توحيد الإنفاق في ليبيا بين حكومتي الغرب والشرق.. إجراء شكلي أم حقيقي؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة طال انتظارها في ليبيا، أُعلِن عن اتفاقٍ يقضي بتوحيد الإنفاق العام، دون أن يحدَّ ذلك من تساؤلات المراقبين بشأن إمكانية تنفيذه وتجاوز العقبات القائمة في الساحة السياسية، في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي في البلاد.

جاء الإعلان على لسان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الذي أشرف في 11 أبريل/نيسان 2026 على حفل توقيع "اتفاق الإنفاق العام الموحد" كملحق لـ "الاتفاق التنموي الموحد"، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة.

ويتضمن الاتفاق اعتماد الجداول العامة لإنفاق الدولة الليبية، بما يشمل الأبواب الأول والثاني والرابع؛ الأمر الذي يجعله أول توافقٍ على إنفاقٍ موحدٍ على مستوى التراب الليبي كاملًا منذ أكثر من 13 عامًا.

وقال عيسى، في كلمة مقتضبة خلال مراسم التوقيع، إن هذا الاتفاق "ليس مجرد وثيقة مالية، بل يكتب فصلًا جديدًا من فصول العمل الجاد والتعاون الصادق". واستطرد قائلًا: "إنه تجسيد حقيقي للإرادة الوطنية الجامعة، وإعلان واضح بأن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تجتمع على رؤية موحدة لمستقبلها".

وأضاف عيسى: "اتفقنا اليوم على أن نقطع معًا طريق التشتت والازدواج، ونؤسس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي عبر إنجاز هذا المسار التاريخي الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا".

يُذكر أن مجلسي النواب والدولة قد وقعا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 "الاتفاق التنموي الموحّد" برعاية أمريكية؛ بهدف وقف سياسة الصرف المالي غير المنضبط على مشاريع البناء والتنمية.

الحكومة الشرعية

في تعليقه على الاتفاق، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أن التوصل إلى اتفاق يوحّد تنظيم الإنفاق المالي في كامل البلاد، هو خطوة تستهدف معالجة اختلالات تراكمت خلال السنوات الماضية.

وأوضح الدبيبة في تصريح صحفي بالمناسبة، أن الاتفاق يهدف إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة.

وشدد على أن المواطن الليبي سيكون المستفيد الأول من هذا التوافق، من خلال تحسين مستوى المعيشة واستقرار الأسعار وتعزيز قيمة الدينار.

وأكد أن نجاح هذه الخطوة مرهون بالتزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق بشكل جاد، بما يترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، لافتا إلى أن تحقيق التنمية الشاملة يظل حقاً لكل الليبيين في الشرق والغرب والجنوب، دون تحميل المواطن أعباء إضافية.

وأشار الدبيبة إلى أن الاتفاق يمثل بداية إيجابية نحو إصلاح المسار المالي، مقدرا أنه يحمل مؤشرات على إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق متصل، ثمّن الدبيبة الدعم الفني المقدم من وزارة الخزانة الأمريكية، مشيدا بدور المستشار مسعد بولس في دعم جهود الوساطة السياسية التي أسهمت في الوصول إلى هذا التوافق.

حكومة الشرق

وفي الشرق، أكد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حماد، أن التوصل إلى اتفاق الإنفاق الموحد العام للدولة يمثل تحولا مهما على طريق توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

ووفق ما نقل موقع "المشهد الليبي" في 11 أبريل 2026، أوضح حماد أن هذا الإنجاز يعكس قدرة الليبيين على تجاوز التحديات، ليسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ودعم استقرار سعر الصرف، والمحافظة على قدرات الدولة.

وأشار إلى أن توحيد الإنفاق العام والميزانية يمثل حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في كافة أنحاء البلاد، بما يضمن عدالة توزيع الموارد بين جميع المناطق.

كما جدد رئيس حكومة الشرق التزامه الكامل بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي وكافة المؤسسات ذات العلاقة، لضمان حسن تنفيذ الإجراءات المالية وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

Capture d’écran 2026-04-14 123900.png

قراءة سياسية

يرى المحلل والكاتب السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر أن الاتفاق على توحيد الميزانية العامة في ليبيا بين الحكومتين المتنافستين يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد.

وأوضح الأصيفر لـ "الاستقلال" أنه منذ الانقسام المؤسسي الذي أعقب أحداث عام 2014، أصبحت الدولة الليبية تعمل بآليتين ماليتين وسياسيتين متوازيتين، وهو وضع غير طبيعي لأي دولة تسعى إلى الاستقرار أو إلى إدارة مواردها بطريقة رشيدة.

لذلك، يردف المتحدث ذاته، "فإن مجرد الوصول إلى تفاهم حول ميزانية موحدة يمكن عده مؤشرا على إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الانقسام المالي لم يعد قابلا للاستمرار، خصوصا في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على عائدات النفط التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الدولة".

من وجهة نظري، يقول الأصيفر، "تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتعامل مع أحد أخطر مظاهر الأزمة الليبية، وهو الانقسام في إدارة المال العام".

وذكر المحلل السياسي أن الإنفاق الحكومي خلال سنوات الانقسام اتسم بدرجة عالية من الفوضى وغياب التنسيق، حيث اعتمدت كل حكومة على آليات إنفاق خاصة بها، الأمر الذي أدى إلى تضخم كبير في بنود المرتبات والدعم، وخلق التزامات مالية طويلة الأجل على الدولة.

وعليه، يرى الأصيفر أن "وجود ميزانية موحدة قد يفتح المجال نظريا لقدر أكبر من الانضباط المالي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصا إذا تم ذلك تحت إشراف مؤسسات سيادية تمتلك قدرا من الشرعية الفنية مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، اللتين بقيتا من بين المؤسسات القليلة التي حافظت نسبيا على طابعها الوطني رغم الانقسام السياسي".

بدوره، رأى الأستاذ الجامعي عاطف الحاسية، أن ما جرى أخيرا بشأن ترتيبات الإنفاق العام في ليبيا لا يمكن توصيفه بعده ميزانية مكتملة للدولة لعام 2026، بل هو في جوهره "بداية اتفاق سياسي جديد".

وأشار الحاسية وفق ما نقل موقع "الساعة24" في 14 أبريل 2026، إلى أن هذه الترتيبات تحمل في طياتها أبعادا سياسية وجيوسياسية واضحة، تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت.

ولفت إلى أن أي درجة من الاستقرار السياسي داخل مختلف المناطق الليبية ستنعكس بشكل مباشر على كيفية توجيه الإنفاق العام وتحديد أولوياته بما يخدم احتياجات المواطنين.

وأضاف أن الملف الليبي لا ينفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق باستقرار إنتاج النفط، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد العالمي، مقدرا أن ليبيا أصبحت جزءا من معادلة أوسع ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.

وشدد الأستاذ الجامعي أن الخلاف القائم بين الغرب والشرق الليبي لا يقتصر على مسألة توزيع الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى قدرة كل طرف على تنفيذ المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة، معتبرا أن معيار النجاح الحقيقي سيكون مرتبطا بكفاءة التنفيذ وجودة المخرجات.

ونبه إلى وجود تحفظات تتعلق بآليات الرقابة والضبط المالي، مؤكدا أن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرهونا بمدى تحقق الإنجاز الفعلي على الأرض، وليس بمجرد التوافقات النظرية.

ويرى الحاسية أن النقاشات الجارية حول توزيع الإنفاق، رغم تعقيدها، تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم التنمية، مع ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة لضمان تحقيق نتائج ملموسة.

ورأى الحاسية أن غياب الشفافية في تفاصيل الاتفاق يمثل أحد أبرز التحديات، مشيرا إلى أن الثقة في البيانات الرسمية ما تزال محدودة لدى شريحة واسعة من الليبيين، بما في ذلك بعض التقديرات الصادرة عن المصرف المركزي.

ولفت إلى أن الاقتصاد الليبي بحاجة إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع مستدامة، خاصة في مجالات البنية التحتية ورأس المال البشري، بدلا من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي.

Capture d’écran 2026-04-14 125113.png

تفاعلات متعددة

على المستوى الرسمي أيضا، أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حرص المجلس على دعم كافة مبادرات لم الشمل وتحقيق الاستقرار.

وشدد تكالة، وفق ما نقل "وكالة الأنباء الليبية" في 14 أبريل 2026، أهمية التشاور المستمر بين الأجسام السياسية لتوحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية والوصول بالدولة إلى مرحلة الاستقرار الدائم.

جاء ذلك خلال استقباله بمقر مجلس الدولة في العاصمة طرابلس رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، والذين استعراضا مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

كذلك عبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن ترحيبها بتوقيع الملحق رقم (1) لاتفاق برنامج التنمية الموحّد في طرابلس.

ورأت البعثة الأممية في منشور في 12 أبريل 2026، بأن هذا الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو معالجة الحاجة الملحّة لتعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام، وتعزيز قدر أكبر من الاتساق المالي والمساءلة على مستوى البلاد، شريطة وجود التزام مماثل وقوي لضمان التنفيذ الفعّال.

وذكرت البعثة أن الاتفاق يتيح كذلك فرصة لتحسين الحوكمة في قطاع المحروقات، بما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز ثقة المستثمرين.

ودعت البعثة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق على ضمان تنفيذه، وإتاحة رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا بما يتماشى مع المعايير الدولية والتشريعات الليبية ذات الصلة.

كما دعت السلطات إلى توحيد وتعزيز مؤسسات الرقابة المستقلة والفعّالة لضمان أن يحقق إطار الإنفاق الموحّد فوائد ملموسة لجميع الليبيين.

قراءة اقتصادية

من الناحية الاقتصادية، أكدت كبيرة محللي مجموعة الأزمات الدولية بشأن ليبيا كلوديا غازين، أن "الاتفاق على الميزانية الموحدة في ليبيا يمثل خطوة سياسية مهمة، لكن نجاحه الحقيقي سيعتمد على قدرة السلطات في وقف قنوات الإنفاق والتمويل الموازية التي صاحبت النظام المالي خلال السنوات الماضية".

وذكرت غازين وفق ما نقل موقع "أخبار ليبيا" في 14 أبريل 2026، أن الاختبار الحقيقي سيكون في معرفة ما إذا كانت جميع مصادر المدفوعات الموازية وغير الرسمية، المستمرة منذ سنوات، ستتوقف فعلا.

واسترسلت: "حتى الآن لا توجد سوى إعلانات، وتقييم الأثر الفعلي للاتفاق سيتطلب انتظار الأشهر المقبلة"، مشيرة إلى أن "من بين أبرز المؤشرات التي ستُظهر مدى نجاح الاتفاق احتمال تراجع تهريب الوقود، الذي يعد أحد أهم القنوات غير الرسمية لتوزيع الموارد في البلاد".

ونبهت غازين إلى أن النظام الليبي اتسم لفترة طويلة بتعدد التدفقات المالية خارج الميزانية، بما في ذلك تهريب الوقود، والديون المصرفية، والعمليات غير الشفافة في قطاع الطاقة.

وخلصت إلى أن "الحكم على نجاح الاتفاق سيظل مرهونا بمدى قدرة المؤسسات الليبية على ترجمة الاتفاق إلى رقابة فعلية على الإنفاق، وتقليص التشوهات التي غذّت المنظومة الاقتصادية والسياسية في البلاد".

رغم الأبعاد الإيجابية لهذا الاتفاق، يرى المحلل السياسي إبراهيم الأصيفر، أن الاتفاق على ميزانية موحدة لا يمكن عده بحد ذاته مؤشرا حاسما على بداية حل حقيقي للانقسام المؤسسي في ليبيا.

وأبرز الأصيفر لـ "الاستقلال" أن المشكلة الليبية في جوهرها ليست مشكلة مالية بقدر ما هي أزمة شرعية سياسية وتنافس على السلطة.

ولذلك، يردف المحلل السياسي، فإن أي تفاهم مالي بين الأطراف المتصارعة قد يبقى هشا إذا لم يكن جزءا من مسار سياسي أوسع يعالج مسألة الشرعية ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس واضح.

وأشار إلى أن "التجربة الليبية خلال السنوات الماضية مليئة بالاتفاقات التي بدت في لحظة معينة وكأنها تمثل اختراقا مهما، لكنها سرعان ما تعثرت عندما اصطدمت بحسابات القوة والنفوذ على الأرض".

وأردف، كما أن هناك عاملا آخر أراه بالغ الأهمية يتعلق بما يمكن تسميته باقتصاد الانقسام. فقد تشكلت خلال سنوات الصراع شبكات مصالح واسعة داخل مؤسسات الدولة وخارجها استفادت من حالة الفوضى المالية وغياب الرقابة.

ويرى الأصيفر أن "هذه الشبكات قد لا تنظر إلى توحيد الميزانية باعتباره خطوة إصلاحية بقدر ما تراه تهديدا مباشرا لمصالحها. ولهذا السبب، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الاتفاق على أرقام الميزانية أو بنودها، بل في القدرة على فرض قواعد واضحة وشفافة لتنفيذها ومنع تحويلها إلى مجرد أداة جديدة لتقاسم الموارد بين مراكز النفوذ المختلفة".

انطلاقا من ذلك، يقول الكاتب الليبي، "أرى أن هذه الخطوة يمكن تفسيرها بطريقتين. فمن ناحية، قد تكون بداية مسار تدريجي نحو إعادة توحيد المؤسسات، خصوصا إذا نجحت المؤسسات المالية في فرض نوع من الانضباط على الإنفاق وربط الميزانية بآليات رقابة فعالة".

واسترسل، ومن ناحية أخرى، "قد تكون مجرد تسوية مالية مؤقتة بين النخب السياسية لضمان استمرار تدفق الموارد دون معالجة الجذور العميقة للأزمة. وفي هذه الحالة قد يتحول توحيد الميزانية إلى شكل من أشكال إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه".

وتابع: "وبشكل عام، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتفاق على ميزانية موحدة يمثل خطوة إيجابية لكنها محدودة الأثر إذا بقيت معزولة عن مسار سياسي حقيقي يعيد بناء الشرعية والمؤسسات في ليبيا".

ونبه الأصيفر إلى أن "الدول لا تستقر فقط عبر توحيد ميزانياتها، بل عبر وجود سلطة سياسية واضحة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه في جميع أنحاء البلاد".

وخلص إلى أنه إذا لم يتم ربط هذه الخطوة بإصلاحات مؤسسية أعمق، وبمسار سياسي يقود في النهاية إلى سلطة تنفيذية موحدة تحظى بشرعية وطنية، فمن المرجح أن تبقى الميزانية الموحدة مجرد إجراء تقني في دولة ما تزال تعاني من انقسام سياسي عميق.