بزشكيان يعتذر لدول الجوار.. لماذا يشكك مراقبون في صدقية التعهد الإيراني؟

يوسف العلي | منذ ٧ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاره عن استهداف دول الجوار، وموافقة "مجلس القيادة المؤقت" على تعليق الضربات، طرحت تساؤلات حول مدى قدرة المجلس على ضبط تحركات الحرس الثوري الذي يتولى إدارة العمليات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويتولى "مجلس القيادة المؤقت" مهام المرشد الأعلى بشكل مؤقت إلى حين انتخاب مرشد جديد خلفا لعلي خامنئي الذي قُتل في 28 فبراير/شباط 2026، ويتكون المجلس من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، إضافة إلى آية الله علي رضا أعرافي بصفته عضوا فقهيا.

اعتذار وتوضيح

في 7 مارس، ظهر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مقطع مصور بثته وسائل إعلام إيرانية، وقال: "أعتذر للدول المجاورة، فليس لدينا عداوة معها، وستوقف إيران ضرب جيرانها ما لم تتعرض لهجوم". مضيفا: "يجب أن نعمل مع دول الجوار لضمان الأمن والسلام".

وأكد أن إيران ملتزمة بالقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية، مشددا على أن بلاده لن تستسلم لإسرائيل والولايات المتحدة، وذلك مع دخول الحرب أسبوعها الثاني. قائلا: إن "الأعداء سيحملون حلمهم باستسلام الشعب الإيراني معهم إلى القبر".

وبعد ساعات من تصريحاته، أصدر مكتب بزشكيان توضيحا بشأن ما أثير حول كلام الرئيس، خاصة بعد ادعاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التصريحات تعني أن إيران استسلمت لجيرانها.

وقال المكتب: إن إيران ستردّ بحزم على أي عدوان ينطلق من القواعد الأميركية. مؤكدا أن رسالة الرئيس واضحة، وهي أنه إذا لم تتعاون دول المنطقة في مواجهة الهجمات الأميركية على إيران فلن تقوم طهران باستهدافها.

ورد ترامب على تصريحات بزشكيان قائلا: إن إيران التي تتعرض لضربات قوية، اعتذرت واستسلمت لدول الشرق الأوسط، متعهدا بأن ذلك التعهد لم يكن إلا نتيجة الهجوم الأميركي الإسرائيلي المتواصل، ومتهما طهران بالسعي للسيطرة على المنطقة.

وفي تطور ميداني، أعلن الحرس الثوري الإيراني مهاجمة قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات بعدد كبير من الطائرات المسيّرة، بحسب ما نقلته وكالة "مهر" الإيرانية الرسمية في 7 مارس.

كما أعلن الجيش الإيراني إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه منشآت عسكرية أميركية في البحرين وقطر، فيما أعلنت وزارة الدفاع القطرية التصدي لهجوم صاروخي باليستي.

وفي 1 مارس، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: إن الوحدات العسكرية الإيرانية تعمل بشكل شبه مستقل وتنفّذ توجيهات عامة مسبقة، مع التشديد على ضرورة اختيار الأهداف بعناية.

وأضاف عراقجي خلال تصريحات تلفزيونية أن ما حدث في سلطنة عمان لم يكن خيارا إيرانيا، مؤكدا أنه أوضح ذلك لوزيري خارجية قطر وعمان.

"تبادل أدوار"

يرى الباحث السياسي العراقي علي المساري أن التصريحات المنسوبة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن وقف استهداف دول الجوار لا يمكن التعويل عليها، في ظل استمرار الخطاب الصادر عن الحرس الثوري وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، والذي يبرر الهجمات بوجود قواعد عسكرية أميركية.

وقال المساري في تصريح لـ"الاستقلال": إن تصريحات بزشكيان تبدو أشبه بما وصفه بـ"حقنة مهدئة" لدول الجوار، بهدف إقناعها بعدم الانخراط رسميا في الحرب أو السماح للولايات المتحدة وإسرائيل بتوسيع الضربات على إيران، خاصة في دول كانت ترفض التصعيد العسكري مثل السعودية.

ورأى أن ما صدر عن بزشكيان والحرس الثوري يمثل، في تقديره، تبادلا للأدوار بين جناحين داخل المنظومة الإيرانية، مؤكدا أن التهديدات باستهداف دول الجوار سبقت اندلاع الحرب الحالية.

وأضاف أن إيران باتت في مواجهة مع معظم دول الجوار، من أذربيجان إلى دول الخليج، ما يجعل الاعتذار المتأخر خطوة سياسية رمزية أكثر منه تحولا فعليا في الموقف العسكري، خاصة بعد تعرض دول وسيطة مثل قطر وسلطنة عمان لهجمات سابقة.

وأشار المساري إلى أن من المؤشرات على ضعف الالتزام بتصريحات بزشكيان، ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اليوم نفسه من أن مبادرة الرئيس لخفض التصعيد أُجهضت نتيجة الموقف الأميركي.

ونشر عراقجي تدوينة على منصة "إكس" قال فيها: إن الرئيس بزشكيان أبدى انفتاحا على خفض التصعيد بشرط عدم استخدام دول الجوار لمهاجمة إيران، مقدرا أن واشنطن أفشلت هذه المبادرة.

وأكد عراقجي أن الحرب لن تعزز موقف الولايات المتحدة التفاوضي، مشيرا إلى أنه أوضح خلال محادثات سابقة أن التصعيد العسكري لن يؤدي إلى تحسين شروط التفاوض.

وفي سياق متصل، علق الإعلامي القطري جابر الحرمي على اعتذار بزشكيان قائلا في تدوينة على منصة "إكس": إن من الضروري أن تكون الدوائر السياسية والعسكرية في إيران منسجمة في خطابها وسلوكها، بعيدا عن التبريرات أو المراوغات السياسية.

وأضاف الحرمي أن إعلان وقف الهجمات على دول الجوار تلاه، بعد ساعات، إعلان قطري عن التصدي لهجوم صاروخي إيراني، متسائلا عن مدى التوافق بين الأقوال والأفعال في الموقف الإيراني. ومشيرا إلى أن التناقض بين الخطاب الرسمي والتطورات الميدانية يثير الشكوك حول جدية التعهدات.

"معركة وجود"

يرى الإعلامي الفلسطيني نظام المهداوي أن اعتذار المؤسسة السياسية الإيرانية عن الهجمات التي يشنها الحرس الثوري على دول الجوار، مع استمرار العمليات العسكرية الميدانية، يرتبط بطبيعة التركيبة التي نشأ عليها الحرس الثوري داخل النظام الإيراني.

وكتب المهداوي في تدوينة على منصة "إكس" في 3 مارس أن تفسير هذا التباين بين الخطاب السياسي والأداء العسكري يقتضي فهم الدور الذي يؤديه الحرس الثوري داخل بنية الدولة الإيرانية.

وأوضح أن الحرس الثوري قوة عسكرية شبه مستقلة نسبيا عن المؤسسة الحكومية المدنية؛ إذ لا يخضع مباشرة للجيش النظامي، بل يرتبط تنظيميا وفكريا بالمرشد الأعلى الذي يمثل وفق النظرية السياسية الإيرانية مرجعية دينية وسياسية عليا.

وأشار إلى أن الحرس الثوري تأسس بعد الثورة الإسلامية عام 1979 بهدف حماية النظام الثوري ومنع التدخلات الخارجية وإحباط أي محاولات انقلابية داخلية على السلطة.

ولفت إلى أن ولاء الحرس الثوري يرتبط، في التصور العقائدي الذي يتبناه، بمفهوم الولاية الدينية للمرشد الأعلى بوصفه ولي الفقيه ونائب الإمام الغائب، وهو ما يضفي على الخطاب العسكري للحرس بعدا أيديولوجيا يتجاوز الإطار المؤسسي التقليدي للمؤسسات العسكرية في الدول الحديثة.

وأضاف المهداوي أن الحرس الثوري قد يتعامل مع اغتيال المرشد الأعلى بصفته تهديدا وجوديا للنظام، ما يؤدي إلى تغليب التقديرات العقائدية والأمنية على الحسابات السياسية التقليدية، حتى لو ترتب على ذلك تصعيد قد ينال دولا مجاورة أو يفاقم التوتر الإقليمي.

ويرى أن الحرس الثوري بات يشكل أحد أهم مراكز القوة داخل النظام الإيراني، في ظل تشابك الأبعاد الدينية والعسكرية والسياسية داخل بنية الحكم، مع تصاعد تأثيره في صناعة القرار المتعلق بالحرب والسلم.

وخلص المهداوي إلى أن فهم ما يجري داخل إيران يتطلب إدراك موقع الحرس الثوري داخل المنظومة السياسية؛ لأن تجاهل هذا العامل قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للتطورات الراهنة.

وأعلنت إيران في 1 مارس 2026 مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القيادات الأمنية والعسكرية، بينهم أمين مجلس الدفاع وقائد الحرس الثوري، بعد هجمات جوية أميركية إسرائيلية استهدفت مواقع في طهران.