من تفكيك الانتقالي إلى إعادة هندسة الأمن.. ما الذي تخطط له الرياض في الجنوب؟

يوسف العلي | منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

أثارت قرارات وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان، بتعيين شخصيات على رأس الأجهزة الأمنية في عدن (العاصمة المؤقتة)، جدلًا واسعًا، لا سيما أن بعض الأسماء المعيّنة متهم بالتورط في انتهاكات بحق اليمنيين خلال فترة ولائها لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي السابق عيدروس الزبيدي.

وأثارت هذه التعيينات جملة من التساؤلات، أبرزها: هل تسعى الحكومة إلى تعزيز قبضتها الأمنية بأي ثمن؟ أم أن الإصلاح المؤسسي الحقيقي يقتضي أولًا معالجة إرث الانتهاكات والمضي في مسار عدالة انتقالية واضحة؟ وإلى أي مدى تعكس هذه الخطوة توجهًا نحو توحيد الأجهزة الأمنية، بدلا من تعميق حالة الانقسام؟

تغييرات كبيرة

في قرار صادر بتاريخ 24 فبراير/شباط 2025، أوضح وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان، أن التعيينات الجديدة في الهيكل القيادي لشرطة محافظة عدن تهدف إلى إعادة تنظيم العمل الإداري والأمني وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.

وتضمّن القرار تعيين جلال الربيعي الذي لا يزال يشغل منصب قائد قوات الأمن الوطني (الحزام الأمني سابقًا، التابعة لـالمجلس الانتقالي الجنوبي)، قائدًا لقوات الأمن الخاصة بعدن.

ويُعدّ الربيعي من أبرز القيادات العسكرية التي كانت تدين بالولاء لرئيس المجلس الانتقالي السابق، عيدروس الزبيدي، ويواجه اتهامات حقوقية بالتورط في انتهاكات، بينها القتل والتعذيب وإدارة سجون سرية غير قانونية في عدن.

ووفق ما نشره الإعلام الأمني لوزارة الداخلية، شمل القرار تعيين محمد عبده محمد سالم الصبيحي نائبًا لمدير عام شرطة عدن ومساعدًا لشؤون الأمن، وجمال فضل عبد الكريم القطيبي مساعدًا لمدير عام الشرطة لشؤون الموارد البشرية والمالية.

كما نصّ على تعيين العميد محمد خالد حيدرة التركي مساعدًا لمدير عام شرطة عدن للعمليات، والعميد جلال ناصر زين الربيعي قائدًا لفرع قوات الأمن الخاصة – عدن.

وشمل القرار أيضًا تعيين حسن محسن صالح العمري مديرًا لإدارة البحث الجنائي بشرطة عدن، وفؤاد محمد علي أحمد سعد نائبًا له، في خطوة قالت الوزارة: إنها تهدف إلى تعزيز منظومة التحري ومكافحة الجريمة.

كذلك جرى تعيين مياس حيدرة علي أحمد الجعدني مديرًا لإدارة مكافحة المخدرات بشرطة العاصمة المؤقتة عدن، والعميد سليم صالح علي المحثوثي مديرًا لأمن المنطقة الحرة.

وفي 6 فبراير/شباط 2026، أعلن مجلس القيادة الرئاسي تشكيل حكومة جديدة من 35 وزيرًا برئاسة شائع الزنداني الذي احتفظ بحقيبة وزارة الخارجية والمغتربين، وذلك عقب استقالة الحكومة السابقة برئاسة سالم بن بريك التي لم تكمل سوى ثمانية أشهر.

وجاء ذلك بعد استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، إثر تمدد المجلس الانتقالي فيهما، قبل أن تتدخل السعودية في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، وتقصف سفنا تحمل شحنات عسكرية إماراتية، وتطالب الإمارات العربية المتحدة بمغادرة الأراضي اليمنية.

وكان الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي، قد أعلن في 9 يناير/كانون الثاني حلّ المجلس وهيئاته وأجهزته الرئيسة والفرعية كافة، وإغلاق مكاتبه في الداخل والخارج، مؤكدًا أن القرار يأتي «حرصًا على مستقبل قضية الجنوب، وصونًا للسلم والأمن في الجنوب ودول الجوار».

"استيعاب مؤقت"

وفي تفسيره لخطوة الحكومة اليمنية، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبد الباقي شمسان: إن «تدوير شخصيات كانت محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي يمكن فهمه في سياق السياسات السعودية الأخيرة التي قد تترتب عليها تداعيات سلبية، ما دفع إلى انتهاج سياسة تحسين المناخ المجتمعي بالتوازي مع استيعاب عدد من هذه الشخصيات، بصورة مؤقتة أو دائمة».

وأوضح شمسان لـ«الاستقلال» أن «هذا الاستيعاب يقتضي إحداث تغيير في المزاج العام بالمناطق الجنوبية، عبر تحسين الخدمات والكهرباء والأمن، بما يمتص جانبًا من الرفض الشعبي للسلطة الشرعية، ويمهّد لتقبّل التحولات المرتبطة بالحوار الجنوبي، وحلّ المجلس الانتقالي، وتخفيف الاحتقان، وإضعاف النزعات الانفصالية».

وأضاف أن «السعودية تعمل على ثلاثة مسارات متوازية: الأول تحسين الخدمات ودفع المرتبات وتوفير متطلبات الحياة؛ والثاني تعزيز موقع الحكومة الحالية وتكريس حضورها؛ والثالث إدماج جماعات جنوبية محسوبة على المجلس الانتقالي، بحيث تنخرط في المشروع الجديد أو تبقى مرتبطة بالمشروع السابق».

وبيّن أن العمل يجري على مسارين متوازيين: تجنّب فتح جبهات جديدة مع القيادات المسلحة، وتحييد هذه الشخصيات عسكريًا، بصورة مؤقتة أو دائمة، بما يسهم في امتصاص الغضب الشعبي في الجنوب وخفض الارتباط الجماهيري بالمشروع الانفصالي.

وأكد شمسان أنه رغم تفهّم هذا النهج بوصفه مقاربة براغماتية للتعامل مع الواقع، إلا أن له انعكاسات سلبية محتملة، لا سيما إذا شمل شخصيات لا يمكن استيعابها سياسيًا، وكان الأجدى إخراجها من المشهد أو إحالتها إلى القضاء خلال فترة زمنية معقولة.

وأشار إلى أن «استمرار بعض هذه الشخصيات قد يضعف ثقة الشارع بالسلطة، كما قد يفتح الباب أمام بقائها على صلة بدول إقليمية تشعر بتضرر مصالحها الإستراتيجية، بما يُبقي قنوات تواصل غير معلنة يمكن توظيفها لزعزعة الاستقرار».

وشدّد على أن الإصلاح المؤسسي يتطلب تسريع الإجراءات، وإخضاع جميع التشكيلات لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما يكرّس مبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع إلى جانب ضرورة أن يلمس المواطن وحدة الدولة وتجسّدها في مؤسساتها ووزرائها الذين أقسموا على حماية البلاد.

وخلص إلى أنه «لا ينبغي استيعاب الجميع في هذه المرحلة؛ لأن ذلك قد يعزّز مواقع شخصيات تنخرط مرحليًا في المشروع الجديد، لكنها تبقي على قنوات اتصال خارجية، ما يمنح أطرافًا إقليمية قدرة على تحريك خيوط مؤثرة عبر مسؤولين يشغلون مواقع حساسة ويمتلكون معلومات مهمة».

"إفلات من العقاب"

على وقع هذه التعيينات، أدانت منظمات حقوقية محلية ودولية قرار وزير الداخلية بتعيين شخصيات متهمة بارتكاب جرائم تعذيب وإخفاء قسري في مناصب جديدة بالعاصمة المؤقتة عدن، مقدرة أن الخطوة تمثل إفلاتًا من العقاب، وتوجّه رسالة سلبية إلى ذوي الضحايا.

وقالت منظمة صحفيات بلا قيود، في بيان صدر في 27 فبراير/شباط: إن تعيين أي مسؤول تحوم حوله شبهات جدية بارتكاب انتهاكات خطيرة، من دون تحقيق مستقل ومحايد وفعّال، لا يعد مجرد إخفاق إداري، بل قد يرقى إلى إخلال جسيم بالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ورأت المنظمة أن ذلك يشكل انتهاكًا لالتزامات الدولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، اللذين يفرضان واجب التحقيق والمساءلة وضمان عدم الإفلات من العقاب بأشكاله كافة.

وأعربت عن قلقها البالغ إزاء استمرار إعادة تدوير قيادات وتشكيلات أمنية ارتبط اسمها بارتكاب انتهاكات جسيمة في عدن، عبر تغيير المسميات أو إعادة التعيين، من دون إخضاعها لتحقيقات قضائية مستقلة وشفافة أو تدقيق حقوقي فعّال، رغم خطورة الادعاءات وما قد تنطوي عليه من جرائم جسيمة وفق المعايير الدولية.

وفي السياق ذاته، حذّرت منظمة سام للحقوق والحريات، في بيان صدر في 25 فبراير/شباط، من خطورة تعيين القيادي السابق في قوات الحزام الأمني، جلال الربيعي، قائدًا لقطاع القوات الخاصة في عدن.

ورأت المنظمة أن القرار يمثل انتكاسة لجهود المساءلة، ويكشف عن تجاهل حكومي مقلق لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، لا سيما في ظل السجل المرتبط ببعض التشكيلات الأمنية المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.

وأوضحت أن ترقية شخصيات تحوم حولها شبهات بالتورط في جرائم «الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب» داخل مراكز احتجاز غير رسمية، تُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الضحايا، وتقويضًا لسيادة القانون.

وشددت «سام» على ضرورة إخضاع أي مرشح لمناصب أمنية رفيعة لتحقيق مستقل وشفاف يضمن إنصاف الضحايا ويكرّس مبدأ خضوع الجميع للقانون بعيدًا عن الولاءات السياسية.

وأكدت أن سياسة إعادة تدوير القيادات الأمنية المتهمة بانتهاكات تقوّض الثقة بمؤسسات الدولة ومجلس القيادة الرئاسي، وتبعث برسائل سلبية لذوي الضحايا في عدن، المدينة التي لا تزال ملفات الانتهاكات فيها عالقة ومغيّبة عن مسارات العدالة.