رخصة قتل بغطاء رسمي.. كيف يسلّح بن غفير القدس ضد الفلسطينيين؟

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

حوّل وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير عملية تسليح المستوطنين إلى سياسة منظّمة، بما يخدم مشروع السيطرة والقمع في القدس والضفة الغربية، وذلك بعد أن كان حمله مضبوطا بشروط انتقائية.

في 9 مارس/آذار 2026 أعلن بن غفير أن جميع سكان الأحياء الاستيطانية اليهودية في القدس أصبحوا مؤهلين للحصول على رخصة سلاح اعتمادا على موقعهم الجغرافي فقط، ما يضيف أكثر من 300 ألف يهودي إلى دائرة الأهلية.

يأتي هذا القرار ضمن سلسلة توسّعات في منح الرخص منذ وصول بن غفير إلى المنصب، ويتزامن مع أجواء حرب مفتوحة مع إيران وعيد الفصح ورمضان، ما يمنح الخطاب الأمني مبررًا إضافيًا.

من الاستثناء إلى التعميم

مطلع فبراير/ شباط 2023، دعا بن غفير، بعد تنفيذ عملية فدائية قرب كنيس يهودي في القدس إلى زيادة عدد رخص حمل السلاح خمسة أضعاف، مطالبا قسم تراخيص الأسلحة بإصدار 10 آلاف رخصة شهريًا بدل ألفين.

بعدها بأشهر، ومع بدء العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تسارعت وتيرة الطلبات بصورة غير مسبوقة؛ فقد نقلت  وكالة رويترز البريطانية عن مسؤولين أن 150 ألف طلب قُدم بعد عملية طوفان الأقصى مقارنة بـ 42 طلبًا في الفترة ذاتها من العام الذي سبقه.

كما أعلنت وزارة الأمن القومي الإسرائيلي عن إنشاء ما أسمتها 527 فرقة حراسة تطوعية وتوفير 20 ألف قطعة سلاح لها، مع طلب شراء 20 ألف قطعة إضافية.

في الأشهر التالية، تحوّل هذا المسار من تسريع الإجراءات إلى توسيع جغرافي، ففي يناير/كانون الثاني 2026 وافق بن غفير على إمكانية التقدم بطلب رخص حمل سلاح لمستوطني 18 مستوطنة إضافية في الضفة الغربية.

وكانت أرقام الرخص الجديدة موضع خلاف، ففي مارس/آذار 2024 أعلن بن غفير أنه منح 100 ألف رخصة منذ 7 أكتوبر 2023. مضيفا أن 80 ألف رخصة أخرى وافق عليها قسم التراخيص لاحقًا. 

بحلول مارس/آذار 2026، تباهى في مقابلة بأن عدد الرخص الجديدة يتجاوز 240 ألفًا منذ بدء توسيعه للسياسة، مقارنة بنحو 8 آلاف سنويًا قبل ذلك.

لكن حركة "الشفافية" الإسرائيلية (مجموعة منظمات تراقب الفساد الحكومي)، قالت: إن 157 ألف رخصة جديدة أُصدرت منذ الحرب، وإن العدد الإجمالي للرخص في إسرائيل ارتفع إلى 330 ألفًا، أي أنه تضاعف تقريبًا. 

وجاء قرار 9 مارس 2026 ليبلغ ذروة التعميم، فقد أعلن بن غفير أن جميع المستوطنين اليهود في 41 حيًّا داخل القدس باتوا مؤهلين للحصول على رخصة استنادًا إلى موقع سكنهم، إضافة إلى أربعة أحياء كانت مؤهلة سابقًا.

وأزال الوزير المتطرف عبر هذه الخطوة شرط الخدمة العسكرية أو التطوع، وحوّل الأهلية إلى معيار جغرافي فحسب. ووفقا لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، يدخل أكثر من 300 ألف شخص دائرة الأهلية بعد هذا القرار.

وبرّر بن غفير القرار بلغة أمنية وتحريضية، مدعيًا أنه ضرورة لحماية المدينة من "الأعداء"، في ظلّ الحرب مع إيران والتوترات المرتبطة بشهر رمضان.

لكن هذا التحول من استثناء محكوم إلى سياسة تسليح مفتوحة، يضع القدس والضفة الغربية أمام مرحلة أخطر، يصبح فيها السلاح الفردي جزءًا من البنية اليومية للجرائم الاستيطانية.

فوضى الرقابة

لم يتوقف الأمر هنا، فقد تحدثت حركة "الشفافية" الإسرائيلية عن فوضى نشر السلاح. مشيرة إلى أن نحو نصف الحاصلين الجدد على الرخص لا يملكون أي خبرة سابقة في استخدام الأسلحة.

وقالت الحركة: إن الامتحانات العملية تصل فيها نسبة النجاح إلى 99 بالمئة تقريبًا، ما يشير إلى تساهل كبير في منحه. وكشفت تحقيقات صحف عبرية عن منح صلاحيات غير قانونية للعاملين في مكتب بن غفير للموافقة على الرخص.

وطلبت المحكمة العليا من حكومة بنيامين نتنياهو توضيحات حول منح بعض الرخص من دون التقيّد بما أسمته "ضوابط العمل". كما يخضع خمسة موظفين سابقين للتحقيق بتهمة "إصدار تراخيص غير قانونية".

ويقول موقع "تايمز أوف إسرائيل": إن حركة جودة الحكم، وهي منظمة إسرائيلية مختصة بالرقابة على قرارات الحكومة، كشفت أن أكثر من 1100 رخصة سُلمت بطريقة غير قانونية، وأن هناك مخاوف من علاقة قرابة بين المستفيدين والموظفين.

وبحسب حركة الشفافية، لا يوجد سوى ستة مفتشين في كل إسرائيل للإشراف على امتثال حاملي الرخص للشروط، وهو عدد يثير السخرية مقارنة بالتوسع الهائل في حمل السلاح، كما ألغيت المقابلات الشخصية واستُبدلت بأخرى هاتفية مختصرة.

هذه المعطيات تدل على أن القرار الجديد ليس مجرد توسيع لمعايير الأهلية، بل  جزء من سياسة منهجية لتعميم التسليح وتخفيف القيود أمام حصول أوسع شريحة ممكنة من المستوطنين على السلاح.

في السياق نفسه، أوردت وكالة رويترز أن حكومة الاحتلال شكلت ما أسمتها "فرق أمان" في التجمعات اليهودية والبلدات الاستيطانية ووزعت 20 ألف قطعة سلاح، مع تزويدها بعتاد وقائي.

وهو ما يعني عمليًا توسيع هامش التهديد اليومي للفلسطينيين، لا سيما في القرى والبلدات المحاذية للمستوطنات وفي القدس المحتلة.

فوفق بيانات جيش الاحتلال وجهاز الأمن العام "الشاباك" وقع 867 حادثًا تصنف كـ"جرائم قومية" من قبل المستوطنين عام 2025، بزيادة 27 بالمئة عن عام 2024، بينما قفزت الهجمات "الخطيرة" (إطلاق نار، حرق) من 83 إلى 128 حادثًا.

وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن عام 2025 شهد أكثر من 1800 هجوم للمستوطنين أسفر عن شهداء ومصابين أو تدمير ممتلكات في 280 منطقة فلسطينية، بينما استشهد 240 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال العام نفسه.

على سبيل المثال، في 8 مارس/آذار 2026 هاجم مستوطنون قرية خربة أبو فلاح قرب رام الله وقتلوا شابين فلسطينيين، بينما توفي ثالث نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جيش الاحتلال.

ما التأثيرات؟

ولذلك، ينذر توسّع التسليح بالقدس  بتصاعد الخطر ويخلق احتمالات صدام جديدة في ظل بيئة إفلات شبه دائمة من العقاب؛ حيث تتسامح شرطة الاحتلال مع اعتداءات المستوطنين وتتعامل معها بقدر كبير من التراخي.

يؤكد المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي أن قرار بن غفير “يمثل تصعيدًا خطيرًا ينذر بزيادة الاعتداءات والجرائم بحق الفلسطينيين في المدينة المحتلة”.

وأوضح الرفاعي لـ"الاستقلال": “هذا القرار يأتي في سياق سياسة إسرائيلية ممنهجة لتسليح المستعمرين وتحويلهم إلى قوة مسلحة تعمل إلى جانب قوات الاحتلال؛ حيث إن عدد حاملي السلاح الفردي تصاعد في المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023”.

وشدد على أن “خطورة القرار تتضاعف في ظل تصاعد جرائم المستعمرين، ما يعكس النتائج المباشرة لسياسات التحريض والتسليح التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية”.

ولفت الرفاعي إلى أن تسليح المستعمرين لا يقتصر على المسدسات الشخصية، بل يشمل دعم ما يسمى “فرق التأهب” في المستوطنات.

وواصل القول: “يجري دعم هؤلاء بأسلحة متطورة، بينها بنادق قنص يصل مداها إلى نحو 800 متر، إلى جانب بنادق هجومية ومعدات مراقبة ليلية، الأمر الذي يحول المستوطنات إلى بؤر عسكرية مسلحة داخل ومحيط التجمعات الفلسطينية”.

وبالتالي فإن توسيع تسليح المستعمرين في القدس يمثل خطوة خطيرة من شأنها تأجيج العنف وتهديد حياة الفلسطينيين، ويعكس توجها سياسيا لدى حكومة الاحتلال لتكريس واقع استعماري قائم على القوة والعنصرية في المدينة المحتلة، بحسب المسؤول الفلسطيني.

وبدوره، يقول الخبير بالشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش: إن قرار بن غفير السماح بتوسيع حيازة السلاح في القدس حتى لو لم يخدموا بالجيش، يأتي ضمن مناخ تصعيدي يسعى الاحتلال من خلاله لفرض واقع جديد على الأرض عبر التوسع الاستيطاني.

وأردف في مقابلة تلفزيونية أن هذا القرار بمثابة “إعطاء تصريح علني بقتل الفلسطينيين ومواجهتهم بالسلاح”، ضمن سلسلة الاعتداءات والانتهاكات التي تمس مكانة المواطنين ومقدساتهم في كل الأرض الفلسطينية.

وأردف: “يراهن الاحتلال على فرض واقع جديد، بحيث لا يمكن التراجع مستقبلا عن أي خطوة جديدة يتخذها، سواء ارتبط الأمر بمصادرة أراضٍ أو إنشاء مستوطنات جديدة أو حتى نزع صلاحيات السلطة الفلسطينية”.

وبين أن الاحتلال يراهن على أن الزمن كفيل في دفع العالم للاعتياد على هذا الواقع الجديد والتسليم به كما سلم بالماضي في منع الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم ومنع تطبيق قرارات الأمم المتحدة".