أقل من المتوقع.. ماذا يمنع صعود أسعار الطاقة رغم تواصل الحرب في مضيق هرمز؟

"لماذا تتعامل أسواق الطاقة مع تهديدات واضحة بهذا القدر بهكذا هدوء نسبي؟!"
سجّلت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا ابتداءً من 2 مارس/آذار 2026، وهو اليوم الثالث من العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران؛ إذ تراوحت الزيادة في سعر النفط الخام القياسي بين 7 و9 بالمئة، بالتزامن مع توسيع طهران نطاق الردّ ليشمل استهداف منشآت الطاقة في مختلف أنحاء المنطقة.
ورغم تأكيد مجلة "فورين بوليسي" أن العدوان على إيران يحدث اضطرابًا في أسواق الطاقة، إلا إنها تشير في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز لم يصل إلى المستوى الخطير حتى الآن.

تقلبات حادة
وقالت المجلة، في تقرير لها: "العجيب أن أسعار النفط لا تقفز إلى مستويات أعلى بكثير. فما يحدث الآن في الشرق الأوسط هو بالضبط السيناريو الذي ظلّ مديرو شركات الطاقة والمحللون والمتداولون يتخوّفون منه لسنوات".
وأضافت أن إيران هدّدت بإغلاق مضيق هرمز، وفعليا تنفذ ذلك، بعدما توقفت حركة ناقلات النفط تقريبا ذهابا وإيابا. كما شنّت هجمات على بنى تحتية حيوية للطاقة في دول مجاورة، بينها مصفاة عملاقة ومحطة تصدير في السعودية، ومنشأة رئيسة لتصدير الغاز الطبيعي في قطر.
وفي الكويت، تسقط مقاتلات أميركية من طراز "إف-15" من السماء. وتشتعل النيران في ناقلات نفط في البحرين. أما فرنسا، فترسل حاملة طائراتها إلى شرق المتوسط بذريعة "تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الفرنسية".
وأردفت: "من الواضح أن رقعة الحرب تتسع، ومع ذلك لا يستطيع سعر النفط اختراق حاجز 80 دولارا للبرميل. وللمقارنة، تجاوزت الأسعار 140 دولارا في صيف 2008؛ ورغم أن حرب العراق كانت لا تزال مستعرة آنذاك، لم تكن هناك تهديدات جدية بإغلاق مضيق هرمز أو ضربات تطال مصافي السعودية كما هو الحال اليوم".
ولا يقتصر الأمر على النفط؛ فقد شهدت أسواق الغاز الطبيعي تقلبات حادة؛ إذ ارتفعت الأسعار في أوروبا بنحو 33 بالمئة.
ويعود ذلك، وفق التقرير، إلى أن مضيق هرمز يشكّل ممرا حيويا لناقلات الغاز المتجهة إلى أوروبا وآسيا، إضافة إلى أن الضربات الإيرانية أوقفت الإنتاج والمعالجة في منشأة قطرية كبرى. وتُعد قطر ثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المُسال في العالم بعد الولايات المتحدة.
وقد تحققت تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز فعليا، حتى من دون اللجوء إلى نشر ألغام بحرية أو زوارق سريعة هجومية أو صواريخ ساحلية.
فقد توقّفت حركة الملاحة في المضيق شبه كلي منذ يوم السبت، 28 فبراير/شباط 2026، والمطرقة في هذا المشهد كانت التهديدات التي أطلقتها إيران بحق ناقلات النفط الساعية لعبور هذا الممر الحيوي الذي ينقل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي في العالم.
أما السندان فكان سوق التأمين البحري في لندن؛ إذ قفزت أقساط التأمين يوم السبت، وخلال عطلة نهاية الأسبوع أُلغيت تغطيات تأمين مخاطر الحرب.
وقد أدّى ذلك إلى شلل شبه تام في حركة الشحن -وفق التقرير- غير أن هناك لحظة حاسمة لا بدّ أن تأتي، فكل تلك الناقلات الفارغة الراسية شرق المضيق ستضطر في وقت ما إلى الدخول لتحميل شحناتها، وإلا فإن الآبار داخل المنطقة -في الكويت والسعودية والعراق وحتى إيران- ستتوقف عن العمل.
إلى جانب ذلك، هناك الضربات الفعلية التي نالت سفنا، أو محاولات استهدافها، وهو ما يثير قلق شركات التأمين والبحارة على حد سواء.
وتفيد هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بوقوع ما لا يقل عن أربع حوادث منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على طهران، شملت هجمات إيرانية على سفن في الإمارات وسلطنة عُمان والبحرين.
وتابع التقرير: "ثم هناك التصعيد الإقليمي؛ حيث سبق لإيران أن وجّهت ضربات محدودة إلى خصومها في المنطقة؛ ففي عام 2019 تعرّضت منشأة بقيق السعودية العملاقة لمعالجة النفط لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من إيران أو اليمن، ما أدى مؤقتا إلى تعطّل نحو 5 بالمئة من الطاقة الإنتاجية العالمية للنفط".
وفي 2 مارس/آذار 2026، استهدفت إيران منشأة رأس تنورة للتكرير، أكبر مجمّعات أرامكو السعودية، بهجوم بطائرة مسيّرة. واندلع حريق كبير وتوقّف الإنتاج مؤقتا، غير أن مسؤولين سعوديين قالوا: إن الأضرار نتجت عن حطام طائرات جرى اعتراضها.
أما في قطر، فكانت الضربات الإيرانية أشد تأثيرا؛ إذ تعرّضت منشأة "رأس لفان" للغاز الطبيعي لهجمات وُصفت بأنها خطيرة بما يكفي لدفع الدوحة إلى وقف إنتاج الغاز الطبيعي المُسال.

تساؤلات عريضة
وأوضحت المجلة الأميركية أنه "رغم أن تقلبات الأسعار في أوروبا كانت ملحوظة، فإنها بقيت أقل حدّة مما شهدته الأشهر الأولى من الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها مع ذلك غير مرغوب فيها".
"وفي المقابل، تُبدي روسيا ارتياحا لنتائج الهجمات على إيران؛ إذ أسهمت في رفع أسعار النفط؛ فموسكو تحتاج إلى نفط مرتفع الثمن لتمويل حربها".
وتابعت: "صحيح أن خامها يُباع بخصم كبير، لكن ارتفاع الأسعار عالميا ينعكس عليها أيضا، لذلك لا يخفي إعلامها سعادته باحتمال وصول النفط إلى 100 دولار للبرميل".
كل ذلك يطرح سؤالا، وفق التقرير: لماذا تتعامل أسواق الطاقة مع تهديدات واضحة بهذا القدر بهدوء نسبي؟
وقالت المجلة: "سيؤكد كثير من الخبراء أنه ما لم تتمكن إيران من فرض إغلاق مستدام لمضيق هرمز، أو إلحاق ضرر حقيقي وطويل الأمد بشركائها الإقليميين في مجال الطاقة، فلا يوجد سبب حقيقي للذعر".
وأضافت: "قد يختلف تجّار الغاز والمستهلكون مع هذا التقدير على المدى القريب، في ظل الاضطراب الحاد الذي يصيب شحنات الغاز الطبيعي المُسال".
واستدركت: "لكن سوق النفط العالمية تتمتع بإمدادات وفيرة، كما أن نمو الطلب ليس مصدر قلق في ظل الحروب العالمية الجارية، سواء كانت عسكرية بالصواريخ أو اقتصادية بالحروب التجارية. بل إن منظمة أوبك تعهّدت بزيادة طفيفة في الإنتاج الشهر المقبل".
ومن الصحيح أيضا أن أسواق الطاقة فقدت خلال العقد الماضي إيمانها بما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. فقبل عقدٍ من الزمن، كان اندلاع حربٍ في الشرق الأوسط سيؤدي إلى اشتعال الأسواق بما يتجاوز ناطحات السحاب في دبي.
ومع ذلك، يبدو أن ردّ فعل السوق حتى الآن مطمئنٌ أكثر مما ينبغي، على حد تقييم المجلة.

















