إلغاء 71 رخصة تعدين ومراجعة عقود الطاقة.. هل تواجه السنغال الاستغلال الأجنبي؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تواصل الحكومة السنغالية الوفاء بوعودها الانتخابية تجاه المواطنين، ومن ذلك ما تعلّق بمراجعة عقود الاستثمار الأجنبي، لما فيها من استغلال لثروات الوطن وهدر لموارده.

وفي هذا الصدد، أعلنت حكومة عثمان سونكو عن إلغاء 71 رخصة تعدين وتجميد الحسابات المصرفية لشركة الصناعات الكيميائية السنغالية، في خطوة تأتي ضمن مراجعة واسعة للعقود الموقعة مع الشركات الأجنبية المستغلة للموارد الطبيعية في البلاد.

"ظلم فادح"

وأوضح سونكو، في ندوة صحفية بالمناسبة، عقدها في 12 مارس/آذار 2026، أن هذه الإجراءات تأتي بعد نحو عامين من تولّي الحكومة الحالية السلطة وتعهدها بإعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع الشركات متعددة الجنسيات.

وأكد أن الدولة تعرّضت لما وصفه بـ"ظلم فادح" في عدد من هذه العقود.

وأشار سونكو إلى أن قضية شركة الصناعات الكيميائية السنغالية تُعد من أبرز الملفات التي كشفتها المراجعة الحكومية، موضحا أن الشركة التي تُعد من أقدم المؤسسات العاملة في إنتاج أسمدة الفوسفات في إفريقيا جنوب الصحراء، خالفت عددا من الالتزامات المالية والضريبية.

وتسيطر مجموعة إندوراما الإندونيسية للصناعات الكيميائية على الشركة منذ عام 2014، وقدّرت الحكومة السنغالية أن البلاد خسرت منذ ذلك العام ما يقارب 1.075 تريليون فرنك إفريقي، أي ما يزيد قليلا على 1.5 مليار يورو، نتيجة ضرائب ورسوم غير مدفوعة وإعفاءات ضريبية عدتها السلطات الجديدة غير قانونية.

وطالبت الدولة مالكي الشركة بسداد نحو 381 مليون يورو، فيما أعلنت الحكومة في 12 مارس تجميد حسابات شركة "إندوراما" إلى حين دفع 250 مليار فرنك إفريقي من الرسوم المستحقة للدولة.

كما قررت الحكومة عدم تجديد ثلاثة امتيازات تعدين كانت ممنوحة لشركة الصناعات الكيميائية السنغالية، في إطار خطة تهدف إلى استحواذ الدولة على جميع أصول الشركة؛ تمهيدا لاستخدامها مستقبلا في إنتاج الأسمدة محليا.

وفي السياق ذاته، ألغت السلطات 71 رخصة تعدين، بينها 14 رخصة لاستخراج الذهب، بعد ثبوت عدم التزام الشركات الحاصلة عليها ببنود العقود الموقعة مع الدولة.

وفي ختام تصريحاته، أشار رئيس الوزراء إلى استمرار المفاوضات مع شركة بي بي البريطانية، المشغلة لحقل الغاز البحري حقل غراند تورتو المشترك مع موريتانيا، لمراجعة عقد وصفته الحكومة بأنه "غير عادل".

التزام انتخابي

أكد موقع "ساحل تريبين" من خلال تحليل في 13 مارس 2026، أن هذه الإجراءات تُعد جزءا من مشروع أوسع أطلقته السلطات الجديدة منذ توليها السلطة، وهو التدقيق المنهجي لعقود التعدين والنفط والغاز الموقعة في السنوات الأخيرة.

وخلال الحملة الانتخابية، ندَّد معسكر سونكو بالاتفاقيات التي عُدّت غير متوازنة وغير مواتية لمصالح السنغال، ووعد بإعادة التفاوض عليها إذا لزم الأمر.

ومن خلال هذه القرارات الأولية، يردف المصدر ذاته، تعتزم الحكومة السنغالية التأكيد على أن الموارد الطبيعية "يجب أن تفيد الاقتصاد الوطني بشكل أكبر الآن".

وبالنسبة للحكومة، لا يقتصر الأمر على استرداد الإيرادات الضريبية المفقودة فحسب، بل يتعلق أيضا بإعادة تعريف نموذج إدارة قطاع الاستخراج في بلد على وشك أن يصبح واحدا من منتجي النفط والغاز الجدد في غرب إفريقيا.

وخَلُصَت إلى أن الإشكال المتبقي يتعلق بمعرفة المدى الذي سيصل إليه هذا الموقف مع الشركات متعددة الجنسيات، في سياق تسعى فيه السنغال إلى التوفيق بين السيادة الاقتصادية وجاذبية المستثمرين الأجانب.

أما موقع "كلاس إكسبور" الفرنسي فوصف في تحليل له هذه القرارات بالتطورات الدراماتيكية، وشدَّد على أن ما جرى لم يكن يتوقع أحد حدوثه.

وأشار الموقع في 16 مارس 2026 إلى أن القرار وإن كان من الوعود الانتخابية للحزب الحاكم، إلا أن الطعن في العقود القائمة يعد من الأمور الإشكالية، سواء من الناحية القانونية أو فيما يتعلق بسمعة البلاد الدولية.

وينقل المصدر أن سونكو، يعتقد أنه وجد الأساس القانوني لفسخ هذه العقود بحجة أنها مجحفة، وقد وعد بنشر تقرير مفصل يحللها.

وذكر أن ما يجري يمثل منعطفا جديدا في إعادة التفاوض على عقد شركة بريتيش بتروليوم، والذي تعثر لعدة أشهر، في الوقت الذي تأمل الحكومة، من خلال ممارسة ضغط قوي لإعادة التفاوض مع بريتيش بتروليوم، في الحصول على عوائد محسّنة.

ومن خلفيات القرار السنغالي أيضا، يتابع الموقع، أن الحكومة تتعرض لضغوط كبيرة وتسعى إلى خفض عجزها وديونها، ولذلك بدأت جهودها لتحصيل الإيرادات الضريبية.

ويرى الموقع الفرنسي أنه وبغضّ النظر عن الإعلان الأولي بشأن مراجعة هذه العقود، فإن هذا يمثل "بداية معركة قانونية كبيرة، في سياق لا يُتوقع فيه وجود فائز". وفق تعبيرها.

الأهداف الكبرى

بشكل عام، تعكس هذه الإجراءات رغبة متزايدة لدى دول غرب إفريقيا في تأكيد سيادتها على مواردها الطبيعية، وذلك نظرا لأهميتها الاقتصادية.

هذا ما أكَّد عليه موقع "أجونس إي كوفين" عبر تحليل في 16 مارس 2026، مردفا؛ حيث يتزايد التركيز على إعادة التفاوض بشأن بنود عقود امتياز التعدين (كما هو الحال في مالي)، أو حتى على تأميم الامتيازات المعنية، كما هو الحال في النيجر مع شركة سومير.

واسترسل، في كل سيناريو، تهدف الإجراءات إلى الحفاظ على المصالح الاقتصادية الوطنية، وبالتالي تعزيز شراكات عادلة لجميع الأطراف.

وشدَّد الموقع على أن هذا النهج يكتسب أهمية خاصة في سياق تسعى فيه السنغال إلى حشد المزيد من الإيرادات لدعم اقتصاد مثقل بدين عام حقيقي قد يصل إلى 132 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفقا لصندوق النقد الدولي.

تجدر الإشارة إلى أن الصناعات الاستخراجية (التعدين، واستخراج المحاجر، والهيدروكربونات) وحدها شكلت 31.89 بالمئة من صادرات السنغال و4.7 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2023. وفقا لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.

وما يزال يتعين تقييم أثر هذه الإعلانات على القطاع خلال الأشهر المقبلة، في حين تعمل السلطات في الوقت نفسه على إعداد قانون تعدين جديد ليحل محل القانون الساري منذ عام 2016.

وذكر الموقع أن التجربة الغينية تُجسد على وجه الخصوص التحديات القائمة بخصوص هذا التوجه؛ حيث أدى إلغاء تراخيص التعدين على سبيل المثال، إلى دفع شركة "أكسيس مينيرالز" الإماراتية لرفع دعوى تحكيم ضد الدولة، مطالبة بتعويضات قدرها 28.9 مليار دولار.

وفي السنغال، توجد عدة شركات أجنبية في قطاع التعدين، بما في ذلك شركة إيراميت الفرنسية، بالإضافة إلى مجموعات تعدين الذهب إنديفور ماينينغ، وريزولوت ماينينغ، وفورتونا ماينينغ وغيرها.

قراءة سياسية

الكاتب الصحفي والمختص في العلاقات الدولية، السنغالي اليوني ندياي، قال: إن “القرار الاقتصادي الجديد للحكومة يأتي بالتزامن مع قرار آخر يتعلق بتشديد العقوبات على جرائم المثلية، الأمر الذي يشير إلى الخلفيات السيادية في هذا التوجه”.

وشدَّد ندياي لـ"الاستقلال" على أن "11 مارس سيسجل في التاريخ بصفته الأسبوع الذي أعادت فيه السنغال تعريف حدودها الأخلاقية والاقتصادية في آن واحد".

واسترسل: “هذان الإجراءان، يشكلان معا رسالة واضحة بقدر ما هي معقدة: لقد قررت هذه الدولة أن تحكم نفسها بالكامل. ويبقى السؤال مطروحا: هل هذه موجة من الكرامة أم مقامرة يائسة؟”

ويجيب ندياي بقوله: إن "الأرقام صادمة؛ حيث تم إلغاء 71 رخصة تعدين، من بينها 14 رخصة ذهب، ويجري سحب 313 رخصة تعدين إضافية بسبب الإخلال بالعقد والمضاربة - حيث يحصل المشغلون على هذه الرخص فقط لإعادة بيعها للأجانب دون استغلال الأرض".

وأردف بأنه تم تجميد حسابات شركة "صناعات الكيماويات في السنغال"، التابعة لمجموعة "إندوراما" السنغافورية، حتى تدفع الدولة 380 مليون يورو.

وتابع المتحدث ذاته، كما يُعتبر مشروع "غراند تورتو أحميم" للغاز التابع لشركة "بي بي" بأنه "غير متوازن وغير مواتٍ" للسنغال؛ ويجري حاليا التدقيق فيه.

وأشار ندياي إلى أنّ الدولة استعادت حقل "ياكار-تيرانغا"، المملوك لشركة "كوزموس إنرجي" الأميركية، دون إنفاق فرنك واحد، وفقا لتصريح سونكو نفسه.

وفي الوقت نفسه، تُقدر الخسائر بأكثر من 1.075 تريليون فرنك إفريقي في جميع العقود قيد المراجعة، ناهيك عن متوسط ​​مبالغة في الفواتير بنسبة 15 بالمئة على مشاريع البنية التحتية.

وعليه، يؤكد المختص في الشأن السنغالي والعلاقات الدولية أنه “يجب مواجهة هذه الأرقام بصدق؛ لأنها ليست أكاذيب شعبوية، بل تتوافق هذا مع ما وثّقه الاقتصاديون والخبراء القانونيون ومنظمات المجتمع المدني لسنوات”.

ونبَّه ندياي إلى أن السنغال ليست حالة معزولة في هذا السياق، لكنها ببساطة أول دولة في المنطقة تستجيب بإجراءات إدارية ملموسة بدلا من مجرد تصريحات نوايا، مشددا على أن الشركات متعددة الجنسيات استوعب الرسالة.

وذكر أن القرارات الجديدة ستفضي إلى استعادة السيطرة على الموارد الطبيعية والحفاظ على الظروف اللازمة لاستغلالها في آن واحد، لكن هذا يتطلب أن ينتج عن إعادة التفاوض إبرام عقود أكثر عدلا، لا إلى ثغرات قانونية سيسارع المستغلون الجدد، هذه المرة محليون، إلى استغلالها. 

ويرى ندياي أن ما يجري يؤكد أن السنغال في عهد باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو تشهد قطيعة حقيقية مع أربعين عاما من الحكم المتراخي في مرحلة ما بعد الاستعمار.

والسؤال الحقيقي وفق الكاتب الصحفي، هو إن كانت السنغال ستُحول، خلال عشر سنوات، ملياراتها من احتياطيات الغاز والفوسفات إلى طرق ومدارس ومستشفيات؟ أم أن مواطنيها سيصبحون ببساطة أكثر فقرا، وأكثر خضوعا للمراقبة، وأقل حرية..؟

وخلص إلى أن سيادة الدول لا تُقاس بشدة وصرامة قوانينها، بل بجودة حياة مواطنيها الأكثر ضعفا، وعلى أساس هذا المعيار، ما يزال الحكم على الحكومة السنغالية معلقا إلى حين. يقول ندياي.