تحركات أميركية وصينية روسية.. تنافس لأجل ليبيا أم للمصالح الخاصة؟

عالي عبداتي | منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

يشهد الملف الليبي تحركات دولية متعددة تهدف إلى دفع العملية السياسية إلى الأمام، في وقت يشكك فيه مراقبون بقدرة هذه الجهود على إحداث تأثير ملموس على الأرض، في ظلّ استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد.

ومن أبرز هذه التحركات ما كشف عنه موقع "أفريكا إنتليجنس" الفرنسي في تقرير بتاريخ 13 مارس/آذار 2026، بشأن وجود اتصالات ولقاءات سياسية غير معلنة جرت خلال الأشهر الماضية بين شخصيات من شرق ليبيا وغربها، برعاية أو بتسهيل من أطراف دولية.

وأوضح الموقع أن لقاءً جديداً قد يُعقد في العاصمة الأميركية واشنطن، يجمع مستشاراً في حكومة الوحدة الوطنية ونجل القائد العسكري في شرق ليبيا، وذلك عقب اجتماعين سابقين عُقدا في مدينتي روما وباريس خلال الفترة الماضية.

وبحسب التقرير، تهدف هذه اللقاءات إلى بحث مخرجات الاجتماعات السابقة ومناقشة ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، في ظل استمرار حالة الجمود التي تعاني منها العملية السياسية في ليبيا منذ تعثر الانتخابات التي كان من المقرر تنظيمها نهاية عام 2021.

وأشار التقرير إلى أن هذه التحركات قد ترتبط بطرح أفكار تتعلق بتشكيل حكومة موحدة جديدة، ضمن ترتيبات قد تتيح بقاء القيادات الحالية في مواقعها خلال مرحلة انتقالية جديدة، من دون تحديد موعد واضح لإجراء الانتخابات.

وأضاف المصدر أن هذه الاتصالات مستمرة منذ أشهر بين ممثلين عن الأطراف الرئيسة في شرق ليبيا وغربها، وتركز على قضايا المناصب السيادية، وتشكيل حكومة جديدة، وإدارة المرحلة الانتقالية المقبلة.

وتعيد هذه التحركات التي تقودها الولايات المتحدة، التذكير بالموقف الذي عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب في برقية بعث بها إلى رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بمناسبة يوم الاستقلال.

وكان المنفي قد ذكر، في منشور عبر حسابه على فيسبوك بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني 2026، أن الرئيس الأميركي أعرب عن تطلع بلاده لرؤية ليبيا قوية ومستقرة ومزدهرة.

كما شدد ترامب على أهمية انخراط القادة في مختلف أنحاء ليبيا في جهود إنهاء الانقسامات ووقف العنف، ودعم مسار سياسي شامل يخدم مصالح الليبيين.

وأكّد كذلك استمرار دعم إدارته لجهود تعزيز التعاون مع الشركات الأميركية لخلق فرص اقتصادية حقيقية تعود بالنفع على الشعبين الأميركي والليبي، مرحباً بالخطوات التي اتخذها القادة الليبيون للعمل نحو الوحدة وتحسين الإدارة الاقتصادية، عادّا إياها مسارا إيجابيا لبناء مستقبل أفضل للبلاد.

وتعيش ليبيا أزمة صراع بين حكومتين؛ الأولى معترف بها دولياً، وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها وتدير منها غرب البلاد.

أما الحكومة الثانية، فقد عيّنها مجلس النواب مطلع عام 2022 برئاسة أسامة حماد، وتتخذ من بنغازي مقراً لها، وتدير شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب، وتخضع لسلطة الجنرال خليفة حفتر.

التدخل الأميركي

في قراءته لهذا التحرك الأميركي، قال الرئيس المؤسس للمجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب: إن التدخل الأميركي المباشر أصبح ضرورة بعد فشل المسار الأممي خلال السنوات الماضية في إنهاء الانقسام السياسي والأمني.

وصرح شنيب لـ "الاستقلال" بأن "الولايات المتحدة لن تدخل بثقلها في ليبيا إلا إذا رأت فرصة حقيقية لتحقيق تقدم، خصوصا في ظل مصالحها الإستراتيجية بشمال إفريقيا والساحل".

ورأى شنيب أن المدخل الحقيقي للاستقرار هو الملف الأمني، موضحا أن ذلك يبدأ بإعادة تأهيل الجيش الليبي، خصوصا في الإقليم الغربي، وإطلاق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

واسترسل، بالإضافة إلى إنشاء مجلس عسكري قيادي توافقي بين الشرق والغرب كمرحلة انتقالية، بدلا من توحيد كامل وفوري للمؤسسة العسكرية، الذي عدّه أمرا تدريجيا وصعب التحقيق سريعا.

Capture d’écran 2026-03-26 184839.png

وأكد السياسي الليبي أن حكومة تكنوقراط موحدة لن تستطيع العمل دون بيئة أمنية مستقرة. مشددا على أن "انهيار الدينار والأوضاع الاقتصادية الضاغطة يفرضان تسريع الحلول".

كما رأى شنيب أن واشنطن انتقلت من سياسة العمل عبر الأمم المتحدة إلى التدخل المباشر، مستشهدا بنهج إدارة دونالد ترامب في إعادة تعريف دور الولايات المتحدة عالميا، وتقليص دور المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة. 

وخلص إلى أن التعامل المباشر مع واشنطن أفضل لليبيا من إدارة الصراع عبر وكلاء إقليميين، وأن الاستقرار يخدم أيضا المصالح الاقتصادية الأميركية.

بدوره، ذكر الكاتب والباحث في العلاقات الدولية وشؤون المغرب العربي، علاء فاروق، أن هناك تحركات أميركية موسعة بليبيا، وخاصة داخل معسكر الشرق الليبي؛ حيث تم عقد عدة لقاءات مع مسؤولين هناك عسكريين واقتصاديين، شملت توقيع اتفاقات اقتصادية واتفاقات أمنية.

وأبرز فاروق في تصريح نقلته "شبكة لام"عبر حسابها على فيسبوك في 26 مارس، أن القائم بأعمال السفارة الأميركية بليبيا، جيرمي برنت، يتولى هذا الملف.

واسترسل: إذ يكثف جولاته في شرق ليبيا عبر لقاءات منفصلة مع كل من رئيس الأركان بالقيادة العامة خالد حفتر، ومدير عام صندوق التنمية وإعادة الاعمار بلقاسم حفتر.

ويعتقد الباحث أن هذه التحركات تشير إلى تغيير حفتر وعائلته الوجهة من روسيا إلى أميركا، خاصة أنها جاءت بالتزامن مع ما تم كشفه أخيرا عن توقيع حفتر عقدا مع شركة بالارد بارتنرز المقربة من دائرة الرئيس الأميركي ترامب بقيمة مليوني دولار بهدف تحسين الصورة العامة للمشير حفتر ونجله الأقرب لخلافته الفريق صدام حفتر.

وإضافة إلى ما سبق، يقول فاروق، هناك تحركات يقودها مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس، ويشارك فيها صدام حفتر من أجل تقاسم السلطة بين الشرق والغرب وحصر التقاسم بين عائلتي حفتر والدبيبة، ما يرسخ حكم العائلة وربما يقضي على فكرة الانتخابات. وفق تعبيره.

تحركات متوازية

الساحة الليبية ليست مجالا خاصا بالولايات المتحدة، بل تعمد دول كبرى أخرى إلى محاولة القيام بدور سياسي أو اقتصادي يحقق مصالحها في هذا البلد الغني بالنفط ومترامي الأطراف.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الإعلان الصادر عن السفارة الروسية بليبيا في 22 مارس، والذي جاء فيه أن سفيري روسيا والصين لدى ليبيا، أيدار أغانين وما شيوي ليانغ، بحثا آخر مستجدات العملية السياسية في البلاد.

وذكر المصدر ذاته أن السفيرين بحثا كذلك "الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تسوية شاملة تقودها الأمم المتحدة".

وأفادت السفارة الروسية، عبر بيان نشرته على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك، أن اللقاء تناول تطورات الأوضاع في ليبيا، مع التركيز على مسار العملية السياسية، والمساعي التي تبذلها الأمم المتحدة لدفع عجلة التسوية بين الأطراف المختلفة، في ظل التحديات التي تواجه البلاد على الصعيدين السياسي والأمني.

غير أن تركيز روسيا والصين على المدخل الأممي لحل الأزمة السياسية بليبيا، والذي يروم قطع الطريق على تنامي الدور الأميركي، لا يلقى تأييدا كبيرا بين بعض المراقبين للمشهد الليبي.

جمود مخدوم

وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي أحمد التهامي، أن الحراك السياسي في ليبيا، رغم تعدده، ما يزال يواجه تحديات جوهرية تعيق تحقيق اختراق حقيقي في مسار الأزمة، خاصة في ظل تباطؤ أداء البعثة الأممية، وعدم قدرتها على إحداث تقدم ملموس. وفق تعبيره.

وشدد التهامي في تصريح نقله موقع "الساعة24" المحلي في 24 مارس، أن حالة "الراحة التي تعيشها الأطراف الليبية، سواء في الشرق أو الغرب، تسهم في استمرار الجمود".

وتابع: "إذ ترى كل جهة أنها قادرة على إدارة شؤونها والحفاظ على مكاسبها دون الحاجة إلى تقديم تنازلات، وهو ما ينعكس أيضا على الموقف الدولي الذي يرى أن نفوذه في ليبيا مستقر ولا يستدعي تحريك الملف بشكل عاجل".

كما لفت التهامي إلى أن محاولات البعثة الأممية تظل محدودة التأثير، مرجعا ذلك إلى عدم انخراطها بشكل كافٍ مع الأطراف الدولية المؤثرة، الأمر الذي يقلل من فرص نجاح أي مبادرة سياسية ترعاها.

ورأى المحلل السياسي أن الانشغال الدولي بالصراعات الجارية، خاصة في الشرق الأوسط، لا يُتوقع أن ينعكس بشكل مباشر على طبيعة السلطة القائمة في ليبيا. مرجحا أن تميل الأطراف الحاكمة إلى الحفاظ على الوضع القائم بدلا من إعادة تشكيل نفسها، في ظل تراجع أولوية الملف الليبي لدى عدد من القوى الدولية.

وأكد التهامي أن البلاد خارج دائرة التأثير المباشر لهذه الصراعات؛ نظرا لأن كلا من روسيا والولايات المتحدة تحتفظان بعلاقات مع مختلف الأطراف الليبية في الشرق والغرب، وهو ما يضمن تأمين مصالحهما دون الحاجة إلى تحريك الملف الليبي.

وشدد أن غياب الدافع لدى هذه القوى الكبرى للتدخل مجددا في ليبيا يعود إلى كون مصالحها مؤمّنة، ما يجعل أي تحرك محتمل مرتبطا بالأساس بالعوامل الداخلية الليبية، وليس بالتطورات الدولية.

655728256_122257673498177351_7337823621551067068_n.jpg

سيناريوهات محتملة

تتعدد السيناريوهات المحتملة لحل الأزمة الليبية في المدى القريب، ومن بينها ما أورده "مركز رع للدراسات الإستراتيجية" في تقرير صدر بتاريخ 14 يناير 2026.

وأشار المركز إلى أربعة سيناريوهات رئيسة، أولها "استمرار الجمود والانقسام"، مقدرا أنه الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، في ظل استمرار الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب وتعثر المسار الانتخابي.

وفي هذا السياق، ستبقى المؤسسات الرسمية محدودة الفاعلية، مع استمرار استغلال المليشيات للسلاح والموارد لتعزيز نفوذها، ما يؤدي إلى تواصل الاحتجاجات الشعبية وارتفاع مستويات الغضب الاجتماعي.

وأوضح أن استمرار هذا السيناريو يعني بقاء البلاد في حالة إدارة للأزمة دون التوصل إلى حل سياسي حقيقي، مع احتمال تصاعد التوترات الأمنية في حال اندلاع أي شرارة نزاع مسلح محلي.

أما السيناريو الثاني، وفق التقرير، فيتمثل في "التوصل إلى توافق سياسي جزئي" تحت إشراف الأمم المتحدة، يشمل توحيد بعض المؤسسات، مثل تشكيل مجلس رئاسي مؤقت أو لجنة تشريعية مشتركة، إلى جانب تحديد إطار زمني محدود لإجراء الانتخابات.

وبيّن أن هذا السيناريو قد يسهم في تخفيف حدة الانقسامات، وتحسين قدرة الدولة على إدارة الإيرادات والموارد النفطية، فضلاً عن الارتقاء التدريجي بمستوى الخدمات الأساسية.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار هشاً؛ إذ قد يواجه الاتفاق الجزئي معارضة من بعض المجموعات المسلحة أو القوى السياسية، وقد يستدعي إعادة التفاوض عند بروز خلافات جديدة، ما يعني أن الاستقرار سيكون مؤقتا وغير شامل، لكنه يمثل خطوة مهمة نحو بناء الثقة بين الأطراف.

وذكر المركز أن السيناريو الثالث يتمثل في "إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية موحدة" بإشراف أممي ودعم دولي وإقليمي فعّال.

وأضاف أن تحقيق هذا السيناريو سيُحدث تحولاً جذرياً في المشهد السياسي، ويمنح الشرعية لأي حكومة جديدة، ويمهد لإصلاح المؤسسات المالية والأمنية.

وأكد أن نجاح هذا المسار يتطلب تهيئة بيئة أمنية وسياسية ملائمة، إلى جانب توافق القوى الدولية والإقليمية، وهو أمر يصعب تحقيقه على المدى القصير، لكنه يظل الخيار الأكثر استقراراً على المديين المتوسط والطويل.

وفي حال تعثر جميع المسارات السياسية، أشار التقرير إلى احتمال تصاعد المواجهات المسلحة بين الأطراف المتنافسة، سواء بين الشرق والغرب أو بين المليشيات المختلفة.

ولفت إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة تدفقات اللاجئين والمهاجرين، وتدهور الوضع الاقتصادي، وربما إلى تدخل دولي مباشر أو غير مباشر.

ورغم أنه يُعد الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن بفعل الضغوط الدولية، فإنه يظل تهديداً قائماً في ظل هشاشة مؤسسات الدولة واعتماد أطراف النزاع على منطق القوة.

وخلص التقرير إلى أن تحقيق الاستقرار طويل الأمد في ليبيا يتطلب حلاً سياسياً شاملاً يقوم على دمج المؤسسات الرسمية، وتوحيد الأجهزة الأمنية، وإعادة توزيع الموارد بشكل عادل وشفاف، إلى جانب إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وشدد على أن أي تأخير في معالجة هذه الملفات سيُبقي حالة عدم اليقين قائمة، ويرفع احتمالات التصعيد داخليا وإقليميا.

واختتم بالإشارة إلى أن تعزيز الحوار بين الأطراف الليبية، بدعم من المجتمعين الدولي والإقليمي، يبقى المسار الأكثر واقعية نحو تحقيق استقرار تدريجي ومستدام، ما يضع ليبيا أمام مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في إدارة الأزمة أو الانتقال إلى تحول سياسي جذري.