استعادة الجيش السوداني لبارا.. إلى أي مدى يغيّر ميزان القوة في شمال كردفان؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم تعد معركة كردفان مجرد صدامات محدودة على مدينة هنا أو طريق هناك، بل تحوَّلت في الأيام الأخيرة إلى اختبار حقيقي لميزان القوى في السودان، واختبار لمقدرة الجيش على قلب معادلات الحرب.

استعادة الجيش السوداني لمدينة بارا، ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، في 5 مارس/آذار 2026، لم تكن مجرد انتصار ميداني، بل تحوّلًا إستراتيجيًا يربك خطط قوات الدعم السريع ويعيد تشكيل جغرافيا السيطرة في الولاية.

القوة التي عُرفت بالتمدد السريع والضغط الصادم، والتي أرعبت المدن والريف على حد سواء، بدأت تواجه للمرة الأولى تراجعًا ملموسًا على إحدى أكثر الجبهات حساسية. هذه الخسارة ليست عابرة؛ فهي تشير إلى هشاشة قدرات الدعم السريع في مواجهة إستراتيجية الجيش السوداني الجديدة التي تمزج بين الضربات الجوية المدروسة والتقدم البري المنسق.

ويكتسب المشهد عمقًا إضافيًا على المستوى الإقليمي، فالإمارات العربية المتحدة التي تقدم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، تجد نفسها اليوم في قلب أزمة أمنية غير مسبوقة، مع تصعيد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما ترتب عليها من توترات مباشرة تهدد استقرار الخليج وأمنه.

وسط هذه البيئة المتشابكة بين جبهة داخلية تتآكل فيها قدرة الدعم السريع على تثبيت مناطق سيطرتها، وضغط خارجي متصاعد على داعميها، يطرح سؤال مركزي يحدد ملامح المرحلة القادمة: هل سقوط بارا علامة على بداية الانحدار العسكري التدريجي لقوات الدعم السريع في كردفان، أم مجرد انتكاسة مؤقتة في حرب طويلة ومعقدة ستستمر لأشهر وربما سنوات؟

تحرير مدينة بارا

أعلنت القوات المسلحة السودانية استعادة مدينة بارا الإستراتيجية بعد عملية عسكرية مشتركة مع قوات حليفة، في مقدمتها القوة المشتركة المتحالفة معها.

ووفق مصادر عسكرية نقلتها صحيفة سودان تربيون المحلية، لم تكن العملية مجرد هجوم بري تقليدي، بل بدأت بسلسلة ضربات جوية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع انتشار قوات الدعم السريع وآلياتها الثقيلة داخل المدينة.

وأعقب ذلك تقدم بري انطلق من محور الدانكوج شمالي الأبيض باتجاه بارا، قبل أن تتمكن القوات من السيطرة على مداخلها الرئيسة وطرد قوات الدعم السريع منها.

وتشير المعطيات ذاتها إلى تدمير 32 عربة قتالية والاستيلاء على 10 عربات أخرى، إضافة إلى مقتل عشرات المقاتلين، وهو ما يعكس أن المعركة استهدفت مباشرة القوة الصلبة للدعم السريع داخل المدينة، وليس مجرد وجود رمزي أو نقاط حراسة متفرقة.

ويكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة؛ لأن بارا لم تكن مجرد مدينة خاضعة لسيطرة الدعم السريع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، بل كانت إحدى العقد المفصلية في معادلة تهديد مدينة الأبيض.

فالمدينة تقع على طريق إستراتيجي يربط الخرطوم بشمال كردفان، كما تشكّل، بحكم موقعها الجغرافي، بوابة ضغط على الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان وأكبر مدنها.

ومن ثم فإن سقوط بارا بيد الجيش لا يعني فقط انتزاع نقطة جديدة على خريطة القتال، بل سحب واحدة من أهم أدوات التهديد عن الأبيض، وتوسيع الحزام الدفاعي حولها، وتقليص قدرة الدعم السريع على المناورة في وسط السودان.

ولهذا يرى عسكريون سودانيون أن استعادة بارا تمثل خطوة أساسية في تأمين الأبيض؛ إذ أشارت تقارير صحفية إلى أن المدينة كانت تمثل نقطة ارتكاز متقدمة لأي محاولة لخنق الولاية أو فتح ممرات أوسع نحو الغرب.

وترتبط الأهمية العسكرية لبارا بطبيعة الحرب في كردفان نفسها. فبعد الخسائر المتتالية التي مُنيت بها قوات الدعم السريع في الخرطوم ومحيطها خلال عام 2025، أعادت ترتيب ثقلها العسكري غربًا، مستفيدة من فضاء جغرافي أكثر اتساعًا وخطوط إمداد عابرة للحدود، خصوصًا عبر تشاد وليبيا، إضافة إلى السيطرة على مدن وبلدات تمنحها مرونة أكبر في المناورة بين دارفور وكردفان.

لكن ما حدث في بارا يشير إلى أن الجيش لم يعد يكتفي بالدفاع عن مدن كردفان الكبرى مثل الأبيض وكادقلي والدلنج، بل انتقل إلى إستراتيجية تقوم على استنزاف البنية العسكرية للدعم السريع، واستهداف مراكزه اللوجستية وقدرته على التمركز داخل المدن.

ويتقاطع هذا التحول مع ما أعلنته القوات المسلحة خلال الأسابيع الأخيرة بشأن فك الحصار عن الدلنج وكادقلي، وهي تطورات عدتها وكالة أسوشيتد برس مكاسب مهمة للجيش في جنوب كردفان بعد معارك طويلة.

وفي هذا السياق، لا تبدو معركة بارا حدثًا منفصلًا، بل حلقة ضمن نسق عملياتي أوسع. ففي 15 فبراير/شباط 2026 أعلن الجيش تدمير منظومة دفاع جوي تابعة لقوات الدعم السريع في منطقة أبو زبد بولاية غرب كردفان.

وقالت مصادر عسكرية لصحيفة سودان تربيون: إن المنظومة من طراز صيني قصير المدى "FB-10"، وهي مخصصة للتعامل مع الأهداف المنخفضة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمروحيات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.

ويعني تدمير هذه المنظومة أن الجيش لم يعد يستهدف فقط العربات القتالية أو الأرتال المتحركة، بل يعمل أيضًا على ضرب القدرات التي تمكّن الدعم السريع من حماية مجاله التكتيكي من الضربات الجوية وهجمات المسيّرات.

وهو ما يفسر إلى حد كبير لماذا بدت معركة بارا محسومة بدرجة كبيرة بالنيران القادمة من الجو، قبل أن تُحسم بريًا على الأرض.

وضعية الدعم السريع

وليس ذلك فحسب، ففي 9 مارس/آذار 2026، تمكن الجيش السوداني من تدمير موقعين رئيسين لإمداد قوات الدعم السريع على الحدود مع ليبيا وتشاد، بالإضافة إلى تنفيذ نحو 21 ضربة استباقية استهدفت قوافل كانت في طريقها داخل السودان عبر الحدود الشمالية الغربية والغربية.

وشملت بعض هذه الإمدادات أجهزة تشويش وطائرات مسيّرة، وإذا ما وضعنا هذا التطور في سياق استعادة مدينة بارا وتدمير منظومة الدفاع الجوي في أبو زبد، فإن الصورة تتضح: الجيش يسعى إلى خنق خطوط الإسناد، وإفقاد الدعم السريع ميزة الحركة والمرونة، قبل الانقضاض على المراكز المدنية والعقد الحضرية التي كانت تعتمد عليها المليشيا لترسيخ سيطرتها.

من هنا يمكن القول: إن تراجع الدعم السريع في كردفان لم يعد مجرد انطباع سياسي أو دعاية حرب، بل أصبح واقعا ميدانيا ملموسا. فالقوة التي استطاعت فرض تهديد مستمر على مدينة الأبيض عبر بارا قبل أشهر وجدت نفسها عاجزة عن الاحتفاظ بالمدينة رغم إدراك أهميتها الإستراتيجية.

كما تشير خسارة الآليات الثقيلة والمنظومات الدفاعية ومواقع الإمداد إلى أن التراجع لا يقتصر على الخطوط الأمامية فحسب، بل يشمل البنية العسكرية التي تجعل السيطرة على الأرض ممكنة ومستدامة.

ورغم ذلك، لا يعني هذا انهيارا كاملا لقوة الدعم السريع، فهي ما زالت تحتفظ بمواقع مؤثرة في دارفور وأجزاء من غرب السودان، وفق تحليلات ACLED البحثية الأميركية، التي أشارت إلى استمرار التعبئة في شمال دارفور خلال فبراير 2026 واستخدام المليشيا للطائرات المسيّرة في جبهات أخرى.

لكن الفارق في كردفان واضح: يبدو أن الجيش يعمل بخطة أكثر تماسكا ومنهجية، حيث لا يكتفي بالدفاع عن المدن الكبرى، بل يسعى إلى استنزاف القدرة العسكرية للمليشيا عبر ضرب خطوط الإمداد ومراكز الدعم اللوجستي.

ويبرز عنصر حاسم في هذا التحول، وهو دور داعم الإمارات. فالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أضافت طبقة جديدة من الضغوط، إذ تورطت أبوظبي في دعم الحرب الأهلية السودانية، موفرة للقائد محمد حمدان دقلو "حميدتي" كل أشكال الدعم العسكري واللوجستي.

وفي 9 مارس نقلت وكالة رويترز عن مبعوثة الإمارات لدى الأمم المتحدة دعوتها إلى خفض التصعيد في الحرب مع إيران، بينما أظهرت تقارير أخرى أن الصراع أثر على البنية الأمنية والاقتصادية الإماراتية من منطقة الفجيرة النفطية إلى الملاحة وسلاسل التوريد.

ومعنى ذلك أن أبوظبي مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والإقليمية تحت ضغط مباشر، خاصة مع المخاوف من امتداد الهجمات أو تعطل التجارة والطاقة. ومن الصعب افتراض أن الملفات الثانوية مثل حرب السودان ستظل على درجة التركيز نفسها.

صحيح أنه لا توجد دلائل معلنة على خفض الدعم الإماراتي للدعم السريع بسبب حرب إيران، إلا أن التزامن بين انشغال أبوظبي بأزمة إقليمية كبرى وبين بروز خسائر المليشيا في كردفان يجعل هذا الاحتمال محل متابعة وتحليل.

والأكثر أهمية، أن الدعم السريع كمليشيا تعتمد على الحركة والتمويل المستمر والذخائر والتجديد المستمر للقدرات، يتأثر أكثر من الجيوش النظامية بأي اضطراب في شبكة الإسناد الخارجي. فمع الضربات على خطوط الإمداد الغربية، وتدمير منظومات دفاعه الجوي، وتصاعد الضغوط السياسية على الإمارات، تتراجع قدرة المليشيا على الاحتفاظ بالمراكز الحضرية تحت هجمات منسقة، كما ظهر في بارا.

من هنا، يمكن استنتاج أن المعركة الأخيرة لا تُقرأ فقط ضمن حدود المدينة، بل تمتد إلى أبو زبد والحدود الليبية والتشادية، وصولاً إلى الخليج، حيث تتغير الحسابات الإقليمية بسرعة، ما يضيف بعدًا جديدًا لتقييم مسار الحرب في السودان.

اللحظة الراهنة

وفي قراءة متأنية للمشهد السوداني في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة، يؤكد الباحث السوداني محمد نصر في تصريح لـ "الاستقلال" أن اللحظة الراهنة لا يمكن فهمها فقط من زاوية المعارك داخل السودان، بل يجب وضعها ضمن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصًا الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها الإمارات.

ويشير نصر إلى أن أبوظبي وجدت نفسها خلال الأسابيع الماضية في قلب تصعيد عسكري خطير في الخليج، بعد تعرضها لهجمات إيرانية متزايدة في سياق الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ويضيف أن هذا التصعيد يمثل تحديات أمنية مباشرة لم تعشها الإمارات منذ سنوات طويلة.

ويؤكد الباحث أن هذه الضغوط تأتي بعد مرحلة توتر سياسي حاد مع السعودية، ما يضع الإمارات أمام سلسلة أزمات متزامنة إقليميًا لم تشهدها بهذا الحجم من قبل. ونتيجة لذلك، انعكست حالة عدم الاستقرار هذه على ملفات أخرى كانت الإمارات فاعلة فيها، وعلى رأسها الحرب في السودان.

فالتوترات في الخليج والانشغال بالملفات الأمنية والاقتصادية المعقدة أربكت البيئة الإقليمية التي كانت قوات الدعم السريع تستفيد منها لتعزيز نفوذها الميداني، وخلقت حالة من عدم اليقين حول مستقبل الدعم الخارجي الذي كانت تعتمد عليه المليشيات.

ويشير نصر إلى أن معركة بارا تمثل نقطة فارقة مقارنة بالكثير من المواجهات السابقة؛ لأنها جاءت بعد سلسلة من المؤشرات المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك استعادة مواقع مهمة، وفك حصارات عن مدن رئيسة، واستهداف منظومات الدفاع الجوي التابعة للدعم السريع، وضرب خطوط الإمداد القادمة عبر الحدود الغربية، وتأمين مدينة الأبيض.

ويضيف أن خسارة المدن في الحروب الأهلية لا تحمل بعدًا عسكريًا فحسب، بل تحمل تأثيرًا نفسيًا وسياسيًا كبيرًا؛ فالدعم السريع بنى جزءًا من صورته على أنه القوة الأسرع حركة والأكثر قدرة على اقتحام المدن والتمدد داخلها، وبالتالي فإن فقدان مدينة مثل بارا بهذه الطريقة يمثل ضربة قوية لهذه الصورة التي حاول ترسيخها خلال العامين الماضيين.

ويشير نصر إلى أن هذه التطورات ترسل إشارات مهمة إلى المجتمعات المحلية، والقوى القبلية، والمجموعات المسلحة المترددة، بأن ميزان القوة على الأرض ليس ثابتًا كما كان يبدو في بعض مراحل الحرب. وفي صراعات معقدة مثل السودان، غالبًا ما تتغير الاصطفافات والتحالفات عندما يشعر الفاعلون المحليون بأن الكفة بدأت تميل لصالح طرف دون آخر.

ويختم الباحث بالقول: إن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يقتصر على ما إذا كان ميزان القوة بدأ يميل لصالح الجيش السوداني، بل يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة الجيش على تحويل هذا الميل إلى تقدم تدريجي ومستدام، واستغلال وضع الإمارات الصعب، بما قد يعيد رسم خريطة السيطرة العسكرية في السودان خلال الفترة المقبلة.