"إعلان وفاة فتوى خامنئي".. ماذا لو انسحبت إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة، صدرت أربع تصريحات إيرانية تؤكد أن طهران تدرس إمكانية الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. مؤكدة في الوقت ذاته أن الجمهورية الإسلامية لم ولن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية.

وقد صدرت هذه التصريحات عن وكالة "تسنيم" الإيرانية الرسمية، والمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، وأعضاء في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بمن فيهم المتحدث باسم اللجنة وعضو آخر فيها، وجميعها تؤكد أن مسألة الانسحاب ما زالت قيد الدراسة؛ لأن المعاهدة، بحسبهم، لم تفد إيران ولم توفر لها الحماية.

وتكمن خطورة هذه التصريحات في كونها تأتي في وقت تتعرض فيه إيران لحرب مفتوحة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، تشمل تدمير منشآتها النووية وبرامجها، إضافةً إلى بحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تنفيذ عملية عسكرية برية تهدف إلى الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المُخصب.

كما تأتي هذه التصريحات في وقتٍ تبدي فيه مراكز الأبحاث الغربية مخاوفها من أن يدفع العدوان المتواصل على إيران النظامَ هناك للتفكير جديًّا في امتلاك قنبلة نووية للرد، والتخلي عن فتوى المرشد الإيراني- الذي قُتل في الغارات الإسرائيلية الأميركية- بتحريم السلاح النووي، بعدّ أن الفتوى قد سقطت بوفاته.

بماذا هددوا؟

في 27 مارس/آذار 2026، قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علي رضائي، إن "استمرار عضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) لم يعد له معنى". مشيرًا إلى أن "الوقت قد حان للانسحاب منها".

وفي اليوم التالي، 28 مارس/آذار 2026، أفادت وكالة "تسنيم" الإيرانية بأن مؤسسات الدولة تدرس بجدية مسألة الانسحاب من المعاهدة، ردًا على الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، وكذلك على مواقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأوضحت الوكالة أن "عددًا من الجهات المعنية، من بينها البرلمان، يدرسون هذا الملف بشكل عاجل". مشيرة إلى "تبلور توجه داخل إيران يرى أنه لم يعد هناك مبرر للاستمرار في المعاهدة".

وفي 30 مارس/آذار 2026، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: إن البرلمان يدرس إمكانية الانسحاب من المعاهدة. مؤكدًا في الوقت ذاته أن طهران "لم ولن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية".

وتساءل بقائي: “ما جدوى الانضمام إلى معاهدة لا تكتفي فيها أطراف متسلطة على المستوى الدولي بحرماننا من حقوقنا، بل تهاجم أيضًا منشآتنا النووية؟” مضيفًا أن إيران ستحترم التزاماتها طالما بقيت عضوًا في المعاهدة.

وفي اليوم ذاته، صرّح عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، بأن استمرار عضوية إيران في المعاهدة، في ظلّ "العدوان الأميركي والإسرائيلي"، لم يعد له معنى، داعيًا إلى الانسحاب منها.

ونقلت قناة "إس إن إن" الإيرانية عن بروجردي قوله: "في ظل الظروف الراهنة، لم يعد هناك أي مبرر لعضوية إيران في المعاهدة، ويبدو أن الرأي السائد بين نواب البرلمان هو أن هذه الأحداث أسقطت جدوى الالتزام بهذه القيود".

ومع ذلك، شدد بروجردي على أن بلاده "لا تسعى إلى تطوير قنبلة ذرية"، لكنه أضاف: "لا يمكننا الالتزام بقواعد اللعبة بينما نتعرض للقصف، وقد حان الوقت للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".

وقبل هذه التصريحات، كانت إيران قد لوّحت بالفعل بالانسحاب من المعاهدة عقب العدوان الأول في يونيو/حزيران 2025، دون أن تُقدم على تنفيذ ذلك.

ففي 16 يونيو/حزيران 2025، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن برلمانيين يعملون على إعداد مشروع قانون قد يدفع طهران نحو الانسحاب من المعاهدة، مع التأكيد على موقفها الرسمي الرافض لتطوير أسلحة نووية. بحسب وكالة "رويترز".

وقال بقائي، ردًا على سؤال خلال مؤتمر صحفي حول احتمال الانسحاب: "في ضوء التطورات الأخيرة، سنتخذ القرار المناسب، لكن هذا المقترح لا يزال قيد الإعداد، وسيجري التنسيق مع البرلمان في مراحله اللاحقة".

وبدأت إيران برنامجها النووي في خمسينيات القرن الماضي خلال عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بدعم من الولايات المتحدة، وفي عام 1958 أصبحت عضوًا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي عام 1968، وقّعت طهران على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وصادقت عليها عام 1970. وبعد الإطاحة بنظام الشاه عام 1979 وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية، توقف تنفيذ البرنامج النووي لفترة.

لكن الجمهورية الإسلامية عادت لاستئناف تطوير التكنولوجيا النووية منذ أواخر الثمانينيات، ومنذ عام 2003 تخضع لفتوى صادرة عن المرشد الأعلى، علي خامنئي، تحظر تطوير الأسلحة النووية.

وتنص المعاهدة على أن توفر الوكالة الدولية للطاقة الذرية الحماية، وتضمن للدول الأعضاء الاستفادة من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.

غير أن طهران ترى أن تصريحات المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، تشجع بشكل غير مباشر على استهداف منشآتها النووية، وتبرر الهجمات التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل دون إدانة واضحة من الوكالة.

وفي هذا السياق، اتهمت الخارجية الإيرانية غروسي بالإدلاء بـ"تصريحات مخربة" عدتها تحريضًا على قصف منشآتها.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي: إن غروسي لم يقم حتى الآن "بأي عمل مفيد" بشأن إيران، بل إن تصريحاته "تزيد من تعقيد الأوضاع".

وأضاف غريب آبادي، في منشور على منصة "إكس"، أن غروسي صرّح بأن "أي حرب لا يمكن أن تدمر القدرات النووية الإيرانية، إلا إذا كانت حربًا نووية". معربًا عن أمله في ألا يحدث ذلك.

وبموجب المادة العاشرة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يحق للدول الأعضاء الانسحاب منها، شريطة توجيه إخطار مسبق قبل ثلاثة أشهر إلى جميع الدول الأطراف وإلى مجلس الأمن الدولي، مع توضيح الأسباب الاستثنائية التي تهدد مصالحها العليا.

ولم تُقدِم على استخدام هذا البند سوى كوريا الشمالية التي أعلنت انسحابها لأول مرة عام 1993، قبل أن تتراجع عنه، ثم عادت ونفذته لاحقًا بعد أزمتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ماذا لو انسحبت إيران؟ 

يرى المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وهو مركز أبحاث بريطاني، أن العدوان على إيران سيكون له عواقب بعيدة المدى، ليس فقط من خلال تشديد موقف طهران وتقليص استعدادها للتفاوض مستقبلًا بشأن برنامجها النووي، بل أيضًا عبر تقويض المصداقية الأوسع لنظام عدم الانتشار النووي عالميًا.

وأوضح المعهد، في تقرير صادر في 25 مارس/آذار 2026، أنه من غير المرجح أن تحقق الحملة الأميركية–الإسرائيلية النتائج المرجوة لإدارة دونالد ترامب.

وأشار إلى أنه في حال انهيار النظام وحدوث حالة من عدم الاستقرار الداخلي، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان السيطرة على المواد النووية الإيرانية، بما يرفع من مخاطر الانتشار النووي.

أما في حال بقاء النظام — وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا — فمن المتوقع أن تنسحب إيران من أي مفاوضات نووية مستقبلية، وأن تستنتج أن امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية يمثل الضمان الوحيد لبقائها.

ويضيف التقرير أن الضغط على دولة أضعف، في وقت تشعر فيه بأن بقاءها مهدد، غالبًا ما يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشددًا بدلًا من ضبط النفس، وهو ما يرجح أن تتبناه الحكومة الإيرانية خلال السنوات المقبلة.

وبحسب رؤية المعهد، قد تستخلص إيران درسين حاسمين من هذه التجربة:
الأول، أن التخلي عن الحق السيادي في تطوير قدرة الردع النووي عبر توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1968 كان خطأً إستراتيجيًا كبيرًا.
والثاني، أن إستراتيجيتها طويلة الأمد تجاه برنامجها النووي لم تحقق ردعًا فعّالًا، ولم تُقنع المجتمع الدولي بالتزامها بعدم تطوير قدرات نووية عسكرية، رغم ما دفعته من كلفة سياسية واقتصادية.

ويرى التقرير أن الأضرار الناجمة عن الهجوم الأخير، الذي جاء في خضم المفاوضات، قد تفوق أي حوافز يمكن أن تدفع طهران إلى التفاوض بحسن نية.

ويشير التقرير الذي أعده الباحث في الشؤون الإستراتيجية سفيان الله، إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن الولايات المتحدة تعاونت مع إسرائيل — وهي دولة غير موقعة على المعاهدة — لتنفيذ ضربات "وقائية مضادة للانتشار" ضد دولة موقعة على المعاهدة ومنخرطة في مفاوضات بشأن برنامجها النووي.

وبناءً على ذلك، يرجح أن تكون الحكومات الإيرانية المستقبلية أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية يشكل ضمانة أساسية في مواجهة هجمات محتملة من خصوم أقوياء.

ويستحضر التقرير مثال أوكرانيا؛ حيث يتزايد الاعتقاد بأن تخليها عن برنامجها النووي عام 1994، دون الحصول على ضمانات أمنية موثوقة، جعلها أكثر عرضة للعدوان الخارجي، في إشارة إلى الحرب مع روسيا.

وفي ظلّ المخاوف الغربية من أن يؤدي أي انسحاب إيراني من المعاهدة إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، حرصت طهران على التأكيد أن هذه الخطوة — إن تمت — لا تعني بالضرورة التوجه نحو تصنيع قنبلة نووية.

وأكدت أن الهدف من ذلك هو الحد مما تصفه بعمليات "التجسس" الأميركية والإسرائيلية التي تقول إنها تُنفذ تحت غطاء عمليات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفق ما نقلته وكالة "تسنيم".

الفتوى ماتت

أثارت التصريحات الإيرانية بشأن "موت فتوى المرشد الإيراني"، عقب مقتله في عملية اغتيال إسرائيلية–أميركية، موجة قلق في واشنطن؛ إذ فسّرتها تقارير إعلامية على أنها مؤشر إلى احتمال "تعديل" في الإستراتيجية النووية الإيرانية.

وزاد من هذه المخاوف حديث مسؤولين إيرانيين عن أن اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، صاحب فتوى تحريم إنتاج السلاح النووي، يعني عمليًا انتهاء مفعول هذه الفتوى، ويفتح الباب أمام احتمال التحول نحو إنتاج سلاح نووي.

وكشف الصحفي المصري محمد خيال أنه سأل مسؤولا إيرانيًا بارزًا عمّا إذا كانت فتوى المرشد السابق التي تحرّم امتلاك القنبلة النووية وتصنيعها، لا تزال سارية، أم أنها قد تتغير في ظل تطورات الحرب الحالية.

وتضمّن سؤاله احتمال أن تفكر إيران في استبدال فتوى تحريم امتلاك وتصنيع الأسلحة النووية- كتصعيد ورد على تجاوز ما تعده خطوطًا حمراء من جانب إسرائيل والولايات المتحدة- بفتوى جديدة تجيز الامتلاك والتصنيع.

وجاء رد المسؤول الإيراني حاسمًا: "لقد اغتالت إسرائيل وأميركا صاحب الفتوى، وبناءً عليه فإن التراجع عنها أمر وارد جدًا خلال الأيام المقبلة".

وأضاف أن "مناقشات بدأت بالفعل داخل دوائر رسمية بشأن إمكانية التراجع عن الفتوى واستبدالها بأخرى تجيز امتلاك السلاح النووي، ردًا على اغتيال المرشد والحرب الجارية".

في المقابل، ذكرت الدكتورة فاطمة الصمادي، الخبيرة المتخصصة في الشأن الإيراني، أن طهران سبق أن طرحت على واشنطن، خلال جولات التفاوض، مقترحًا يقضي بسنّ قانون يمنع امتلاك السلاح النووي، في محاولة لتفادي الحرب.

وأوضحت الصمادي، في مقابلة مع خليل العناني ضمن برنامج "علم نافع" على يوتيوب، أن مسؤولًا في مجلس الشورى الإيراني أبلغها بأن إيران اقترحت تحويل فتوى علي خامنئي إلى قانون مُلزم يصدر عن البرلمان، يجرّم قانونيًا حيازة السلاح النووي.

وفي سياق متصل، أعربت صحيفة يديعوت أحرونوت، في 29 مارس/آذار 2026، عن مخاوفها من أن تتجه إيران نحو تسريع امتلاك قنبلة نووية بعد الحرب، مستندة إلى ما وصفته بـ"موت الفتوى النووية".

وأشارت الصحيفة إلى أن طهران لطالما استندت في تأكيد سلمية برنامجها النووي إلى الحظر الديني الذي فرضه خامنئي، إلا أن خليفته لم يؤكد هذا الموقف حتى الآن، في وقت يتصاعد فيه نفوذ التيار المتشدد، وتتزايد الدعوات لامتلاك السلاح النووي، وسط خطاب يعدّ إيران "قوة عظمى".

وجاء في نص فتوى خامنئي: "نؤمن بأن الأسلحة النووية إلى جانب غيرها من أسلحة الدمار الشامل كالكيميائية والبيولوجية، تشكل تهديدًا خطيرًا للبشرية... ونعدّ استخدام هذه الأسلحة حرامًا، ونرى أن من واجب الجميع العمل على حماية البشرية من هذه الكارثة".

وصدر هذا الحكم في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ولم يُكشف عنه علنًا إلا عام 2003، في سياق سعي إيران للرد على الاتهامات الدولية بشأن برنامجها النووي.

وفي هذا الإطار، قال سينا أزودي، الخبير في البرنامج النووي الإيراني بجامعة جورج واشنطن، لشبكة CNN: إن التيار المتشدد في إيران يرى في الظروف الحالية فرصة لإعادة النظر في العقيدة النووية المعلنة.

وأضاف أزودي: "كان أحد أسباب ضبط النفس النووي هو الخشية من الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكن بعد وقوع هذه الضربات بالفعل، تغيرت قواعد اللعبة بشكل جذري".

وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران تمتلك قبل الحرب نحو 10 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجات متفاوتة، معظمها منخفض التخصيب، لكن نحو 440.9 كيلوغرامًا منه مخصب بنسبة 60%.

وتُعد هذه النسبة قريبة من مستوى 90% اللازم لصنع سلاح نووي، ما يجعل إمكانية الوصول إلى هذا المستوى أمرًا أسرع نسبيًا، وبكميات قد تكفي لصنع نحو 10 قنابل نووية.

ويُعتقد أن جزءًا كبيرًا من هذا اليورانيوم مخزّن تحت منشآت نووية تعرضت للهجوم، خاصة في أصفهان، ما يثير مخاوف من إمكانية استخراجه وإعادة تخصيبه في مواقع سرية.

وترى تقارير غربية أنه في حال بقاء النظام الإيراني وعدم تدمير هذه المخزونات، فقد تتمكن طهران من تسريع طريقها نحو امتلاك قدرة نووية، سواء عبر تطوير سلاح بدائي أو ما يُعرف بـ"القنبلة القذرة"، وهي أجهزة أقل تعقيدًا من الأسلحة النووية المتقدمة التي تمتلكها دول مثل الولايات المتحدة وروسيا.

ورغم أن مثل هذه الأسلحة قد لا تكون قابلة للتحميل على صواريخ باليستية، فإنها تظل قادرة على إحداث دمار واسع، وقد تُستخدم كأداة لإظهار القدرة النووية في إطار سعي النظام لضمان بقائه.

هذا ما سيحدث 

كانت نشرة علماء الذرة الأميركية قد رسمت، في 25 يونيو/حزيران 2025، عقب حرب الأيام الـ12 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، سيناريو بعنوان: “ماذا لو انسحبت إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)؟”

ووفق هذا السيناريو، فإن انسحاب إيران من المعاهدة سيؤدي إلى إلغاء الحظر القانوني المفروض على حيازتها للأسلحة النووية، كما سيمنحها مبررًا لرفض أنظمة الرقابة والضمانات الدولية.

ومن شأن هذه الخطوة أيضًا أن تُسهّل إعادة بناء القدرات النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف، وأن تتيح لطهران استخدام هذه القدرات لتطوير أسلحة نووية بعيدًا عن أي إشراف دولي.

وتشير النشرة إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بالمعرفة التقنية اللازمة لبناء أجهزة الطرد المركزي وتجميعها في سلاسل تشغيلية، فضلًا عن الخبرة المتراكمة من أنشطتها السابقة، بما في ذلك العمل السري المرتبط بتطوير القدرات النووية، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للتحرك.

وفي ضوء هذه المعطيات، يُرجح أن تتمكن إيران من إنشاء وتشغيل منشأة تخصيب سرية تحت الأرض، قادرة على إنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في تصنيع الأسلحة.

كما سيزداد تسارع هذا المسار إذا نجحت طهران في الاحتفاظ بأكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من نظير اليورانيوم-235.

وترى النشرة أنه يمكن لإيران تأجيل قرار تصنيع سلاح نووي إلى مرحلة لاحقة، بعد استعادة قدراتها، إلا أن تفعيل بند الانسحاب من المعاهدة على المدى القريب قد يعرّضها لخطر تصعيد عسكري.

ومع ذلك، تؤكد نشرة علماء الذرة أن خصوم إيران قد يفسرون الانسحاب على أنه إعلان ضمني عن نيتها امتلاك سلاح نووي، إلا أن هذا الربط لا يستند إلى أساس قانوني مباشر، كما أن منطقه ليس حاسمًا بالضرورة.

فمن الممكن- نظريًا- أن تنسحب إيران من المعاهدة، مع الاستمرار في اتباع سياسة "التحوط النووي"، أي الحفاظ على القدرة التقنية دون الإعلان عن امتلاك سلاح نووي، حتى مع إعادة بناء برنامجها لتخصيب اليورانيوم بشكل سري.

وتشير النشرة إلى أن التهديدات الإيرانية السابقة بالانسحاب من المعاهدة ربما كانت في إطار مناورات تفاوضية، لكنها جاءت بنتائج عكسية آنذاك، إذ جعلت إيران أكثر عرضة للضغوط الدولية.

غير أن ردود الفعل الدولية على انسحاب إيراني في ظل الظروف الراهنة- في أعقاب حرب 2025 والتصعيد الحالي- قد تكون أكثر هدوءًا؛ إذ من غير المرجح أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من فرض عقوبات أو ترتيبات رقابية جديدة، في ظل غياب التوافق بين أعضائه الدائمين.

كما قد لا يتعرض شركاء إيران ومورّدوها في المجال النووي لضغوط كبيرة تدفعهم إلى تقليص التعاون معها.

وفي المقابل، قد تقتصر الاستجابة الدولية على مطالبات غير ملزمة لطهران بإعادة النظر في قرارها، وهي خطوات تتطلب توافقًا بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ومع ذلك، لا يستبعد السيناريو لجوء بعض الدول بشكل منفرد إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو اتخاذ إجراءات أخرى، بما في ذلك خيارات عسكرية، للضغط على إيران.