مع صعود إقليم أرض الصومال.. هل تفقد جيبوتي أهميتها بالقرن الإفريقي؟

"عند ملتقى البحر الأحمر والقرن الإفريقي وإثيوبيا، يُمكن لدولة صغيرة هشة أن تُحدث آثارا تتجاوز حجمها بكثير"
تبدو جيبوتي دولة مستقرة، غير أن هذا الاستقرار يعتمد على توازن دقيق بين القواعد الأجنبية على أراضيها والعائدات اللوجستية والديون والضغوط الإقليمية، هذا ما خلص إليه معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI).
وقال المعهد، في تقرير له: "عند ملتقى البحر الأحمر والقرن الإفريقي وإثيوبيا، يُمكن لدولة صغيرة هشة أن تُحدث آثارا تتجاوز حجمها بكثير".

عقدة عالمية
وأضاف: "لفهم سبب أهمية ملف جيبوتي اليوم، لا بدّ من البدء بجغرافيتها؛ إذ تحتل هذه الدولة الصغيرة في القرن الإفريقي إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام البحري العالمي".
وتقع جيبوتي في المنطقة المطلة على باب المندب، وهي نقطة التقاء خليج عدن بالبحر الأحمر، وبالتالي بشبكة الملاحة بين البحر الأحمر مرورا بقناة السويس والبحر المتوسط.
وتمثل هذه المنطقة جزءا كبيرا من تدفقات الطاقة والتجارة بين آسيا والخليج وأوروبا وشرق إفريقيا. ولهذا السبب، لا تكمن أهمية جيبوتي في حجمها، بل في وظيفتها، فهي إقليم صغير يُسيطر بشكل غير مباشر على مساحة شاسعة، وفق المعهد.
وتحتفظ الولايات المتحدة بأهم قاعدة دائمة لها في القارة الإفريقية في معسكر ليمونير؛ وتستخدم الصين جيبوتي كأول قاعدة عسكرية خارجية دائمة لها؛ أما إيطاليا، من خلال قاعدة "أميديو جولييت"، فتعزز موقعها الإستراتيجي في منطقة البحر الأبيض المتوسط الكبرى وشرق إفريقيا.
وقد بُني النظام السياسي في جيبوتي حول فترة حكم إسماعيل عمر جيله الذي يشغل رئاسة البلاد منذ عام 1999. وألغى التعديل الدستوري في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة، مما أتاح فعليا عودته للانتخابات في أبريل/نيسان 2026. وفي أوائل مارس/آذار، أعلن رسميا عن ترشحه.
ويرى المعهد أن المشكلة ليست مجرد طول مدة الحكم، بل في أن استمرار النظام أصبح تدريجيا يعتمد على القيادة الفردية بدلا من وجود آليات مؤسسية واضحة لانتقال السلطة.
وبحسب تقييم المعهد، فإن الخلل في الوضع الراهن ينبثق من حقيقة أن الركائز التي دعمت جيبوتي على مدى العشرين عاما الماضية لا تزال قائمة، لكنها لم تعد بمنأى عن التحديات.
الركيزة الأولى هي عائدات الخدمات اللوجستية من إثيوبيا؛ إذ لا يزال البنك الدولي يصف ممر أديس أبابا-جيبوتي بأنه القناة التي يمر عبرها ما يقارب 95 بالمئة من حركة النقل التجاري الإثيوبية، وفي أواخر فبراير/شباط 2026، ناقشت أديس أبابا وجيبوتي تعزيز التعاون بشأن ميناء دوراليه.
ومع ذلك، يحذر صندوق النقد الدولي نفسه من أن المنافسة المتزايدة من الموانئ المجاورة تُعد الآن من بين المخاطر الخارجية الكبيرة التي تواجه جيبوتي. وهذا يعني -وفق التقرير- أن مركزية جيبوتي لم تُستبدل، بل دخلت مرحلة من التحدي التدريجي والمنافسة المتزايدة.
وأضاف: "تتمثل الركيزة الثانية في موقع جيبوتي كحلقة وصل داخل القرن الإفريقي. فلسنوات طويلة استفادت البلاد من حقيقة أن إثيوبيا، المحرومة من منفذ بحري، لم تكن تمتلك بدائل حقيقية لها".
غير أن الاتفاق الذي وقع في 1 يناير/كانون الثاني 2024 بين إثيوبيا و"أرض الصومال" للحصول على منفذ إلى ميناء على البحر الأحمر كسر هذا الاحتكار النفسي والإستراتيجي، حتى وإن لم يقض بعد على جوهره الاقتصادي.
وفي وقت لاحق، أعاد إعلان أنقرة الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2024، بوساطة تركية، هذا الملف شكليا إلى إطار مبدأ السيادة الصومالية، من دون أن يلغي في المقابل رغبة إثيوبيا في تنويع منافذها البحرية.
وبعبارة أخرى، لا تكمن المشكلة بالنسبة لجيبوتي في فقدان دورها بصورة فورية، بل في نشوء سياق جديد تستطيع فيه إثيوبيا استخدام البحث عن منافذ بديلة كأداة تفاوض دائمة، وفق التقرير.
أما الركيزة الثالثة فتتمثل في البعد الاقتصادي والمالي؛ فقد أفرز النموذج الجيبوتي نموا اقتصاديا ملحوظا، خاصة بفضل الموانئ وقطاع النقل والاتصالات والخدمات المرتبطة بما يوفره الموقع الجغرافي من عوائد.
وقد أكد صندوق النقد الدولي في عام 2025 تسجيل نمو قوي يتراوح بين بين 6 و6.5 بالمئة بحلول عام 2025، مدفوعا أيضا بالطلب الإثيوبي ونشاط إعادة الشحن في الموانئ.
لكن الصندوق نفسه، إلى جانب البنك الدولي، لا يزال يعتبر الدين الجيبوتي مشكلة جوهرية. فالصيغة المستخدمة في الوثائق الرسمية واضحة؛ إذ يوصف إجمالي الدين، خاصة الخارجي، بأنه "متعثر" و"غير قابل للاستدامة".
هذه التفاصيل بالغة الأهمية -وفق المعهد الإيطالي- فهي تعني أن جيبوتي تنمو، لكن نموها قائم على أساس لم يُعالج بعدُ مشكلات الاستدامة المالية والقدرة على تحويل البنية التحتية إلى استقلال إستراتيجي.

تنافس محموم
وأضاف المعهد أن "الحضور الصيني يندرج ضمن هذا الإطار، لكنه لا ينبغي قراءته بصورة تبسيطية. فبكين لا تقتصر على كونها مستثمرا في البنية التحتية، بل تحضر أيضا بوصفها فاعلا عسكريا مستقرا".
ويواصل تقرير عام 2025 الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية وصف جيبوتي بأنها مقر أول قاعدة عسكرية صينية خارج البلاد، تُستخدم للدعم اللوجستي والحضور البحري والانتشار الإقليمي.
ويخلق ذلك وضعا خاصا؛ إذ تسهم الصين في البنية الاقتصادية للبلاد، لكنها في الوقت نفسه تشارك في البعد العسكري الإستراتيجي.
وبالنسبة لجيبوتي يمثل هذا الأمر مكسبا على المدى القصير والمتوسط؛ لأنه يزيد من قيمة موقعها الجغرافي. أما على المدى البعيد فقد يتحول إلى قيد، إذا تحولت المنافسة بين واشنطن وبكين إلى ضغوط متزايدة للسيطرة التشغيلية على البنية التحتية ومسارات الملاحة، وفق المعهد.
وأوضح المعهد أن المشهد يزداد تعقيدا مع البعد البشري؛ حيث تشكل جيبوتي جزءا من المسار الشرقي للهجرة، أي الطريق الذي يربط أساسا بين إثيوبيا والصومال وجيبوتي واليمن.
وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أنه جرى تسجيل 31,937 حركة هجرة في نقاط الرصد بالبلاد في ديسمبر/كانون الأول 2025، بينما تؤكد تقارير إقليمية أخرى ارتفاع الحركة على طول هذا المسار خلال عام 2025.
وتكتسب هذه المسألة أهمية جيوسياسية لأنها تضفي على جيبوتي وظيفة ثلاثية: حماية البنية التحتية، وضمان الأمن، والتعامل مع تدفقات بشرية في بيئة إقليمية غير مستقرة. وعندما يتقاطع أمن الممرات مع حركة البشر، يزداد الضغط على الدولة حتى من دون وجود حرب معلنة على أراضيها.
أخيرا يبرز العامل البحري الأوسع؛ فقد أعادت أزمة البحر الأحمر، وخلال الأسابيع الأخيرة الاضطراب الجديد في أسواق الطاقة ومسارات الملاحة المرتبطة بالشرق الأوسط، إبراز أهمية نقاط الاختناق البحرية.
وقد وثقت تقارير إعلامية في مارس/آذار 2026 فرض رسوم طارئة إضافية وإعادة النظر في بعض خطوط الملاحة المتجهة إلى البحر الأحمر وشرق إفريقيا.

ضغط إستراتيجي
وبحسب التقرير، لا يعني ذلك أن جيبوتي تتجه تلقائيا نحو أزمة، لكنه يشير إلى أن المكاسب الجيوسياسية التي توفرها لها موقعها أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر ببيئة بحرية شديدة التقلب.
فكلما ازدادت هشاشة منظومة باب المندب–البحر الأحمر، تعاظمت أهمية جيبوتي سياسيا؛ لكن هذه الأهمية قد ترافقها أيضا تكاليف لوجستية وتأمينية وعسكرية أعلى، وفق تأكيد المعهد.
وقال: "الأرجح أن جيبوتي لا تتجه نحو أزمة مفاجئة، بل نحو ضغط إستراتيجي تدريجي. فتركز السلطة في يد شخص واحد يضمن إدارة البلاد حاليا، لكنه يجعل مستقبل نقل السلطة غير واضح. كما أن الاعتماد على إثيوبيا يضمن استمرار حركة التجارة والإيرادات، لكنه لم يعد حصريا كما كان في السابق".
"أما وجود القوى الخارجية، فيوفر الحماية والدخل والأهمية، لكنه يحول جيبوتي إلى مساحة مزدحمة بالمصالح المتعددة. والنمو مستمر، لكنه يصاحبه مستوى من الديون يحد من هامش المناورة".

















