المياه والطاقة.. السلاح الجديد لأميركا وإسرائيل في الحرب ضد إيران

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن إيران ستتعرض لـ"ضربة قوية جداً" في 7 مارس/آذار 2026 تشمل توسيع نطاق "المناطق والفئات المستهدفة"، اتضح أن المقصود لم يكن مجرد ضربات عسكرية تقليدية، بل استهداف مباشر للبنية التحتية الحيوية.

فقد شملت الضربات قصف منشآت لتحلية المياه وخزانات نفط ومرافق مدنية بينها مستشفيات، في تطور يشير إلى انتقال الحرب إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد.

ومع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل ما بات يوصف بـ"حرب تدمير البنية التحتية"، استُهدفت منشأة لتحلية المياه في جزيرة قشم جنوب إيران، إلى جانب قصف نحو 50 خزاناً في مستودع وقود شهران في الضواحي الشمالية لطهران، وهو أحد أكبر مراكز تخزين البنزين والوقود المخصص للتوزيع المحلي.

وردّت طهران على هذه الهجمات باستهداف مصفاة حيفا في إسرائيل بصواريخ "خيبر شكن"، في خطوة تعكس انتقال المواجهة إلى استهداف منشآت الطاقة الحيوية لدى الطرفين.

وفي تطور لافت، أعلنت البحرين تعرض محطة لتحلية المياه على أراضيها للقصف، في أول إعلان من دولة عربية عن استهداف منشأة من هذا النوع خلال ما بات يُعرف بـ"حرب الأيام التسعة".

وأثار الحادث موجة من التكهنات بشأن هوية الجهة المنفذة، وسط فرضيات تشير إلى احتمال أن يكون الهجوم جزءاً من مسار أوسع لتوسيع دائرة الصراع وإشعال المنطقة ودفع دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

ويفتح استهداف البنية التحتية، خاصة منشآت المياه، الباب أمام تحول خطير في طبيعة الحرب، إذ قد تصبح محطات تحلية المياه في الخليج ضمن قائمة الأهداف العسكرية المحتملة في النزاعات المقبلة.

ويكتسب هذا الاحتمال حساسية خاصة في ظل الأزمات المائية المتفاقمة في كل من إيران ودول الخليج، واعتمادها شبه الكامل على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب.

وتنتشر مئات محطات التحلية على طول سواحل الخليج العربي، وتعتمد دول المنطقة بشكل كبير على هذه المرافق الحيوية لضمان أمنها المائي، بحسب ما أفادت وكالة "أسوشيتد برس".

وهو ما يعني أن إدخال هذه المنشآت إلى دائرة الاستهداف العسكري قد يفتح مرحلة جديدة أكثر خطورة في الصراع، تنتقل فيها المواجهة من ضرب القدرات العسكرية إلى استهداف البنية التحتية التي تقوم عليها حياة ملايين المدنيين.

ضرب مصافي النفط

بدأت ملامح ما يمكن وصفه بـ"حرب البنية التحتية" تتبلور في 7 مارس/آذار 2026، عندما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات استهدفت منشآت مدنية حيوية داخل إيران، وفي مقدمتها مرافق الطاقة ومستودعات الوقود. وقد خلّفت هذه الهجمات حرائق هائلة وأعمدة كثيفة من الدخان الأسود غطت مناطق واسعة، فيما حذر محللون من أن تفاعل هذه الانبعاثات مع الأمطار قد يحولها إلى مواد حمضية ضارة، في سيناريو شبّهه بعضهم بحرب بيئية أو كيميائية غير مباشرة.

وشملت الضربات الإسرائيلية استهداف مستودعات نفط في العاصمة طهران، فيما ردت إيران بقصف منشآت نفطية في إسرائيل، أبرزها مصفاة النفط في حيفا، عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل إضافة إلى قواعد أميركية في منطقة الخليج.

وكان من أبرز المواقع التي تعرضت للهجوم مستودع وقود شهران في الضواحي الشمالية لطهران، وهو أحد أكبر مراكز تخزين البنزين والوقود في العاصمة ويُستخدم لتزويد السوق المحلية وبعض الاحتياجات العسكرية. ويقع المستودع في مدينة يقطنها نحو 13 مليون نسمة، ما جعل استهدافه يثير مخاوف واسعة من تداعياته على المدنيين.

ووفق التقارير، اشتعلت النيران في خزانين على الأقل من أصل أحد عشر خزاناً داخل المنشأة، ما أدى إلى تصاعد سحب كثيفة من الدخان الأسود تسببت في حالات اختناق بين السكان. كما تسرب الوقود المشتعل من بعض الخزانات المتضررة، الأمر الذي أدى إلى امتداد الحرائق وإلحاق أضرار بعدد من المنازل القريبة.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف مصفاة بازان النفطية في خليج حيفا باستخدام صواريخ خيبر شيكان الباليستية العاملة بالوقود الصلب، مؤكداً أن الهجوم جاء رداً على الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت قطاع الطاقة الإيراني.

وتعد المصفاة التي تديرها مجموعة بازان، أكبر منشأة لمعالجة النفط في إسرائيل، إذ توفر ما بين 50 و60 بالمئة من احتياجات البلاد من الوقود. وكان الموقع نفسه قد تعرض لقصف صاروخي إيراني خلال حرب يونيو/حزيران 2025، ما أسفر حينها عن مقتل ثلاثة عمال وإصابة العشرات، إضافة إلى توقف المصفاة عن العمل لعدة أشهر.

غير أن اللافت في الضربة الأولى التي استهدفت البنية التحتية النفطية الإيرانية هو اختيار مستودعات التخزين داخل العاصمة بدلاً من مواقع الإنتاج أو التصدير الرئيسة. فلم تُستهدف منشآت حيوية مثل جزيرة جزيرة خرج، التي تُعد الميناء الرئيس لتصدير النفط الإيراني، ولا الحقول النفطية الكبرى في إقليم خوزستان جنوب البلاد حيث يُستخرج النفط الخام.

ويشير هذا الاختيار إلى أن الضربات ركزت في مرحلتها الأولى على تعطيل الإمدادات المحلية وإرباك الداخل الإيراني، بدلاً من ضرب القدرة التصديرية للطاقة. فجزيرة خرج تمثل الحلقة الأكثر حساسية في البنية التحتية النفطية الإيرانية، إذ تمر عبرها نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الخام قبل أن تتجه ناقلات النفط إلى الأسواق العالمية، غالباً عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وتُنقل كميات النفط من الحقول البرية إلى الجزيرة عبر شبكة أنابيب، حيث يجري تخزينها في خزانات ضخمة قبل تحميلها على ناقلات عملاقة من خلال أرصفة تمتد إلى المياه العميقة، ما يسمح باستقبال السفن الضخمة. وتقوم هذه المنشآت يومياً بشحن ملايين البراميل من النفط، ما يجعل الجزيرة نقطة الارتكاز الأساسية التي تربط الحقول النفطية الإيرانية بالأسواق الدولية.

تضرر أميركا قبل إيران

بسبب تمركز الجزء الأكبر من البنية التحتية لتصدير النفط الإيراني في موقع واحد هو جزيرة خرج، يرى خبراء طاقة أن هذه الجزيرة تمثل نقطة ضعف اقتصادية رئيسية لدى إيران. وقد لوّح مسؤولون في الولايات المتحدة بأن تعطيل هذا الميناء قد يوجه ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني.

ومع ذلك، ورغم امتلاك كل من واشنطن وإسرائيل القدرة العسكرية على استهداف الجزيرة، فإنهما اختارتا عدم القيام بذلك. فالقضاء على البنية التحتية لتصدير النفط الإيراني قد يؤدي إلى خروج النفط الخام الإيراني من الأسواق العالمية لفترة طويلة، الأمر الذي قد يدفع أسعار النفط إلى ما يقارب 150 دولاراً للبرميل أو أكثر، ويزيد من حدة التوتر الدولي، خصوصاً بعدما أدانت نحو 120 دولة الهجمات الأخيرة.

بدلاً من ذلك، ركزت الضربات على تعطيل إمدادات الوقود المحلية، ومن أبرزها استهداف مستودع الوقود شهران في طهران. ويؤدي هذا المستودع دوراً محورياً في تزويد الشاحنات التي تنقل الغذاء إلى الأسواق، والمركبات التي يستخدمها عناصر الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى المولدات التي تُبقي المستشفيات ومحطات معالجة المياه قيد التشغيل عند انقطاع الكهرباء.

هذا النوع من الاستهداف لا يغير أسعار النفط العالمية، لكنه يترك أثراً مباشراً على حياة نحو 13 مليون نسمة في العاصمة الإيرانية التي تعيش بالفعل تحت وطأة قصف جوي كثيف وصفته تقارير دولية بأنه من أعنف القصف الذي تتعرض له مدينة رئيسية منذ غزو العراق 2003.

في المقابل، فإن ضرب منشآت التصدير في جزيرة خرج سيؤدي عملياً إلى إخراج النفط الإيراني من الأسواق العالمية لفترة طويلة، لأن إعادة بناء مرافق تحميل النفط البحرية في ظل العقوبات الدولية قد يستغرق سنوات. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة بالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من النفط الإيراني يتجه إلى الصين، التي تستورد نحو 1.4 مليون برميل يومياً من الخام الإيراني.

ويحذر خبراء الطاقة من أن توقف هذه الإمدادات قد يدفع سعر خام برنت إلى حدود 150 دولاراً للبرميل، ما قد يتسبب في ركود اقتصادي عالمي ويزيد من حدة الانقسام الجيوسياسي، فضلاً عن احتمال توحيد دول الجنوب العالمي ضد العملية ومنح بكين مبرراً للتصعيد لا تملكه حالياً.

لهذا السبب يرى بعض المحللين أن جزيرة خرج تمثل "الخط الأحمر" غير المعلن الذي رسمه التحالف الأميركي الإسرائيلي لنفسه داخل إيران، إذ إن استهدافها قد لا يضر بطهران وحدها، بل قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية. ويقول المحلل المالي شانكا أنسليم بيريرا: إن تدمير صادرات النفط الإيرانية في هذه المرحلة قد يعني عملياً إدخال الاقتصاد العالمي في صدمة طاقة واسعة النطاق.

احتلال بري

ويشير محللون إلى أن رفض الولايات المتحدة استهداف جزيرة خرج أو أبار النفط الإيرانية، رغم أهميتها الإستراتيجية وسهولة استهداف منشآتها نسبياً، يعود إلى عدة أسباب مرتبطة بخطورة التصعيد المحتمل.

فاستهداف الجزيرة قد يدفع إيران للرد مباشرة على منشآت النفط في إسرائيل ودول الخليج المجاورة، ما يهدد إمدادات الطاقة العالمية، ويزيد من تقلبات أسعار النفط في وقت تشهد فيه الأسواق اضطرابات كبيرة، بحسب شبكة "بي بي إس ي" بتاريخ 9 مارس 2026. كما أن تدمير محطة التصدير الرئيسة لإيران قد يضعف اقتصاد البلاد على المدى الطويل، ما يعقد أي تحول سياسي مستقبلي محتمل.

لهذه التقديرات، تُعد جزيرة خرج منذ سنوات بمثابة خط أحمر حساس في النزاعات الإقليمية. ومن هنا، طُرحت فكرة السيطرة على الجزيرة عبر تدخل برّي أو جوي أميركي، إذ إن السيطرة عليها تتطلب غالباً عملية عسكرية برية، وليس مجرد ضربات جوية، وهو خيار لا تزال واشنطن مترددة في الإقدام عليه، وفق خبراء نقلهم موقع "أكسيوس" الأميركي في 8 مارس 2026.

ونقل الموقع عن مسؤول أميركي قوله: إن الإدارة ناقشت عدة خيارات للتعامل مع الحرب في المنطقة، من بينها الاستيلاء على الجزيرة. وقد وصف المحلل الأميركي مايكل روبين هذه الخطوة بأنها وسيلة فعالة "لقطع عائدات النفط عن الحكومة الإيرانية".

في المقابل، حذر المسؤول الأميركي السابق ريتشارد نيفيو من أن استهداف الجزيرة قد يؤدي إلى تصعيد واسع ويهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية. كما حذر محللون في بنك جيه بي مورغان من أن سيطرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الجزيرة قد تتسبب في صدمة كبيرة بأسواق الطاقة، وتدفع طهران إلى الرد باستهداف منشآت النفط في المنطقة أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

النتيجة أن أي خطوة ضد جزيرة خرج تبقى محفوفة بالمخاطر، حيث تمثل مزيجاً من التحديات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية التي تجعل من أي تدخل مباشر قراراً إستراتيجياً بالغ التعقيد.

سلاح كيماوي

تمثل الضربة التي استهدفت منشأة تحلية المياه في جزيرة قشم نقطة تحول حساسة في قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تنتقل المواجهة من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى البنية التحتية الحيوية، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في النزاع.

وحذر خبراء من أن التفاعلات الكيميائية الناتجة عن احتراق الوقود في المصافي المستهدفة قد تنتج أمطاراً حمضية، فيما يزيد التعرض للمركبات المحمولة جواً من خطر الإصابة بالسرطان، وتهيج الجلد والعين، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وفق تقرير موقع "جلوبال ويتنيس" بتاريخ 9 مارس 2026.

كما قد تصل الملوثات عبر مياه الأمطار إلى مصادر المياه، ما يؤثر بشكل مباشر على الحياة المائية وإمدادات مياه الشرب، ويزيد من خطورة الأزمة الإنسانية والبيئية في المناطق المتضررة.

وتعكس هذه الهجمات الأبعاد المناخية والبيئية للحروب الحديثة، إذ إن النزاعات المسلحة غالباً ما تنتج عنها أضرار طويلة المدى، حتى دون استهداف البنية التحتية النفطية. فقد أدى الغزو الروسي لأوكرانيا خلال الأشهر الاثني عشر الأولى إلى انبعاث نحو 120 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، كمثال على التداعيات البيئية للحرب.

وبناءً على ذلك، يبدو أن تساقط النفط والدخان الأسود على طهران ليس مجرد حدث عرضي، بل مؤشر أولي على الأضرار البيئية والصحية الكبرى التي قد تخلفها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تهديد مباشر لحياة المدنيين وصحة السكان.

وتعتمد دول الخليج وإيران على تحلية مياه البحر بشكل أساسي لتلبية احتياجاتها من المياه الصالحة للشرب، ما يجعل أي هجوم على هذه المنشآت خطوة حساسة للغاية، يمكن أن يرفع منسوب التوترات في المنطقة ويجرها نحو مواجهة غير مسبوقة على الصعيد المدني والعسكري والاقتصادي.

في 9 مارس 2026، اتهمت إيران الولايات المتحدة بتنفيذ ضربة جوية استهدفت منشأة لتحلية المياه في جزيرة قشم جنوب البلاد، ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي العملية بأنها "جريمة واضحة ويائسة تمس البنية التحتية المدنية".

وأكد أن الهجوم أثر على إمدادات المياه في ثلاثين قرية، محذرًا من أن مهاجمة البنية التحتية الحيوية خطوة خطيرة تستهدف المدنيين مباشرة، وقد يكون لها عواقب خطيرة على استقرار المنطقة، لا سيما في ظل توتر مستمر بين واشنطن وطهران.

وقد اعترف الرئيس الاميركي ضمنا بقصف محطة تحلية المياه، فعندما سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة هاجمت محطة لتحلية المياه في إيران، قال إن الإيرانيين “من بين أكثر الناس شرًا على وجه الأرض”.

وأضاف: “لا أعرف شيئًا عن محطة تحلية المياه، سوى أنني أقول: إذا كانوا يشتكون من محطة تحلية، فنحن نشتكي من أنه لا ينبغي لهم قطع رؤوس الأطفال”.

وأشار مراقبون إلى أن استهداف منشآت المياه، التي تعد خطًا أحمر في أي صراع، قد يكون جزءًا من إستراتيجية إسرائيلية – وفق بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية – لجر دول الخليج إلى النزاع بدلاً من مواجهة إيران بشكل مباشر، في حين نفت الإمارات بشكل قاطع أي تورط، معتبرة أن إسرائيل تحاول توريط دول المنطقة عبر نشر شائعات وادعاءات غير دقيقة، وهو ما يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي وحساسية استهداف الموارد المائية.

ويُعد هذا التطور حساسًا للغاية، إذ يعكس تحولًا في قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران: من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى البنية التحتية المدنية الحيوية، وهو ما قد يمهد لمرحلة أكثر خطورة من النزاع.

ويرى خبراء أن التفاعلات الكيميائية الناتجة عن احتراق الوقود في المصافي التي قصفتها أميركا وإسرائيل يمكن أن تتسبب في أمطار حمضية، وتهديد مباشر بالصحة العامة، من بينها أمراض الجلد والعين والقلب والأوعية الدموية، فضلاً عن تأثيرها على المصادر المائية والحياة البحرية، بحسب موقع "جلوبال ويتنس" 9 مارس 2026.

تاريخيًا، لم تكن البنية التحتية المائية في منطقة الخليج بعيدة عن دائرة الاستهداف في النزاعات المسلحة. ففي يونيو 2019، أعلن التحالف العربي عن إطلاق الحوثيين مقذوف باتجاه محطة تحلية في جنوب السعودية.

كما أعلنت قطر أن خزان مياه تابع لمحطة توليد الكهرباء في مسيعيد جنوب الدوحة تعرض لهجوم بطائرة مسيرة. هذه الأمثلة توضح أن محطات التحلية ليست فقط هدفًا عسكريًا محتملًا، بل تمثل أيضًا نقاط ضعف إستراتيجية لأمن المياه المدني في المنطقة.

وقد عقدت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي اجتماعًا استثنائيًا للجنة الموارد المائية في 3 مارس 2026، لمناقشة تعزيز منظومات الأمن المائي في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، في خطوة تعكس القلق المتزايد حول استهداف محطات التحلية في النزاعات المستمرة، خصوصًا في ظل الأزمة المائية الحادة التي تواجهها المنطقة.

وتشير التحليلات إلى أن الضربات على منشآت المياه في إيران والخليج لن تؤثر فقط على حياة المدنيين، بل قد تُحدث تصاعدًا سياسيًا واسع النطاق، من خلال زيادة التوترات بين الدول المعنية، واستدراج المزيد من الدول الإقليمية إلى الصراع، وخلق مسارات تصعيد جديدة يمكن أن تشمل استهداف منشآت استراتيجية أخرى.

باختصار، يوضح هذا التطور كيف أن الموارد الحيوية، خصوصًا المياه، أصبحت جزءًا من أهداف الحرب في النزاعات الحديثة، وكيف يمكن لأي استهداف للبنية التحتية المائية أن يكون له تداعيات إنسانية، اقتصادية، وبيئية، تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود المباشرة للمعارك العسكرية، بما يعكس طبيعة الصراعات الحديثة وتحولاتها نحو استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن العديد من دول الخليج تعتمد اعتمادًا شبه كامل على تحلية مياه البحر، إذ يوفر هذا المصدر بين 50٪ و90٪ من احتياجات السكان، ويعتبر حيويًا لضمان استمرار الحياة المدنية في المدن الكبرى.

وتتحكم محطات التحلية الكبرى، مثل محطة جبيل في المملكة العربية السعودية، بما يصل إلى 90٪ من مياه الشرب في العاصمة الرياض وحدها، ما يجعلها هدفًا حيويًا يمكن أن يهدد السكان بشكل مباشر في حالة استهدافها.

كما أن هذه المنشآت مرتبطة مباشرة بالبنية التحتية للطاقة وشبكات النقل وأنظمة الضخ، ما يزيد من حساسيتها، ويجعل أي تدمير لها أو تعطيل تشغيلها بمثابة تهديد أمني متكامل.

الدراسات الحديثة تشير إلى أن المخاطر على محطات التحلية لا تقتصر على الهجمات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضًا الحوادث غير العسكرية مثل التسربات النفطية، الكوارث البيئية أو النووية التي قد تؤدي إلى وصول سحب ملوثة إلى دول الخليج خلال فترة قصيرة تصل إلى 15 ساعة، ما يبرز هشاشة منظومة المياه وارتباطها الوثيق باستقرار الحياة المدنية.