لندن تعترف بالكراهية ضد المسلمين لكن على طريقتها.. ماذا تغير؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في إطار ما أسمته "خطة التماسك الاجتماعي"، أعلنت الحكومة البريطانية في 10 مارس/آذار 2026، عن تبني تعريف استرشادي رسمي لـ"العداء ضد المسلمين" لأول مرة بعنوان “حماية ما يلزم”.

هذا الإعلان جاء نتيجة مسار حكومي بدأ بتشكيل مجموعة عمل مستقلة في فبراير/شباط 2025، وسط ارتفاع غير مسبوق في جرائم الكراهية الدينية ضد المسلمين.

ويأتي هذا التعريف في سياق سجال حاد بين المطالبين باعتراف رسمي بانتشار الإسلاموفوبيا وبين من يدعون أن مثل هذا التعريف يمس حرية التعبير، خاصة في انتقاد الأديان.

تفاصيل الوثيقة

تنص الوثيقة على أن "العداء ضد المسلمين" يشمل ثلاثة عناصر رئيسة: الانخراط عمداً في أعمال جنائية مثل العنف أو التخريب أو التحرش أو التخويف ضد شخص مسلم أو يُظَن أنه مسلم بسبب دينه.

وثانيا، التنميط التحيّزي بقصد التحريض على الكراهية، وأخيرا، التمييز غير القانوني الذي يهدف إلى إلحاق الضرر بمسلمين أو إقصائهم.

تؤكد الوثيقة صراحة أن هذا التعريف ليس تشريعا قانونيا، أي أنه لا يخلق جريمة جديدة ولا يعدل قوانين المساواة أو العقوبات، بل مجرد إطار إرشادي يسعى إلى توحيد فهم المؤسسات لـ"العداء ضد المسلمين".

وينص التعريف على أنه يجب قراءة النص مع التوضيحات المرافقة التي تؤكد أن حرية التعبير مضمونة، وأن انتقاد أو السخرية من أو رفض الإسلام أو أي معتقد ديني يظل محميًا طالما لم يتعدَّ إلى تحريض على العنف أو التمييز، وفق ما جاء في الوثيقة.

وقبل نشر هذه الوثيقة، كانت المؤسسات البريطانية تعمل دون تعريف موحد للظاهرة، إذ رفضت الحكومات السابقة اعتماد تعريف "الإسلاموفوبيا" الذي اقترحه عام 2018 تجمع نواب الأحزاب المعنيين بالبريطانيين المسلمين (APPG).

ومع ذلك كانت الشرطة والمجالس المحلية والمنظمات المدنية تتعامل مع حالات الكراهية ضد المسلمين وفق قوانين عامة ترتبط بالجرائم من نفس النوع. ولذلك فإن التغيير الأبرز بعد اعتماد التعريف الجديد هو منح المؤسسات مرجعية موحدة.

وتعهدت الحكومة في إعلانها بتمويل يصل إلى أربعة ملايين جنيه إسترليني لدعم تنفيذ هذا التعريف، أي إعداد مواد تدريبية وإرشادات عملية وتحسين آليات الإبلاغ والرصد، وأيضا تعيين ممثل خاص للعداء ضد المسلمين للتنسيق بين القطاعات المختلفة.

ووفق موقع وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، يهدف التعريف إلى "إضفاء الشرعية على تجارب المسلمين، وتوفير وضوح للقطاع العام، والمساعدة في اتخاذ الإجراءات ضد الكراهية" مع التأكيد على أنه لا يلغي حرية التعبير ولا يخلق جرائم جديدة.

هذا يعني أن التغيير عمليًا يتمثل في توحيد اللغة وتقديم إرشادات واضحة للشرطة والمدارس والهيئات العامة حول متى يكون الفعل موجّهًا ضد مسلم كفرد وليس نقد للدين. ومع ذلك، يبقى القانون نفسه دون تعديل، وبالتالي يستمر التعامل مع الجرائم من خلال التشريعات القائمة.

ويرى جزء من المؤسسات الإسلامية في بريطانيا أنه من الناحية الرمزية، يُعد اعتماد تعريف رسمي خطوة طال انتظارها للاعتراف بوجود ظاهرة موجهة ضد المسلمين، بعد سنوات من الجدل والتردد. أما من الناحية المؤسساتية، فإن غياب أي صلاحية قانونية للتعريف يجعل أثره محدودًا.

ويتوقف تأثير التعريف على قدرة الحكومة على توفير التدريب والموارد وتفعيل آليات الرصد، وعلى مدى اعتماد المؤسسات الأخرى له.

فالتعريف نفسه لا يغيّر المعايير القانونية للتجريم ولا يمنح المسلمين حماية إضافية في المحاكم، بل يسعى إلى توحيد الفهم وتحسين الاستجابة.

 الكراهية الدينية

يأتي اعتماد التعريف في سياق ارتفاع ملحوظ في جرائم الكراهية الدينية، إذ تشير إحصاءات وزارة الداخلية للعام المنتهي (إحصائيا) في مارس/آذار 2025 إلى أن 4478 جريمة كراهية دينية استهدفت مسلمين، أي 45 بالمئة من كل الجرائم الدينية.

وبينت الوزارة أن هذا العدد يمثل زيادة بنسبة 19 بالمئة مقارنة بالعام 2024. كما أن معدل الجرائم ضد المسلمين بلغ 12 جريمة لكل 10 آلاف من السكان.

وقالت: إن هذه الأرقام جاءت في أعقاب ارتفاع حاد للكراهية العنصرية بعد الهجمات الإرهابية العالمية والأحداث السياسية في الشرق الأوسط، دون توضيحها.

وأشار وزير المجتمعات ستيف ريد الذي أعلن في البرلمان عن التعريف الجديد، إلى أن جرائم الكراهية ضد المسلمين وصلت إلى مستويات قياسية، وأن نحو نصف الجرائم الدينية تستهدفهم الأمر الذي يفرض “ضرورة وجود تعريف لتسمية هذه الظاهرة”.

ولكن، رغم تزايد المطالب، استغرق الأمر سنوات حتى جاءت هذه الخطوة. ففي فبراير 2025 شكّلت الحكومة مجموعة عمل مستقلة برئاسة المدعي العام السابق دومينيك غريف وعضوية ممثلين عن مختلف الأطياف لتعريف الظاهرة.

حددت وثيقة اختصاص المجموعة أن مهمتها إعداد تعريف غير تشريعي للمشكلات التي يتعرض لها المسلمون في بريطانيا، مع الحفاظ على حرية التعبير.

كان من المفترض أن تسلّم المجموعة توصياتها خلال ستة أشهر، لكن الخلافات حول المصطلح واختلافات أعضاء المجموعة حول مفهوم "العنصرية" و"العداء" أدت إلى تأخر نشر التعريف حتى مارس 2026.

يعود سبب التأخر أيضًا إلى التوتر السياسي بين الأحزاب حول إمكانية تبني تعريف قد يعده البعض "قانونًا لتجريم التجديف". 

ففي 2019 رفضت حكومة المحافظين اعتماد تعريف الإسلاموفوبيا الذي اقترحته مجموعة APPG البرلمانية، بزعم أنه قد يهدد حرية التعبير ويصطدم بقانون المساواة لعام 2010، مما أدى إلى تأجيل البت في الملف لسنوات.

ولكن عندما وصل حزب العمال إلى السلطة في يوليو/تموز 2024، وعد بالتحرك إزاء تزايد الكراهية ضد المسلمين. ومع ارتفاع الجرائم الدينية إلى مستويات غير مسبوقة، تشكّل زخم سياسي لدفع الملف.

تضمنت خطة الحكومة للتماسك الاجتماعي أيضًا تعريفات أخرى مثل معاداة السامية، ما وفر غطاء لتقديم تعريف العداء ضد المسلمين ضمن سياق أوسع لمحاربة الكراهية. 

وإضافة إلى ذلك، شهدت المملكة المتحدة خلال عام 2025 موجة احتجاجات وبيانات منظمات مسلمة تطالب بإنهاء التلكؤ الرسمي، ما وضع الحكومة تحت ضغط متزايد للتحرك.

انقسام المواقف

المصطلح الذي اعتمدته الحكومة البريطانية “العداء ضد المسلمين”، يفرق عن مصطلح الإسلاموفوبيا الذي تبناه تجمع APPG البرلمانيعام 2018. 

إذ يشير تعريف APPG إلى أن الإسلاموفوبيا “متجذرة في العنصرية” وأنها "تستهدف مظاهر كون الشخص مسلمًا أو يُنظَر إليه على أنه مسلم". وبهذا يركز تعريف 2018 على العنصرية البنيوية والتمييز المؤسسي.

لكن الحكومة اختارت مصطلح "العداء ضد المسلمين" لئلا ينظر إليها على أنها تحمي الدين الإسلامي من النقد وأن هدفها حماية المسلمين كأفراد وليس الإسلام كمعتقد.

المجلس الإسلامي البريطاني (MCB) رفض تبني التعريف ووصفه بأنه "نسخة مقلّصة" من توصيات مجموعة العمل، منتقدا عدم الاستماع لوجهات نظر المجتمعات المسلمة.

وذكّر المجلس في بيان بأن تعريف 2018 للإسلاموفوبيا لا يزال الأوسع اعتمادًا، مشيرا إلى أن الحكومة حذفت مفاهيم مثل "العرقنة"، ما يقلل من التركيز على العنصرية المؤسسية، ومطالبا باتخاذ خطوات مثل المساواة في التمويل والأمن مع الجاليات اليهودية وتوسيع مشاورات المجتمع.

الرئيس التنفيذي لوحدة مكافحة الإسلاموفوبيا في بريطانيا ماجد إقبال شكك في منشور على لينكد إن في جدوى التعريف عمليا “وفي معالجة التمييز في العمل والتعليم".

وبدورها، قالت أمينة إيسات داس، المحاضرة الأولى في العلوم السياسية بجامعة دي مونتفورت، إن التعريف يُمثل "خطوة في الاتجاه الصحيح" ولكنه "يُخيب الآمال". ويتمثل قلقها الرئيس في إخفاق التعريف بالاعتراف بالإسلاموفوبيا كشكل من أشكال العنصرية.

وأضافت لموقع "هايفن" المتخصص في تغطية الحياة الإسلامية في بريطانيا وأوروبا: “تعتمد الإسلاموفوبيا على تصنيف المسلمين عرقياً. وهذا يعني أن أنهم أو ممارساتهم والأماكن التي يُفترض ارتباطها بهم، مثل الذبح الحلال، تُصوَّر بصورة نمطية على أنها إشكالية وتهديدية بشكل عام”.

وواصلت القول: "ثم يُستعان بهذا التصور الخاطئ لتبرير السياسات والتشريعات التقييدية والإقصائية تجاه المسلمين، والخطاب العنصري، والهجمات الإسلاموفوبية على الأفراد والممارسات والأماكن".

كما أعرب سلمان العزامي، المحاضر البارز في اللغة والإعلام والاتصال بجامعة ليفربول هوب، عن خيبة أمله إزاء قرار الحكومة عدم استخدام مصطلح "الإسلاموفوبيا" المتعارف عليه عالمياً.

وأضاف لذات الموقع: “يوضح تعريف المجموعة البرلمانية المشتركة المعنية بالمسلمين البريطانيين للإسلاموفوبيا أن نطاق التعريف ينص على إسلام الضحية، سواءً كان إسلاماً فعلياً أو يُنظر إليه على أنه إسلام، وليس الإسلام كدين. وقد أيّد حزب العمال”.

وأردف العزامي أنه "لا يزال من غير الواضح سبب رفض حكومة حزب العمال الحالية الاعتراف بالعداء ضد المسلمين بوصفه إسلاموفوبيا".

على الصعيد الحزبي، رأى بعض نواب حزب العمال والمتعاطفون مع المجتمع المسلم أن الحكومة أقدمت على تخفيف المصطلح لتجنب مواجهة اليمين المحافظ واللوبيات المناهضة لحرية المعتقد، مشيرين إلى أن رئيس الوزراء كير ستارمر تعهد قبل الانتخابات بتبني تعريف الإسلاموفوبيا ولكنه تراجع لاحقًا.

في الصف الليبرالي، عبّر بعض المسؤولين مثل عضو لندن من حزب الليبراليين الديمقراطيين هينا بوخاري عن خيبة أملهم مما عدوه "تعريفًا مخففًا".

وانتقدت بوخاري الحكومة لعدم إشراك العديد من المنظمات الإسلامية ولتجاهل تعريف 2018 الذي يركز على العنصرية، مبينا أن التعريف الجديد يقلل من أهمية التمييز الممنهج واللا واعي، ويجب أن يرافقه إصلاحات في تمويل أمن المساجد ومحاربة الكراهية عبر الإنترنت.

من جانبها، أبدت المنظمات العلمانية مثل Humanists UK دعمًا حذرًا للتعريف، معتبرة أنه يوفر توازنًا بين حماية المسلمين وحرية التعبير، وأثنت على اختيار مصطلح "العداء ضد المسلمين" لأنه يوضح أن النقد أو السخرية من الإسلام يظل مباحًا. 

أما الأحزاب الصغيرة وشخصيات أكاديمية، فأشادت بعضها بخطوة الحكومة باعتبارها أفضل من لا شيء، لكنها نبهت إلى ضرورة تحويل التعريف إلى خطط عمل ملموسة، وإلا فسيظل مجرد إطار رمزي.