منصة تصعيد.. هل يتحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران؟

حكومة العراق اعتبرت الهجمات محاولة لخلط الأوراق وضرب السِلم المُجتمعي
مع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ودخول الفصائل العراقية على خط المواجهة عبر قصف عدد من المصالح الأميركية داخل العراق، بدأت الولايات المتحدة في شن ضربات استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي الذي يُعد تشكيلا عسكريا رسميا ضمن المنظومة الأمنية العراقية.
وفي 8 مارس/آذار أكد الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، أن بلاده نفذت عمليات عسكرية داخل العراق في إطار عملية "ملحمة الغضب".
وقال هوكينز: "نفذنا عمليات في العراق ضمن عملية ملحمة الغضب، وذلك دفاعا عن القوات الأميركية التي تعرضت لهجمات من فصائل مسلحة موالية لإيران". وفق ما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”.

خلط الأوراق
لكن معظم هذه الهجمات لم تعلن الولايات المتحدة مسؤوليتها عنها، لا سيما تلك التي نُفذت بطائرات مسيّرة وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى ومئات المصابين في صفوف الحشد الشعبي. وقد وصفتها السلطات العراقية بأنها "هجمات إرهابية" و"محاولة لخلط الأوراق وضرب السلم المجتمعي".
وفي بيان صادر في 12 مارس/آذار، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني: إنه يواصل "متابعته المستمرة وتقدير الموقف حيال الاعتداءات السافرة التي تعرّضت لها مواقع قطعاتنا من تشكيلات الحشد الشعبي".
وأضاف البيان أن "هذا العدوان الممنهج والمتكرر، واستهداف المواقع والمقرات، ليس مجرد خرق عسكري، بل محاولة بائسة لخلط الأوراق وضرب السلم المجتمعي وتقويض المكتسبات الأمنية التي تحققت بدماء العراقيين وتضحيات الشهداء"، مؤكدا رفض العراق أن يكون "ساحة لتصفية الحسابات".
من جانبه، أدان مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي ما وصفه بـ"الاعتداء الإرهابي الجبان الذي نال الحشد الشعبي في القائم، والذي أدى إلى استشهاد وجرح العشرات منهم".
وأكد الأعرجي، في تدوينة عبر منصة "إكس" في 12 مارس/آذار، أن "هذا الاستهداف يشكل اعتداء صارخا وانتهاكا للسيادة العراقية"، متقدما إلى هيئة الحشد الشعبي وذوي الضحايا "بخالص العزاء والمواساة، ومتمنيا الشفاء العاجل للجرحى والمصابين".
وفي اليوم نفسه، استهدفت هجمات جوية مجهولة مقر اللواء 19 للحشد الشعبي في منطقة عكاشات بمدينة القائم غربي العراق، ما أسفر عن مقتل أكثر من 30 عنصرا وإصابة 65 آخرين. بحسب ما أعلنت هيئة الحشد الشعبي التي وصفت الهجوم بأنه "استهداف جوي غادر".
وقالت الهيئة في بيان: إن الضحايا سقطوا أثناء “أدائهم واجبهم الوطني في حماية الحدود العراقية ومنع تسلل الجماعات الإرهابية وتأمين القاطع الحدودي”. مؤكدة أن "هذا الاعتداء يمثل انتهاكا صارخا للسيادة العراقية واستهدافا مباشرا لقوة أمنية رسمية تابعة للدولة العراقية".
كما نالت هجمات أخرى مقار للحشد الشعبي في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وبغداد وكركوك، واستهدفت ألوية ضمن "الهيئة" تتبع لفصائل مسلحة تصنفها الولايات المتحدة على لوائح الإرهاب، من بينها: أنصار الله الأوفياء، منظمة بدر، كتائب الإمام علي، وكتائب حزب الله.
وفي المقابل، تتهم السلطات في إقليم كردستان العراق، وكذلك الولايات المتحدة، فصائل مسلحة منضوية ضمن الحشد الشعبي بالوقوف إلى جانب إيران وتنفيذ هجمات ضد مصالح وقواعد عسكرية أميركية وبعثات دبلوماسية على الأراضي العراقية.

مفترق طرق
وبشأن العمليات المتكررة التي تستهدف قوات الحشد الشعبي وإمكانية تحولها إلى هدف أميركي رسمي، قال الباحث في الشأن العراقي لطيف المهداوي: إن "الولايات المتحدة ستستمر في شنّ هجماتها على فصائل محددة ضمن الحشد تعتقد أنها المسؤولة عن استهداف مصالحها في العراق".
وأوضح المهداوي في حديثه لـ"الاستقلال" أن "الحشد الشعبي يضمّ أكثر من 100 لواء، يمثل كل منها فصيلا مسلحا أو تشكيلا مرتبطا بحزب أو جهة دينية أو حتى عشائرية، فيما يعرف بالحشد العشائري".
وبيّن الباحث أن "اللواء 19 يتبع لفصيل أنصار الله الأوفياء المصنف على لوائح الإرهاب الأميركية، كونه أحد فصائل ما يُعرف بـ'المقاومة الإسلامية في العراق'، كما أن اللواء 52 الذي تعرض للاستهداف في كركوك يتبع لمنظمة بدر، في حين يتبع اللواء 40 لفصيل كتائب الإمام علي".
وتوقع المهداوي استمرار استهداف هذه الألوية التابعة للفصائل المسلحة القريبة من إيران، والتي تتهمها الولايات المتحدة بتنفيذ هجمات ضد مصالحها في العراق، وعدها ضمن نطاق الحرب التي تخوضها واشنطن ضد طهران.
ولفت الباحث إلى أن بعض الهجمات قد تكون إسرائيل هي من ينفذها داخل العراق، من دون إعلان رسمي. مشيرا إلى أن المؤشرات تدل على وجود تعاون أميركي إسرائيلي في استهداف مواقع محددة تابعة للحشد الشعبي، وأن السلطات العراقية على دراية بذلك.
وفي السياق نفسه، قال المحلل السياسي العراقي أمين ناصر: إن "العراق يقف اليوم في قلب العاصفة الإقليمية". مشيرا إلى أنه "لم تعد هناك منطقة حياد في ظل الصراع الدائر في المنطقة". بحسب ما نقلت وكالة "بغداد اليوم" في 14 مارس/آذار.
وأوضح ناصر أن "الساحة العراقية تضمّ عدة أطراف تتبنى مواقف متباينة من الحرب على إيران". مبينا أن "هناك قوى ترى ضرورة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية بعد اغتيال المرشد علي خامنئي وتصاعد العدوان عليها، في حين توجد جهات أخرى، رسمية وغير رسمية، ترى أن مصلحة العراق تكمن في تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة".
وأضاف أن "بعض القوى العراقية أجرت اتصالات مع دول خليجية مثل الإمارات والكويت وقطر، لكنها لم تُجرِ أي اتصال مع إيران، بينما يوجد فريق ثالث يراقب المشهد من موقع المتفرج".
وأشار ناصر إلى أن "العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، بسبب ضياع هوية الدولة وغياب وحدة القرار السياسي الرسمي". موضحا أن "تعدد المواقف الداخلية يعكس غياب رؤية موحدة لإدارة الأزمة".
وفيما يتعلق بالهجمات التي استهدفت مقرات الحشد الشعبي، أوضح ناصر أن "هذه التحركات جرت بعلم الحكومة العراقية وبعلم القائد العام للقوات المسلحة". لافتا إلى أنه "تم إبلاغه رسميا بهذه التطورات من قبل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمبعوث توم باراك".
وأضاف أن "الجهات المعنية كانت على دراية مسبقة بإمكانية استهداف مقرات الحشد الشعبي". محذرا من "وجود أهداف إضافية قد تُقصف في الأيام المقبلة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، في ظلّ استمرار التصعيد العسكري في المنطقة".

تفكيك عاجل
وفي الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة هجمات ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي، طالبت وزارة الخارجية الأميركية حكومة بغداد باتخاذ إجراءات عاجلة لتفكيك "المليشيات" الموالية لإيران في العراق "بشكل نهائي"، ووقف هجماتها المستمرة التي تستهدف المصالح الدولية والمحلية. بحسب ما كشفت وكالة "شفق نيوز" العراقية في 14 مارس/آذار.
وذكرت الوكالة أن "الولايات المتحدة أدانت بشدة الهجمات الإرهابية التي شنتها إيران والمليشيات المدعومة منها ضد البنية التحتية في العراق وإقليم كردستان"، محمّلة طهران والجماعات المسلحة الموالية لها "المسؤولية المباشرة عن هذا التصعيد".
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أجرى اتصالا هاتفيا في 9 مارس/آذار مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، جرى خلاله بحث آخر التطورات الميدانية والتصعيد الجاري في الشرق الأوسط.
وبحسب ما نقلته الوكالة، فإن روبيو "أدان بشدة الهجمات الإرهابية التي تشنها إيران والمليشيات المتحالفة معها"، مؤكدا خلال الاتصال "ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل الحكومة العراقية، من بينها تفكيك هذه المليشيات بشكل نهائي، ووقف هجماتها المستمرة التي تستهدف المصالح الدولية والمحلية".
وشدد روبيو على ضرورة ضمان عدم استخدام الأراضي العراقية منطلقا لتهديد الولايات المتحدة أو أمن المنطقة. وفقا للوكالة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة العراقية توترا أمنيا ملحوظا عقب استهداف القنصلية الأميركية في أربيل والسفارة الأميركية في بغداد، بالتزامن مع هجمات طالت ناقلات نفط، ما يضع الحكومة العراقية أمام تحديات متزايدة في ضبط الفصائل المسلحة وحماية البعثات الدولية.
وفي 14 مارس/آذار، دعت السفارة الأميركية في بغداد المواطنين الأميركيين الموجودين في العراق إلى مغادرة البلاد فورا، في تحذير أمني عاجل صدر على خلفية التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وأوضحت السفارة في بيان أن هذا التحذير يأتي في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة والتصعيد العسكري الجاري في المنطقة، وذلك بعد استهداف طائرة مسيّرة مجمع سفارة الولايات المتحدة في بغداد، ما أسفر عن أضرار لوجستية في أنظمة الاتصال بالأقمار الصناعية.
وبحسب موقع "السومرية نيوز" في 15 مارس/آذار، فإن الطائرة المسيّرة استهدفت منظومة اتصالات فضائية من طراز "جيراف-1 إكس" (Giraffe-1X) الموجودة في مبنى السفارة والتي تُستخدم لتوفير وتبادل البيانات عبر الأقمار الصناعية.

















