رغم شراكتها مع أميركا وإسرائيل.. لماذا تتمسك الهند بتطوير علاقتها مع إيران؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أظهرت الأحداث الأخيرة في الخليج العربي مدى اعتماد الدول الآسيوية الكبير على استقرار منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تواجه الهند، على وجه الخصوص، معضلة دقيقة في سياستها الخارجية، فمن جهة، تحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تظل إيران، من جهة أخرى، شريكا أساسيا لإمدادات الطاقة والترابط الإقليمي.

وتطرح الأزمة الراهنة تساؤلات جوهرية حول قدرة الهند على الحفاظ على استقلاليتها الإستراتيجية، دون المساس بمصالحها الاقتصادية والأمنية الحيوية.

وفي هذا الإطار، تناولت "مؤسسة كونراد أديناور" الألمانية، أهمية العلاقات بين الهند وإيران في ضوء هذه التطورات الأخيرة.

تعاون برغماتي

في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة من الهجمات الجوية والصاروخية على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي.

ومثلت هذه الضربة العسكرية بداية حرب سرعان ما توسعت لتشمل منطقة الخليج العربي بأكملها، حيث استهدفت الضربات الإيرانية المضادة منشآت أميركية في دول مختلفة بالمنطقة، كما نالت أهدافا مدنية.

وتنفيذا لتهديدات سابقة، هاجمت إيران بشكل متكرر السفن في مضيق هرمز منذ مطلع مارس/ آذار 2026، مما أدى إلى توقف حركة الملاحة هناك بشكل شبه كامل، ونتج عن ذلك أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية منذ عقود.

وفي هذا الصدد، قالت المؤسسة: "تعد الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، ومن بينها الهند، الأكثر تضررا من هذه التطورات".

وأردفت: "ولا تتضح أهمية الأزمة الحالية بالنسبة لنيودلهي إلا عند النظر إلى العلاقات التاريخية والبراغماتية التي تربط البلدين".

وتابعت: "ففي الواقع، تعود هذه الروابط إلى العصور القديمة، حيث أسهمت طرق التجارة في خلق تفاعل ثقافي واسع، ولا تزال التأثيرات الفارسية حاضرة في جوانب من الإدارة والثقافة والمجتمع في الهند خلال العصور الوسطى".

وذكرت أنه "حتى اليوم، يحرص الطرفان على التأكيد على هذه الروابط التاريخية، وقد عززت معاهدة الصداقة الموقعة عام 1950 العلاقات الدبلوماسية بين البلدين".

ولفتت إلى أنه "رغم القرب الإيراني من باكستان وتباين التوجهات الجيوسياسية، حافظ الجانبان على علاقات مستقرة نسبيا، تجسدت في سلسلة من اللقاءات الثنائية عبر السنوات".

"بعد ذلك، شكلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول بارزة، إذ أدت إلى عزلة دولية أكبر لإيران وتغيير جذري في سياستها الخارجية"، قالت المؤسسة.

واستطردت: "ومع ذلك، لم تنقطع العلاقات بين الهند وإيران بالكامل، خاصة في ظل المصالح الإقليمية المتبادلة".

بصورة عامة، وصفت المؤسسة العلاقة بين البلدين بـ"علاقة تعاون براغماتي؛ إذ تكتسب إيران أهمية خاصة للهند في مجالات الطاقة والربط مع آسيا الوسطى، كما أن مكافحة حركة طالبان في أفغانستان كانت تمثل مصلحة مشتركة للطرفين".

واستطردت: "من هنا، تظل إيران شريكا مهما للهند، رغم علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل".

ولفتت المؤسسة إلى أن "هذه الازدواجية تضح بشكل أكبر عند الإشارة إلى أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي كان قد زار إسرائيل قبل يومين فقط من الهجوم، وأجرى محادثات حول الأمن والتكنولوجيا والتعاون الإستراتيجي".

من جهة أخرى، ذكرت أن "نيودلهي وسعت في السنوات الأخيرة علاقاتها مع دول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات، حيث تلعب الطاقة دورا محوريا، إلى جانب الدور المهم للجالية الهندية الكبيرة في تلك الدول".

وفق هذه المعطيات، استخلصت المؤسسة التحدي الأساسي في السياسة الخارجية الهندية، إذ "تعتمد نيودلهي على تعميق شراكاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج لما لها من أهمية في التنمية الاقتصادية والتحديث التكنولوجي والتعاون الأمني، فضلا عن كونها مصدرا رئيسا لواردات الطاقة".

وتابعت: "وفي الوقت نفسه، لا يمكنها التفريط في التعاون مع إيران الذي يمثل أهمية حيوية في مجال الطاقة والربط الإقليمي والوصول إلى آسيا الوسطى".

وأردفت: "إن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق يمثل جوهر معضلة السياسة الخارجية الهندية في المنطقة، وهو ما يزداد تعقيدا مع تصاعد الأزمة، خاصة في ظل الدور الحاسم الذي تلعبه الطرق البحرية في منطقة الخليج العربي".

الربط الإقليمي

وأشارت المؤسسة إلى أن "الأهمية الإستراتيجية لإيران بالنسبة لأمن الطاقة في الهند تتضح من خلال مضيق هرمز، الذي تسيطر إيران فعليا على حركة الملاحة فيه".

وبوصفها واحدة من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، تضطر الهند إلى شراء نحو 90 بالمئة من احتياجاتها من النفط الخام من الخارج، وتأتي نسبة تتراوح بين 45 إلى 50 بالمئة من هذه الاحتياجات من منطقة الشرق الأوسط، مما يجعلها رهينة الاستقرار الإقليمي وبقاء مضيق هرمز مفتوحا.

ونوهت إلى أن "هناك عاملا آخر غالبا ما يتم إغفاله، وهو أن أجزاء كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال والغاز البترولي المسال تصل إلى الهند عبر هذا المسار أيضا".

وأضافت: "يعد الغاز البترولي المسال عنصرا حيويا في الهند لاستخدامات الطهي المنزلي والمطاعم، فضلا عن الصناعة، حيث تضطر الهند لاستيراد نحو 60 بالمئة من إجمالي احتياجاتها من هذا الغاز، ويمر قرابة 90 بالمائة من هذه الواردات عبر مضيق هرمز".

وبعيدا عن ملف الطاقة، ذكرت المؤسسة الألمانية أن طهران "تلعب دورا جوهريا في منح الهند وصولا إلى أفغانستان وآسيا الوسطى".

وفي هذا السياق، لفتت النظر إلى "مشروع ميناء تشابهار الذي يعد واحدا من أهم مشاريع البنية التحتية الإستراتيجية للهند في الخارج".

ويقع ميناء تشابهار في جنوب شرق إيران على خليج عمان، وتساهم الهند بشكل رئيس في تطويره وتمويله.

وتعتقد المؤسسة أن "السبب في ذلك هو أن الميناء يمنح السفن الهندية وصولا مباشرا إلى إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى مع تجاوز باكستان".

علاوة على ذلك، "تسعى الهند من خلاله إلى تقديم بديل للنفوذ الصيني في المنطقة، ضمن ما تصفه الهند بإستراتيجية الربط الإقليمي الأوسع".

وأضافت أن "الميناء يعد جزءا من ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي، الذي يربط الهند بآسيا الوسطى وأوروبا مرورا بروسيا وإيران، بعيدا عن النفوذ الصيني وباكستان".

وأشارت إلى أنه "من خلال هذا المشروع، تسعى الهند إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية صاعدة، خاصة عند النظر إلى الخريطة الجغرافية، حيث يقع تشابهار قرب ميناء غوادر في باكستان، الذي يُعد جزءا من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني".

"وهكذا، ومن خلال تطوير بنى تحتية موازية في محيط جغرافي متقارب مع مشاريع منافسة، تسعى نيودلهي إلى خلق توازن إستراتيجي وبناء طرق تجارية مستقلة وغير خاضعة لسيطرة الخصوم الجيوسياسيين"، وفق المؤسسة.

ورغم ذلك، نوهت إلى أن "العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أدت إلى إبطاء وتيرة تطوير الميناء في فترات سابقة، إذ أبدت البنوك وشركات التأمين وشركات الشحن ترددا في ضخ استثمارات كبيرة في المشروع، رغم أنه لم يتم إيقافه في أي مرحلة".

"وهنا تظهر مرة أخرى الخصوصية الإستراتيجية والاستقلالية في السياسة الخارجية للهند"، قالت المؤسسة.

وأوضحت مقصدها: إذ اُستثني مشروع تشابهار جزئيا من العقوبات الأميركية، بينما واصلت الهند وإيران تمديد تعاونهما بشأن تشغيل الميناء والتخطيط لاستخدامه على المدى الطويل".

استقلال إستراتيجي

فيما يتعلق بالأزمة الحالية، قالت المؤسسة: "في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة في المنطقة، تتعاظم أهمية وجود نقاط ارتكاز واستقرار إقليمي".

وتابعت: "في هذا الصدد، كشفت التطورات الراهنة عن مدى هشاشة وضع الهند، إذ أدت اضطرابات سلاسل الإمداد خلال الأسابيع الأخيرة إلى تراجع توافر غاز البترول المسال".

ما دفع الحكومة إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات الأسر، في حين اضطرت قطاعات الصناعة والمطاعم إلى تقليص استهلاكها.

وبحسب المؤسسة، "انعكست هذه التطورات على الحياة اليومية بشكل ملحوظ، حيث خفّضت بعض المطاعم الصغيرة من حجم خدماتها أو أصبحت تنبه الزبائن إلى فترات انتظار أطول".

ولمنع مزيد من التأخير في الإمدادات، نشرت الهند وحدات من قواتها البحرية لتأمين طرق التجارة ومرافقة ناقلات النفط، في إطار عملية "سانكالب" التي انطلقت عام 2019 بهدف حماية عبور السفن الهندية عبر مضيق هرمز.

بالتوازي مع ذلك، ذكرت المؤسسة أن نيودلهي "تحافظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع إيران، حيث أفادت تقارير إعلامية بوجود محادثات بين الجانبين لضمان حرية المرور في المضيق".

وأردفت: "تشير هذه التقارير إلى أن إيران تطالب في المقابل بالإفراج عن ثلاث ناقلات محتجزة في ميناء مومباي، يشتبه في ارتباطها بطهران".

وذكرت المؤسسة أنه “بفضل هذه المقاربة القائمة على تبادل المصالح، تمكنت عدة ناقلات ترفع العلم الهندي من عبور المضيق دون حوادث، باستثناء ما حدث في 18 أبريل/ نيسان 2026، حين تعرضت سفينتين ترفعان العلم الهندي لاعتداء إيراني، واستدعت خارجية الهند سفير طهران”.

ووفقها، "تجلت هذه السياسة الهندية متعددة الاتجاهات أيضا على المستوى الدبلوماسي، من خلال مشاركة نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده في (حوار رايسينا) الأمني الذي عُقد مطلع مارس 2026 في نيودلهي، حيث دافع عن مواقف بلاده".

واستطردت: "في المقابل، أُتيحت أيضا منصات لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، في محاولة لإشراك جميع الأطراف في النقاش".

ومن منظور هندي، خلصت المؤسسة الألمانية إلى "أن العلاقات مع إيران تظل ذات أهمية إستراتيجية بالغة، إذ تؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة وشبكات الربط الإقليمي".

وعليه، قدرت "استمرار الشراكة البراغماتية بين البلدين على المدى البعيد، نظرا للأولوية السياسية العالية التي يحظى بها مشروع ميناء تشابهار".

في المحصلة، "كشفت الأزمة الحالية مدى اعتماد الهند على استمرار حرية الملاحة في هرمز، وهو ما يعزز قناعتها بضرورة الحفاظ على استقلالها الإستراتيجي، ومواصلة نهجها القائم على التعاون البراغماتي مع إيران، رغم التوترات والضغوط الدولية، بما في ذلك تلك المرتبطة بواشنطن وإسرائيل".