تقاطعات أيديولوجية.. ما أهداف "التحالف السداسي" الإسرائيلي-الهندي؟

"المبادرات التي بدأت بضجيج سياسي انتهت بصمت إستراتيجي"
وسط التحولات العاصفة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، طُرحت فكرة ما سُمِّي بـ"التحالف السداسي" من طرف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في سياق محاولات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وموازين القوى في المنطقة.
وجاء الإعلان عن هذه المبادرة بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في 24 فبراير/ شباط 2026، وهي زيارة حظيت باحتفاء غير مسبوق داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، وهو ما عكس حجم رهان الاحتلال على الهند في هذه المرحلة الحساسة.
و"التحالف السداسي" حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية لم يسمها نتنياهو.

مواجهة العزلة
ونشر معهد "التفكير الإستراتيجي" التركي مقالا للكاتب سنان تافوكتشو، أشار فيه إلى أنه منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة، "وجدت إسرائيل نفسها في وضع دولي غير مريح".
وأوضح أن “الدعم الغربي الذي بدا صلبا في الأيام الأولى للحرب بدأ يتآكل تدريجيا تحت ضغط الرأي العام العالمي، خاصة في أوروبا”.
واستطرد: “كما نجد دولا كبرى مثل روسيا والصين، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن، قد تموضعتا سياسيا في صف الاعتراف بالدولة الفلسطينية”.
وأشار الكاتب التركي إلى أنه “مع اتساع رقعة الانتقادات الحقوقية والقانونية، وفتح ملفات في المحاكم الدولية تتعلق باتهامات الإبادة الجماعية، تعززت صورة إسرائيل كدولة تواجه عزلة متزايدة”.
وتابع: “فحتى الولايات المتحدة، وهي الحليف الإستراتيجي الأكثر أهمية لدولة الاحتلال، لم تعد تمنح دعما مطلقا بلا شروط”،
وذكر تافوكتشو أن “تباينات الرؤى حول مسار الحرب وخطط التسوية ومستقبل الضفة الغربية قد أظهرت أن العلاقة تمر بمرحلة إعادة تقييم، خاصة مع تصاعد الأصوات داخل المجتمع الأميركي المنتقدة للسياسات الإسرائيلية”.
وفي هذا المناخ، يمكن فهم مبادرة "التحالف السداسي" بوصفها محاولة لإعادة كسر الطوق الدبلوماسي، وإعادة تموضع إسرائيل ضمن محور جديد يمنحها عمقا سياسيا وإستراتيجيا.
واستدرك الكاتب: "إن وصف نتنياهو للهند بأنها (قوة عالمية) لم يكن تعبيرا بروتوكوليا، بقدر ما كان رسالة سياسية متعددة الأبعاد".
وأوضح أن “الهند تمثل اليوم واحدة من أسرع الاقتصادات نموا، وتتمتع بثقل ديمغرافي ضخم يتجاوز 1.4 مليار نسمة، كما تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي من خلال مشاريع اقتصادية كبرى ومبادرات ربط إقليمي”.
"عقيدة الأطراف"
لذلك فإن “إسرائيل تدرك أن الهند، في ظل قيادة ناريندرا مودي، ابتعدت عن سياسات التوازن التقليدية التي اتسمت بها سياستها الخارجية لعقود، واقتربت أكثر من إسرائيل أمنيا وعسكريا” يقول تافوكتشو.
وأضاف أن “التعاون في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات قد شكّل قاعدة صلبة لهذا التقارب”.
واستطرد: “غير أن البعد الأيديولوجي لا يقل أهمية عن البعد الإستراتيجي، فحكومة مودي تتبنى خطابا قوميّا هندوسيا متشددا، يُتهم بإقصاء المسلمين داخليا، وهو ما يلتقي مع الخطاب اليميني الإسرائيلي الذي يصوغ الصراع في إطار حضاري وديني”.
واستنتج تافوكتشو أنه “من هنا، يبدو أن التحالف المقترح لا يقوم فقط على المصالح، بل على تقاطعات أيديولوجية عميقة”.
وأشار إلى أن “التحالف الذي تحدث عنه نتنياهو يضم وفق التصريحات الهند وبعض الدول العربية والإفريقية، إضافة إلى اليونان وإدارة جنوب قبرص الرومية”.
وقال الكاتب: إن “هذا التشكيل يدلّ على أن هناك سعيا إلى مسائل عدّة؛ أوّلها، إعادة هندسة التوازنات الإقليمية في شرق المتوسط والشرق الأوسط”.
ثانيا، احتواء المحاور المنافسة التي تصفها إسرائيل بـ"الراديكالية"، سواء الشيعية أو السنية.
ثالثا، تعزيز مشاريع الطاقة والممرات الاقتصادية التي تتجاوز خصوم إسرائيل الإقليميين.
وذكر الكاتب أنه عندما ننظر إلى تجارب إسرائيل السابقة في بناء التحالفات "تُطرح تساؤلات جدية حول فرص نجاح هذا المشروع".
فمنذ احتلالها لفلسطين عام 1948، اعتمدت إسرائيل على إستراتيجيات تحالف متعددة، من "عقيدة الأطراف" في خمسينيات القرن الماضي، إلى اتفاقيات السلام الثنائية، وصولا إلى اتفاقيات أبراهام ومشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي.
غير أن معظم هذه المبادرات إما تآكلت بمرور الوقت أو تعثرت بفعل التحولات السياسية والأمنية.
فالمشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل خطوط نقل الغاز أو الممرات التجارية، اصطدمت بتقديرات جيوسياسية معقدة.
والتحالفات الأمنية الإقليمية غالبا ما افتقرت إلى الثقة المتبادلة بين أطرافها.
أما الاتفاقيات السياسية، فبقيت هشة أمام تقلبات الرأي العام وتغيّر أولويات الحكومات، بحسب توضيحات تافوكتشو.

تحديات متراكمة
وفي ضوء هذا التاريخ، يبرز سؤال منطقي: هل يختلف "التحالف السداسي" عن سابقيه، أم أنه امتداد لمحاولات تبحث عن اختراق في بيئة إقليمية شديدة السيولة؟.
وقال الكاتب: “من زاوية المصالح الهندية، فإن الانخراط العميق في تحالف يُنظر إليه على أنه موجَّه ضد العالم الإسلامي قد يحمل مخاطر إستراتيجية”.
وأوضح أن “الهند ترتبط بعلاقات تجارية واسعة مع دول الخليج، ويعمل ملايين الهنود في هذه الدول، وتشكل تحويلاتهم المالية ركيزة مهمة للاقتصاد الهندي”.
كما أن مشاريع الربط الكبرى التي تطمح إليها نيودلهي، سواء عبر إيران (الممر الدولي شمال-جنوب) أو عبر الخليج نحو أوروبا، تعتمد على بيئة إقليمية مستقرة وعلاقات متوازنة، والانحياز الحاد إلى محور أيديولوجي قد يعقّد هذه الحسابات.
إضافة إلى ذلك، فإن التنافس الهندي-الباكستاني يظل عاملا حساسا في أي معادلة إقليمية، وأي اصطفاف تجاه جهة معينة قد يعيد خلط الأوراق في جنوب آسيا.
ولفت الكاتب التركي النظر إلى أنه لا يمكن فصل توقيت طرح "التحالف السداسي" عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، فنتنياهو يواجه تحديات سياسية وقضائية متراكمة، ويحتاج إلى رواية نجاح ليعرضها على ناخبيه.
وأشار إلى أن “تسويق تحالف دولي جديد يمكنه أن يمنح إسرائيل شركاء كبارا قد يشكل مادة دعائية مهمة قبيل أي استحقاق انتخابي، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التحالفات التي تُبنى بدوافع داخلية قصيرة الأمد قد لا تصمد أمام تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي”.
وأضاف تافوكتشو أن “التحالف السداسي يبدو محاولة إسرائيلية لإعادة كسر العزلة، وإعادة تشكيل بيئة إستراتيجية أكثر ملاءمة في مرحلة ما بعد الحرب على غزة”.
واستدرك: “غير أن نجاح أي تحالف لا يعتمد فقط على تقاطع المصالح الآنية أو الخطاب الأيديولوجي المشترك، بل على بنية إقليمية مستقرة، وثقة متبادلة، ورؤية بعيدة المدى”.
وختم تافوكتشو مقاله بالقول إنه “في ظل التغيرات المتسارعة في موازين القوى، وتعدد المحاور، وتعقّد المصالح الاقتصادية، يبقى مستقبل هذا التحالف مرهونا بقدرة أطرافه على تحويل الشعارات إلى التزامات عملية قابلة للاستمرار”.
وتابع: “أما إذا ظل مجرد أداة في صراع سرديات داخلية أو رهانات أيديولوجية، فربما ينضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي بدأت بضجيج سياسي وانتهت بصمت إستراتيجي”.


















