثل أوشاك؛ حيث تتخذ قضية رئيس بلديتها السابق أوزكان ياليم أبعادا تحليلية عميقة، تتجاوز التوصيف الجنائي المباشر لتتحول إلى ما يشبه الدراما السينمائية المعقدة. 

وأوضح أن “الملف رقم 2026/5027 يظهِر تداخلا خطيرا بين استغلال النفوذ السياسي والمصالح التجارية الخاصة”.

ولفت الكاتب إلى أن “رئيس بلدية أوشاك السابق يدير أيضا ملاهي ليلية، وقد قام بتسجيل 13 موظفا، يعملون في أربع شركات يملكها، ضمن كوادر البلدية، وهو ما يعد تقويضا مباشرا لنزاهة الإدارة المحلية واستنزافا ممنهجا للمال العام”.

وأشار  إلى أن “الأزمة لا تتوقف عند الهدر المالي، بل تمتد لتشمل انحدارا أخلاقيا كشفت عنه التقنيات الرقمية التي استعادت مئات الصور الفاضحة والبيانات المحذوفة من أجهزته، مما يعكس نمط حياة صاخبا يتناقض كليا مع المسؤولية المجتمعية المفترضة لمسؤول في مكانته”.

وأضاف أن "المأزق الحقيقي يكمن في المشهد السياسي الراهن، فلا يزال ياليم يحتفظ بعضويته في حزب الشعب الجمهوري رغم هذه الفضائح المدوية".

واستطرد: "وهو ما يضع القيادة السياسية بزعامة أوزيل في مواجهة مباشرة مع تساؤلات الشارع، حول القدرة على التطهير الحزبي والمحاسبة الداخلية أمام هذا المزيج الصادم من الفساد الإداري والسلوك الشخصي المثير للجدل".

وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: إن "الصراع الدائر حول هذه القضايا لا يقتصر على الوقائع، بل يمتد إلى السرديات التي تُبنى حولها. فهناك خطاب سياسي يسعى إلى نفي الاتهامات والتقليل من شأنها، في مقابل سردية أخرى تستند إلى أدلة وتحقيقات". 

وتابع: "بين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى الحقيقة، وضمان أن تكون المحاسبة قائمة على الأدلة، لا على الانتماءات أو التوجهات".