لهذه الأسباب سيكون الجيل القادم من الجمهوريين "أكثر تطرفا" من حركة "ماغا"

"الحزب الجمهوري على أعتاب نقطة تحول"
يرى أكاديمي أميركي أن الرئيس دونالد ترامب، للمفارقة، قد يُمثّل يوما ما الجناح المعتدل والعقلاني في الحزب الجمهوري.
جاء ذلك في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" لأستاذ التاريخ والشؤون العامة في جامعة برينستون، جوليان زيليزر، حيث تساءل: لماذا قد يكون الجيل القادم من الجمهوريين أكثر تطرفا من حركة "ماغا"؟

توازن بعيد
وقال: إن "الفكر السياسي الأميركي لطالما افترض أن التطرف يحمل في طياته بذور تصحيحه الذاتي، وأن النظام، إذا تُرك لدوراته الطبيعية، سيعود في نهاية المطاف إلى التوازن".
وانطلاقا من هذا التصور، يوضح زيليزر أن مستقبل الحزب الجمهوري من المفترض أن يتجه نحو مسار تصحيحي؛ فبعد فترتين رئاسيتين وتحالف "ماغا" الذي يناهض ترامب، قد يُدفع الحزب تدريجيا نحو الاستقرار.
ومن العوامل الدافعة لذلك تصاعد السخط الشعبي، وتراجع شعبية ترامب، وتقلبات الاقتصاد، إلى جانب تهديداته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتدمير حضارة بأكملها في إيران.
وأشار زيليزر إلى أن هذا الأمل تجلى حين انفصلت النائبة السابقة، مارجوري تايلور غرين التي كانت من أشد أنصار ترامب، عن الإدارة بسبب ملفات إبستين، ونددت بتهديداته لإيران واصفةً إياها بـ "الجنون".
غير أن التاريخ الحديث يُشير، وفق زيليزر، إلى أن الحزب قد ينتهي به المطاف إلى مزيد من التطرف لا العكس.
فبعد حقبة نيوت غينغريتش [رئيس سابق لمجلس النواب الأميركي وقائد بارز للجمهوريين في التسعينيات] وحزبه المتشدد، برزت توقعات -تجلت بوضوح في حملة جورج دبليو بوش الرئاسية عام 2000- بأن الحزب سيتجه نحو الوسط.
غير أن انتخابات التجديد النصفي لعام 2010، وصعود حركة حزب الشاي [تيار محافظ داخل الحزب الجمهوري برز بعد 2009]، أظهرت أن الجمهوريين اتجهوا فعليا نحو اليمين أكثر فأكثر.
ويضيف زيليزر أن هذا المسار قد يتكرر؛ فقد رصدت مقالة حديثة لأنطونيا هيتشنز في مجلة "نيويوركر" تزايد أعداد القوميين البيض الشباب الذين انتقلوا من هامش وسائل التواصل الاجتماعي إلى قلب التيار الجمهوري.
كما بات من الصعب تجاهل نيك فوينتيس، صاحب البث المباشر، وجماعته "غرويبرز" (Groypers)، المعروفة بمعاداة السامية والنزعة القومية المتطرفة والعنصرية، وفق المقال.
حيث يرى فوينتيس أن الحرب في إيران قد تمثل نقطة تحول تُوسّع نفوذهم، فيما نقلت هيتشنز عن أحد الجمهوريين قوله: إن "ترامب هو الرائد، الشخص الذي فتح الباب أمامنا. لقد فتح الباب أمام هذا الجيل الجديد الذي سيأتي لتولي زمام الأمور".
وأضاف زيليزر أن فوينتيس وجماعته لا يمثلون سوى فصيل متطرف واحد يتحرك داخل الجسم السياسي للحزب الجمهوري.
وحذّر من أنه ما لم يبادر جمهوريون نافذون إلى تشكيل تحالف قادر على توجيه الحزب نحو مسار مختلف، فقد يأتي يوم يتحدث فيه المحللون بنوع من الحنين إلى "الأيام الخوالي" حين كان ترامب يُمثّل الجناح المعتدل والمتزن في الحزب الجمهوري.

تطرف متصاعد
وأوضح الكاتب أن صعود غينغريتش شكّل التطرف السياسي الجمهوري خلال أواخر الثمانينيات والتسعينيات.
ولطالما وُجد سياسيون تخلّوا عن الضوابط وقدّموا الصراع الحزبي على حساب متطلبات الحكم والحفاظ على المؤسسات. وأبرزهم السيناتور جوزيف مكارثي من ويسكونسن في خمسينيات القرن الماضي، لكن لم يبلغ أحد منهم ما بلغه غينغريتش من مكانة.
وأشار زيليزر إلى أنه حين فاز أوباما بالرئاسة عام 2008، بدأ جيل غينغريتش يبدو وديعا في نظر الجمهوريين الشباب المحبطين من فشل حزبهم، رغم ثماني سنوات في البيت الأبيض في عهد بوش، في تقليص حجم الحكومة بصورة جذرية.
وتابع أنه خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2010، ترشّح جيل جديد من الجمهوريين مدفوعا بالغضب من خطة إنقاذ وول ستريت التي أيدها كل من بوش وأوباما في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
وحشد هؤلاء جهودهم ضد خطة أوباما للرعاية الصحية الوطنية، التي رأوا فيها تدخلا فيدراليا في قطاع الطب، كما طالبوا بتخفيضات حادة في الإنفاق العام، وأبدوا استعدادا لاتخاذ خطوات واسعة لتحقيق ذلك.
وأوضح أن حزب الشاي دفع الحزب الجمهوري نحو اليمين، ومنح شرعية لتكتيكات وخطابات أكثر تشددا. وباتت التهديدات المرتبطة بسقف الدين مجددا عام 2013، وإغلاق الحكومة، وعرقلة النظر في مرشحي المحكمة العليا، واستخدام لغة كانت ستُحرج حتى غينغريتش، ممارسات اعتيادية.
كما أيّد كثيرون، أو التزموا الصمت إزاء، "حركة التشكيك في مكان الولادة" التي طعنت في شرعية أول رئيس أسود للبلاد.
وفي استطلاع رأي أُجري عام 2012، قال 30 بالمئة من مؤيدي حزب الشاي إنهم يعتقدون أن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، فيما أفاد 29 بالمئة آخرون بعدم معرفتهم بذلك.
وأشار الكاتب إلى أنه بحلول انتخاب ترامب عام 2016، كان كثير من الجمهوريين قد تبنّوا عقلية "ماغا" بالفعل قبل أن يظهر المصطلح.
وأوضح زيليزر أنه خلال الولاية الأولى لترامب، ومع مضيه في تجاوز الأعراف الديمقراطية -وهو سلوك انتهى بعزله مرتين- كان الجمهوريون في الكونغرس مهيئين لدعمه وترسيخ أجندته.
وكل جمهوري تحدّى الأغلبية، مهما بلغت درجة محافظته، وجد نفسه مهمشا داخل الحزب أو خسر منصبه في الانتخابات التمهيدية. وفي ظل أغلبية برلمانية ضيقة وشديدة التقلب، لم يكن بوسع قادة الأحزاب السماح لأعضائهم بمخالفة الخط الحزبي، خشية فقدان الأغلبية أو تبديد فرص استعادتها.

استقطاب غير متكافئ
وأشار إلى أن علماء السياسة وصفوا ديناميكيات هذه المرحلة بـ "الاستقطاب غير المتكافئ"، حيث ابتعد الحزبان عن بعضهما وفقدا مركزيتهما، غير أن الجمهوريين اتجهوا نحو قدر أكبر بكثير من التطرف في سياساتهم وتكتيكاتهم.
ففي حين ظل الديمقراطيون تحت قيادة تميل إلى إعطاء الأولوية للاعتدال ومتطلبات إدارة الدولة، بدا الجمهوريون أكثر استعدادا للمضي في مسارات تصعيدية قد تهدد استقرار النظام السياسي.
وأضاف أن توجه السياسة الجمهورية واصل انزياحه نحو اليمين، متخذا تكتيكات أكثر تطرفا عاما بعد عام.
فما بدأ بوصفه طاقة ثورية هامشية في أوائل الثمانينيات، تحول تدريجيا إلى منطق حاكم لقيادة الحزب. كما أسهمت التحديات الانتخابية واختبارات الولاء في ضبط سلوك حتى المشرعين المخضرمين.
وتغيّر مركز ثقل الحزب إلى حد أن مواقف كانت تُعد متطرفة، مثل الطعن في شرعية النظام الانتخابي وتوظيف سيادة القانون كأداة حزبية فجة، أصبحت أمورا مألوفة.
وعندما نشر ترامب منشورات على منصة "تروث سوشيال" تدعو إلى تدمير إيران، كان اللافت صمت عدد كبير من زملائه الجمهوريين، وفق المقال.
وختم زيليزر بالقول إن الحزب الجمهوري قد يكون على أعتاب نقطة تحول يبدأ فيها كبح بعض التجاوزات مع رحيل ترامب عن المنصب. لكنه قد ينزلق بسهولة أيضا إلى مسار مختلف تماما، بحيث يصبح اليمين المتطرف هو الوضع الطبيعي الجديد.
"وستكون للقرارات التي يتخذها قادة الحزب في السنوات المقبلة، بشأن الصورة التي يريدون ترسيخها في كتب التاريخ، تداعيات عميقة على مسار السياسة الأميركية".

















