خامنئي الابن على رأس النظام.. ماذا يعني ذلك للحرب المشتعلة ضد أميركا وإسرائيل؟

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع إعلان مجلس خبراء القيادة في إيران انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للجمهورية الإسلامية، يبرز تساؤل مهم حول كيفية انعكاس توليه قيادة نظام ولاية الفقيه على مسار الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على البلاد منذ 28 فبراير/شباط 2026.

ويُنظر إلى خامنئي الابن المثقل بمشاعر الثأر بعد مقتل والديه وزوجته وابنته خلال الحرب الحالية، بوصفه شخصية تعزز قبضة التيار المحافظ داخل النظام الإيراني. ويرى بعض المراقبين أنه كان يدير جانبًا مهمًا من السلطة من خلف الكواليس خلال عهد والده، قبل أن يتولى اليوم إدارتها بشكل رسمي، في وقت يخوض فيه النظام ما يصفه مسؤولوه بـ"حرب وجودية".

من جهته، علّق دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، على اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران. واصفًا القرار بأنه "خطأ فادح"، وذلك خلال مقابلة مع شبكة NBC في 9 مارس/آذار.

وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال نقلًا عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين –لم تسمّهم– أن ترامب قال لمساعديه: إنه في حال رفض المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، الاستجابة لمطالب واشنطن، وعلى رأسها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، فإنه سيدعم خيار اغتياله.

"مكافأة إلهية"

أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران، "بأغلبية ساحقة من الأصوات"، اختيار مجتبى خامنئي قائدًا ثالثًا للثورة الإسلامية وللجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفق بيان نشرته وكالة وكالة تسنيم في 8 مارس/آذار.

وذكر البيان أن مجلس خبراء القيادة لم يتوقف لحظة واحدة عن متابعة عملية اختيار وتعيين قائد جديد للنظام الإسلامي، موضحًا أنه جرى اتخاذ الترتيبات والتنسيقات اللازمة لعقد اجتماع ممثلي المجلس المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد، وذلك لضمان عدم حدوث أي فراغ قيادي في هرم السلطة.

وأكد المجلس أنه "تقديرًا لمكانة ولاية الفقيه السامية في عصر غيبة الإمام المهدي، وأهمية مسألة القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية"، قرر خلال اجتماعه الاستثنائي، وبأغلبية قاطعة من أصوات أعضائه، انتخاب آية الله مجتبى خامنئي قائدًا ثالثًا للنظام.

وفي السياق نفسه، رأى عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني محمود نبويان أن انتخاب مجتبى خامنئي قائدًا جديدًا للثورة يمثل "مكافأة من الله لشعب إيران". مؤكدًا أن الحرب ستستمر حتى تحقيق سلام مستدام.

ونقل موقع روسيا اليوم عن نبويان قوله، في 9 مارس/آذار: إن "انتخاب آية الله السيد مجتبى حسيني خامنئي مكافأة من الله عز وجل لشعب إيران"، مشددًا على أنه "لم يكن هناك بالتأكيد شخص أقوى وأعلم منه في البلاد لقيادة النظام، وقد منحه مجلس الخبراء بحق أعلى نسبة تصويت".

وأوضح النائب الإيراني أن "قائد الثورة لا يُفترض أن يشغل منصبًا تنفيذيًا، بل تتمثل مهمته في توجيه النظام، ووضع سياساته العامة، واتخاذ القرارات الكبرى في مجالات الحرب والاقتصاد".

وأضاف: "ظن العدو أنه يستطيع ضرب البلاد في أسرع وقت ممكن بعد استشهاد قائد الثورة، لكن شؤون البلاد وقوتها الدفاعية تقوم بواجبها، والعدو يخسر على جميع الجبهات".

واختتم نبويان تصريحاته بالقول: "إن أمة إيران هي أمة الإمام الحسين، وهذه الأمة لا تستسلم ولا تقبل الذلّ. وستستمر الحرب حتى يتحقق السلام للشعب الإيراني لعقود، ويتحقق الأمن".

خيار المواجهة

وبشأن مدى انعكاس اختيار مجتبى خامنئي على مسار الحرب، يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط أياد ثابت أن وصوله إلى هرم السلطة في إيران يؤكد تمسك التيار المحافظ بخيار المواجهة وعدم الاستسلام، ما قد يطيل أمد الحرب الدائرة، على عكس ما يسعى إليه التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وأوضح ثابت، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن مجتبى خامنئي، وإن لم يكن حاضرًا في المشهد السياسي الإيراني بشكل علني خلال فترة حكم والده، فإن العديد من التقارير أشارت إلى أنه لم يكن بعيدًا عن دوائر القرار، بل كان مؤثرًا في إدارة شؤون البلاد من خلف الكواليس.

ويرى أن انتخابه اليوم، رغم أن إيران تُعرّف نفسها جمهورية، يعكس شكلًا من أشكال التوريث السياسي، بما يشبه عودة النظام الملكي ولكن بغطاء ديني.

ولفت إلى أنه "في المنظور الإستراتيجي، تعرضت إيران لعمليات ضغط وقضم تدريجية منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي عملية يبدو أنها مستمرة حتى الآن. لذلك فإن تغييب المرشد الأعلى يُعد السقف الأعلى لهذه الضغوط، وهو مؤشر يعكس سنوات طويلة من الإعداد لإعادة تشكيل المشهد".

وخلص إلى أن تهديد دونالد ترامب بأن مجتبى خامنئي "لن يستمر طويلًا" إذا لم يوافق على الشروط الأميركية، يعني أن واشنطن تسعى إلى إجبار أي قيادة إيرانية جديدة على الإذعان لمطالبها.

وأضاف أنه في حال لم يسقط نظام ولاية الفقيه، فإن الهدف قد يكون احتواءه أو "تدجينه" بما يتوافق مع المصالح الغربية، بحيث لا يشكل تهديدًا لـإسرائيل.

من جانبها، قالت الكاتبة الإيرانية المعارضة نعيمة دوستدار: إن مجتبى خامنئي يمثل في بنية السلطة الإيرانية نموذجًا لما يُعرف بـ"اللاعبين بلا منصب لكن ذوي نفوذ"، وهي شخصيات لا تظهر في المناصب الرسمية لكنها تمتلك مفاتيح تأثير مهمة داخل منظومة الحكم.

وأضافت دوستدار، في مقال نشره موقع إيران إنترناشيونال المعارض في 9 مارس/آذار، أن تتبع مسار مجتبى خامنئي- من دوره داخل "بيت القيادة" وعلاقته بـالحرس الثوري الإيراني إلى العقوبات الأميركية المفروضة عليه والجدل حول خلافة والده- يكشف أن فهم الشبكات غير الرسمية التي تعمل في الظل داخل الأنظمة الشخصية قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من معرفة المناصب الرسمية.

وأشارت إلى أن معظم الدراسات الموثوقة حول مجتبى خامنئي تلتقي عند نقطة أساسية، وهي علاقته الوثيقة والعميقة مع الحرس الثوري الإيراني، لا سيما فروعه الأمنية.

وتابعت أنه على مدى عقدين أقام علاقات قوية مع قيادات الحرس الثوري، من فيلق القدس إلى قوات الباسيج واستخبارات الحرس، وهو ما عزز نفوذه داخل البنية السياسية والأمنية للدولة.

وبحسب الكاتبة، فإن الإعلان الرسمي عن مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام الإيراني يكشف حقيقة أساسية، وهي أنه في لحظات الأزمات لا تكون الأسماء وحدها هي العامل الحاسم، بل الشبكات التي ترتبط بها تلك الأسماء داخل منظومة السلطة.

ومع ذلك، ترى دوستدار أن جميع هذه السيناريوهات تبقى مرهونة بشرط أساسي، يتمثل في قدرة المرشد الجديد والنظام الذي يقوده على النجاة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والخروج من هذه المرحلة بوصفه القائد الفعلي للنظام الإيراني.

بُعد رمزي

من جهتها، فسّرت مجلة فورين بوليسي الأميركية، في تقرير نشرته في 9 مارس/آذار، أسباب اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا لـإيران، مشيرة إلى أن "فكرة الشهادة تحمل وزنًا رمزيًا عميقًا في الثقافة السياسية الإيرانية". موضحة أن هذا المفهوم يستمد جذوره من السردية المركزية في الإسلام الشيعي، المتمثلة في استشهاد الإمام الحسين في معركة كربلاء عام 680 ميلادية.

ومن هذا المنظور، ترى المجلة أن تعيين مجتبى خامنئي يكتسب دلالة رمزية خاصة؛ إذ لا يُنظر إليه فقط بوصفه ابن القائد السابق، بل بوصفه، في سردية النظام، شخصية مرتبطة بإرث التضحية الذي شدد عليه والده، الذي قُتل على يد خصومه مع أفراد من عائلته، في سردية يستحضرها النظام الإيراني على نحو يشبه ما حدث مع الإمام الحسين.

وفي ما يتعلق بتأثير تعيين خامنئي الابن على مسار الحرب، أكدت المجلة أن هذا البعد الرمزي قد يشكل أداة قوية لترسيخ السلطة وتعزيز فكرة الاستمرارية السياسية، من خلال تأطيرها بوصفها جزءًا من صراع ممتد.

وأضافت أن هذا التعيين قد يخدم غرضين متوازيين؛ فداخليًا يعزز خطاب الصمود والمقاومة، بينما يوفر على المستوى الدولي غطاءً سياسيًا يمكن استخدامه سواء للمواجهة أو للتفاوض. وتشير المجلة إلى مفارقة لافتة، مفادها أن القائد المعروف بمواقفه الصلبة قد يكون في بعض الأحيان الأكثر قدرة على تقديم تنازلات ضرورية؛ لأنه أقل عرضة لاتهامات الضعف.

ولفتت إلى أنه، على خلاف معظم المرشحين الآخرين لقيادة إيران، اكتسب مجتبى خامنئي نفوذه إلى حد كبير بعيدًا عن الأضواء. فهو شخصية متحفظة نادرًا ما تظهر في العلن، وغالبًا ما يُرى في الصور واقفًا خلف شخصيات بارزة. كما أنه لم يتولَّ أي منصب حكومي رسمي، ولم يسعَ إلى ذلك، ونادرًا ما يتحدث إلى وسائل الإعلام.

ومع مرور الوقت، تمكن مجتبى خامنئي من بناء نفوذ في ثلاثة مجالات رئيسة: المؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، والشبكات السياسية المرتبطة بمكتب القائد الأعلى. وتكتسب علاقاته مع الحرس الثوري الإيراني أهمية خاصة؛ إذ تعود جذورها إلى فترة الحرب الإيرانية العراقية، عندما خدم في كتيبة "حبيب بن مظاهر".

وبحسب المجلة، فإنه بالمقارنة مع الجدل الرمزي الذي يثيره موضوع التوريث السياسي، قد تكون المؤهلات الدينية لمجتبى خامنئي أقل أهمية؛ إذ لا يشترط الدستور الإيراني أن يكون القائد الأعلى من كبار رجال الدين. فمنذ عام 1989 يقتصر الشرط على أن يكون القائد قادرًا على إصدار اجتهادات فقهية مستقلة.

وختمت المجلة بالقول: إن مجتبى خامنئي بنى نفوذه على مدى عقود بعيدًا عن الأضواء العامة، معتمدًا على بناء الشبكات والتحالفات بدل السعي إلى الشعبية العلنية، وعمل بهدوء خلف الكواليس. أما اليوم، ومع وصول إيران إلى لحظة مفصلية في تاريخها، فقد وجد نفسه في قلب السلطة.